“آرو-4”: كيف تستعد “تل أبيب” لمواجهة قنبلة طهران؟ 

في الوقت الذي بدأت فيه إيران إنتاج معدن اليورانيوم لتغذية مفاعل للأبحاث النووية في طهران، وبالتالي انتهاكها من جديد لالتزاماتها في إطار الاتفاق حول النووي الإيراني المبرم عام 2015، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية- فإن إسرائيل تعلن عن قيامها بتطوير الدرع الصاروخية الباليستية الجديدة (آرو-4) بالتعاون مع الولايات المتحدة، وهي مستوى جديد من نظام دفاعي شيدته مع التركيز خصيصًا على إيران.

وتأسيسا على ما سبق، وطالما بقيت التخوفات، وتستمر استعدادات تلك الأطراف لمواجهة محتملة أياً كان حجمها ومستواها- يبقى السؤال، ما هي حدود انتهاك “طهران” للاتفاق المبرم عام 2015 بشأن التزاماتها النووية؟، وما هي حدود التوترات الإسرائيلية- الإيرانية، ولماذا أعلنت إسرائيل عن تطوير (آرو-4) في هذا التوقيت، وكيف يمكن أن تتصرف إيران في الوقت القادم؟.

 انتهاك مهدد:

بدأت إيران إنتاج معدن اليورانيوم لتغذية مفاعل للأبحاث النووية في طهران في 8 فبراير الجاري، وذلك في انتهاك جديد لالتزاماتها في إطار الاتفاق حول النووي الإيراني المبرم عام 2015، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك على الرغم من تحذيرات القوى الدولية من أن هذا يشكل انتهاكاً جديداً للاتفاقية الموقعة معها، والتي بموجبها “التزمت إيران بعدم الانخراط في إنتاج أو الحصول على معدن اليورانيوم أو إجراء بحث وتطوير في مجال تعدين اليورانيوم لمدة 15 عامًا”.

الواقع يؤكد اتخاذ “طهران” مسار معاكس، حيث تحققت وكالة الدولية للطاقة الذرية من إنتاج إيران 3.6 جرامات من معدن اليورانيوم في منشآتها في مصنع أصفهان” في وسط إيران، كما أكد بيان المجموعة الأوروبية، وهي الدول الموقعة على اتفاق 2015 إلى جانب روسيا والصين والولايات المتحدة التي غادرته أحادياً عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث “تلتزم إيران بموجب الاتفاق بعدم إنتاج اليورانيوم المعدني وعدم إجراء البحوث والتطوير في مجال تعدين اليورانيوم لمدة 15 عاما”، وأن ” إيران ليس لديها مبرر مدني موثوق به لهذه الأنشطة، وهي خطوة أساسية في تطوير سلاح نووي”، بينما ردت إيران بأن خطوتها لا تنتهك الفقرة 36 من الاتفاق، “والتي تنظم الإجراءات التي يمكن لطرف أن يتخذها إذا رأى أن الطرف الآخر لا يفي بالالتزامات”، مبررة ذلك بأنها تجري أبحاثاً بهدف إنتاج وقود لمفاعل بحثي، غير أن من المعروف أن معدن اليورانيوم يمكن أن يستخدم لإنتاج نواة قنبلة نووية. وتعتبر هذه الخطوة أحدث خرق من قبل إيران للاتفاق النووي، حيث بدأت طهران تزيد من وتيرة خرقها للاتفاق بعد انسحاب الولايات المتحدة منها عام 2018 وإعادة فرض العقوبات على إيران، ومن هنا تزاد من جديد التوترات الإيرانية بدول المنطقة، أهمها الكيان الإسرائيلي الذي يعتبر إيران العدو الأول لكن لم تحدث حتى الآن أي مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، ولكن إيران تقر وتعلن بشكل صريح دعمها فصائل المقاومة الفلسطينية التي تسعى إلى تقويض الكيان الإسرائيلي.

توترات إيرانية- إسرائيلية:

تحتاج إيران إلى أقل من عامين لصنع أول قنبلة ذرية قابلة للإطلاق، هذا وفق ما كشفه تقرير استخباراتي إسرائيلي، ووفقًا لهذا التقرير الذي صدر حول التهديدات الأمنية في عام 2021، فإنه على النظام الإيراني لكي يحصل على سلاح نووي في غضون عامين، وتحظى التقديرات السنوية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بمتابعة واهتمام كبيرين داخل إسرائيل وخارجها، كونها من جهة تعكس قراءة هذه الأجهزة لتطورات الوضع في المنطقة وتصور التهديدات من وجهة نظر إسرائيلية.

وتعبر مواقف هذه الأجهزة وردها عليها، والتداعيات التي قد تنجم عن ذلك- على الوضع في إسرائيل والمنطقة، وتساعد متابعة هذا كله في فهم العقل الأمني الإسرائيلي، وعليه، يمكن أن تقرر إيران التحرك نحو القنبلة بكل قوتها، وهذا لا يعني فقط انتهاك جميع التزامات الاتفاق النووي، ولكن أيضًا الانسحاب من “إن بي تي”. ووفقاً لتقرير نشرته إيران انترناشيونال، سابقاً فإن إيران تمتلك حالياً ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 4 أو 20 في المئة، وإذا قررت اليوم المضي في قرار صنع القنبلة، يمكنها توفير ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 90 في المئة لقنبلتين ذريتين في غضون 4 أشهر، لكن صنع معدات أخرى، مثل المفجر وتركيب رؤوس حربية نووية على الصواريخ الموجودة واختبارها، يرفع الوقت الذي تحتاجه إيران للحصول على قنبلة ذرية قابلة للاستخدام إلى عامين. وهنا يجب على الجيش الإسرائيلي أن تكون الهجمات أو التخريب على 3 أجزاء، هي: التخصيب، والتفجير، وبرنامج الصواريخ.

ردع مشترك لطهران:

أعلنت إسرائيل أنها تعمل على تطوير الدرع الصاروخية الباليستية الجديدة (آرو-4) بالتعاون مع الولايات المتحدة، وهي مستوى جديد من نظام دفاعي شيدته مع التركيز خصيصًا على إيران. وتعمل منظومات الصواريخ آرو-2 وآرو-3 بالفعل ضمن نظام متعدد المستويات يهدف لاعتراض وتدمير الصواريخ القادمة في المجال الجوي والفضاء.

وعليه صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في بيان “تطوير آرو-4 مع شركائنا الأميركيين سيؤدي إلى قفزة تقنية وميدانية ويعدنا لميدان القتال المستقبلي والتهديدات التي تطرأ في منطقة الشرق الأوسط وخارجه”. وقد وصف الزعماء الإسرائيليين برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني بأنه تهديد لإسرائيل وللعالم. في حين ترد إيران إنها تطور الصواريخ لأغراض دفاعية ولردع الهجمات، كما أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية المملوكة للدولة ستكون المتعاقد الرئيسي على تطوير نظام آرو-4. وتسرّع إسرائيل من وتيرة تحديث وتطوير ترسانتها العسكرية، في ظل مخاوف من مواجهة تبدو وفق الكثيرين حتمية مع النظام الإيراني الذي يتخذ من العداء لإسرائيل ديدن وجود، كما أعلنت وزارة الأمن الإسرائيلية عن تطوير صواريخ اعتراضية لمنظومة “حيتس4” بالتعاون مع الوكالة الأميركية للدفاع، وقالت في بيان إن الصواريخ الاعتراضية “تشمل قدرات محسنة ستحل مكان صواريخ منظومة “حيتس 2” في العقود المقبلة.

وتتكون منظومة “حيتس” من عدة أجهزة، بينها رادارات بالغة القوة، وأنظمة قيادة وتحكم وإطلاق صواريخ اعتراضية، ويتم صنع جميع هذه الأجهزة والأنظمة في الصناعات الأمنية الإسرائيلية، وكانت اللجنة الوزارية الإسرائيلية المصغرة (كابينيت) صادقت مؤخراً على صفقة أسلحة ومنظومات سيبرانية ودفاعية مع الولايات المتحدة بقيمة تفوق 6 مليار دولار، فيما بدأت خطوة من تل أبيب للاستعداد لأسوأ السيناريوهات مع طهران، في ظل تقديرات تقول إن الأخيرة باتت قاب قوسين من صنع قنبلة نووية.

جاهزية ميليشيا إيران:

لا تنحصر مخاوف تل أبيب في برنامج إيران النووي، بل أيضا في التحديات التي يفرضها وجود ميليشيات مسلحة موالية لطهران على جنباتها، فضلا عن برنامجها للصواريخ الباليستية، التي يقول المسؤولون الإسرائيليون إنه تهديد لأمن بلادهم والعالم. وقد تناول تقرير للجيش الإسرائيلي الأذرع الإقليمية لإيران، خاصة “حزب الله” اللبناني، وبحسب التقرير، قد لا ينوي الحزب خوض حرب واسعة النطاق مع إسرائيل، لكن من الممكن أن تكون هناك معارك صغيرة بين الجانبين.

وقال رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية، إن “حزب الله” كان يعتقد في السابق أن أي عمل ضد إسرائيل يمكن أن يتحول إلى حرب شاملة، ولذلك لم يتخذ إجراء ضد إسرائيل، لكن الحزب توصل الآن إلى استنتاج مفاده أن بإمكانه اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل يكون رد إسرائيل عليها محدودًا. وأضاف، قائلاً إن إيران و”حزب الله” يحاولان التمركز في سوريا لتهديد إسرائيل عبر هضبة الجولان، وأن الهجمات الإسرائيلية حتى الآن أحبطت هذه الجهود إلى حد كبير. وقد أشار مسئول عسكري إسرائيلي لبعض وسائل الإعلام إلى أن التسلل إلى العراق واليمن والتهديد الإسرائيلي من هاتين الدولتين هو أفضل وسيلة للنظام الإيراني لمواصلة هجماته دون المخاطرة بحرب شاملة.

مخاوف إسرائيلية:

بالرغم من أن كورونا والأزمة الاقتصادية “أحنت ظهر” النظام الإيراني، لكنها لم “تقصم ظهره”، بل صعدت طهران أيضًا من برنامجها النووي، وتأمل الآن في أن تتمكن من حل بعض مشاكلها الاقتصادية من خلال العودة إلى الاتفاق النووي، وذلك حسبما أشار رئيس جهاز مخابرات الجيش الإسرائيلي، الجنرال تامر هايمان. ومن السابق، يمكن الإشارة إلى أن الإسرائيليون لا يخفون قلقهم من رغبة إدارة “بايدن” في العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي انسحبت منه الإدارة السابقة في العام 2018، بل يطالبون بضرورة أخذ هواجسهم في الاعتبار، حيث اعتبر رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي مؤخرًا أنّ العودة إلى الاتفاق النووي ستكون “أمراً سيئاً”، معلناً أنّ الدولة العبرية بصدد إعداد “خطط جديدة” للتصدّي إلى إيران، خاصة بعد أن أبلغت الإدارة الأمريكية بعثة إيران في الأمم المتحدة بأنها ستخفف قيود السفر على الدبلوماسيين الإيرانيينن.

 ويزداد حدة القلق الإسرائيلي من ذلك الوضع على الرغم من أن إدارة بايدن لم تتواصل مع مسئولين إيرانيين بخلاف الإبلاغ بتخفيف قيود السفر. وعلى الرغم من أبلاغ ريتشارد ميلز، القائم بعمل السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، بأن بلاده سحبت تأكيد إدارة الرئيس ترامب، بإعادة فرض كل عقوبات الأمم المتحدة على إيران في سبتمبر 2000- بحسب وكالة “رويترز”- إلا أن القلق الإسرائيلي في ازدياد مستمر.

وقد تكون عودة التهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري ضد المشروع النووي الإيراني من باب الضغط على إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، لتحجيم حماستها وردعها عن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران. لذلك السؤال الذي يبقى من دون جواب حقيقي، هو: ما هي المدة التي تفصل إيران عن القنبلة النووية؟ أسابيع أشهر أم عامان؟ الجواب خاضع، على ما يبدو، للاعتبارات السياسية وتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة، هذا فضلاً عن تهديداتٍ أخرى أكثر إلحاحاً، مثل تهريب إيران السلاح، واستمرار تمركزها العسكري في سوريا، وخطر الصواريخ الدقيقة التي لدى حزب الله وإمكانية اشتعال الجبهة على الحدود الشمالية مع لبنان التي تعتبرها أكثر إلحاحا من احتمال مهاجمة المنشآت النووية في إيران، حيث أن إيران غير النووية ربما تكون خطيرة بما يكفي ليقف الجميع في مواجهة سلوكها العدائي. ومن يسعى لمنعها من امتلاك سلاح نووي بحجة أنه يحمي المنطقة والعالم، عليه أن يدرك أن رغبة النظام الإيراني في ذلك السلاح هي واحدة من تجليات هذا السلوك، بمعنى أن حكام طهران اليوم يريدون القوة النووية للإمعان في عدائيتهم، والتصعيد في إرهابهم وترهيبهم وللمنطقة وللعالم.

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى