مسبار الأمل: ما هي انعكاسات مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ على تموقعها بين المتنافسين؟

يطرح نجاح دولة الإمارات العربية في إرسال مسبارها برحلة للكوكب الأحمر”المريخ” لاستكشافه في أولى رحلات العرب الاستكشافية للفضاء- عدة تساؤلات، وهي: كيف ينعكس هذا النجاح على صورة الإمارات بين الدول الكبرى المتنافسة في هذا المجال؟، وما هو تأثير ذلك على مركزية دولة الإمارات في عالم الأقمار الاصطناعية، خاصة وأنه تم إطلاق “مسبار الأمل” في 20 يوليو 2020 من مركز “تانيغاشيما الفضائي” الياباني، وبالأخص منصة “ماتسوبيشي الصناعية” ؟.

وطالما أن “مسبار الأمل” حمل عبارة “لا شيء مستحيل ” في رحلته التي استغرقت سبعة أشهر لقطع مسافة 493 مليون كيلومتر للوصول إلى كوكب المريخ، وهو ما يشير إلى خطة طموحة لدولة الإمارات في هذا المجال- فما هو تأثيره على تموقع الإمارات بين المتنافسين، خاصة وأنه- مسبار الأمل- بلغ هدفه في فبراير2021، تزامنا مع احتفال الإمارات بمرور 50 عاما على قيام الدولة الموحدة؟.

مشروع طموح:

تؤكد المؤشرات على أرض الواقع أن الإمارات العربية تعمل على هذا المشروع منذ فترة طويلة. فقد تأسست وكالة الإمارات للفضاء في عام 2014، وذلك للعمل على تنظيم وتطوير قطاع الفضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال التركيز على تنمية المقدرات الوطنية في تكنولوجيا الفضاء، وبناء الشراكات الاستراتيجية في المجال نفسه. كما توفر الوكالة الفرص والبعثات العلمية في مجال القطاع الفضائي، بالتنسيق مع الجهات المختصة في دولة الإمارات وخارجها. هذا بالإضافة إلى إنشاء مشاريع استثمارية في مجال القطاع الفضائي وإدارتها على أسس اقتصادية.

تأسيسا على ما سبق، واستكمالاً لما تقدم، يمكن القول إن إطلاق الإمارات لبرنامجها الوطني للفضاء عام 2017 من قبل صاحب السمو الشيخ “محمد بن راشد آل مكتوم”، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان” ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة- جاء بهدف تطوير خبرة محلية في هذا المجال، وهو ما يشير إلى أنه لدى دولة ولدى الإمارات خطة طموحة لإقامة مدينة سكنية على المريخ بحلول عام 2117، وقد اختارت الإمارات “هزاع المنصوري” كأول رائد فضاء إماراتي يصل إلى الفضاء في سبتمبر 2019 في رحلة إلى محطة الفضاء الدولية.

  انعكاسات واضحة:

على الرغم من الآثار السلبية التي تحدث علماء النفس والاجتماع عنها فيما يمكن ان تفسده التكنولوجيا الحديثة خاصة على الهوية الوطنية التقليدية، إلا أن البعض ذهب إلى ابعد من هذا وهو التأثير الإيجابي للتكنولوجيا الحديثة خاصة على الصورة الذهنية للمواطن وتعزيز هويته الوطنية وفي ذلك يفسر عالم الأنثروبولوجيا “كليفورد جيرتز” بأن الانتماء لهوية معينة قائم على بعدين البعد الأول الداخلي الوطني الطبيعي والبعد الأخر المتعلق بالشق المصلحي البرجماتي ، ومن خلال بناء مفهوم “الوطنية الحديثة ” القائم على مزج الداخلي الوطني بالمصلحي البرجماتي يمكن للتكنولوجيا أن تُمثِّل دعمًا وتقوية لشعور الأفراد بالانتماء الوطني إلى مجتمع حديث ومتطور، كون هذا المجتمع قادر على توفير متطلبات الأفراد، وتيسير سبل الحياة ووسائل الراحة لهم، وحصولهم على الخدمات الضرورية بوسائل تكنولوجية عدة وبأقل مجهود. هذا بالإضافة إلى قدرة مجتمعات التكنولوجيا على إشباع حاجات أفرادها المعرفية والترفيهية بشكل آنيٍّ، وبالتالي يُعزز احتياج الفرد إلى هذا المجتمع التكنولوجي عبر عملية إدراكية ترتبط بحسبة المصلحة، وهو ما يسعى إليه حكام دولة الإمارات في تحديث الدولة وبناء هوية وطنية حديثة تجمع بين الأصلي والمصلحي الحديث وتستهدف وتستهدف تعزيز مساهمة القطاع الفضائي في الاقتصاد الوطني، وإسهامات الدولة في مجال الفضاء وإبرازها على المستويين الإقليمي والعالمي.

ويمكن اعتبار ما تقوم به الإمارات وما تخطط له في المستقبل هو خطوة أصيلة نحو التقدم والتحديث فواقع العالم الآن يفرض على جميع الدول الانطلاق في مجال التحديث والتطوير التكنولوجي وخاصة مجال الفضاء ،ويرى البعض انه إمكانية التعاون مع الدول الكبرى والهيئات الدولية في هذا المجال مدخلاً مهما في طريق الدولة نحو التحديث ولكن يجب على الدولة الصغيرة تقديم نقطة قوتها عندما تنشد التعاون التكنولوجي مع دولة كبرى تكنولوجياً كما يجب ان تدرك حقيقة واقعية وهي أن الدول الكبرى لن تعطي جميع أسرارها ولا أكثر تكنولوجياتها المتقدمة لذلك يجب على تلك الدول الاعتماد على ذاتها في التطوير والتحديث وهو ما تسعى علية الإمارات من خلال تقديمها لمبادرة “نوابغ الفضاء العربي” للاستكشاف والتقاء العقول العربية المهتمة والمتميزة في هذا المجال، ويوفر برنامج “نوابغ الفضاء العرب”، الذي تشرف عليه وكالة الإمارات للفضاء، تدريباً تخصصياً مكثفاً، ويستهدف الشباب العرب من الدارسين المختصين والباحثين والعلماء والمبتكرين والمخترعين من أصحاب العقول الإبداعية الخلاقة، حيث يمكن لأي شخص لديه شغف كبير في مجال علوم الفضاء وتطبيقاته، ويتمتع بالموهبة العلمية التسجيل في البرنامج وهي خطوة أصيلة حقيقية وتعزز الصورة الذهنية لدولة الإمارات لدى العرب والغرب بشكل عام إذ تعاني معظم المجتمعات العربية للأسف عدة أمراض اجتماعية وجميعها تصب في رصيد الظلم والفساد المجتمعي والذي يعاني منه غالبية الشباب العربي .

منافسة حادة:  

ولعقود طويلة كان مجال علوم الفلك واستكشاف الفضاء حكراً على الدول الكبرى، إلا أن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت إلى حدا كبيراً. كما إن مجال الفلك أصبح من المجالات الحيوية التي أصبحت مجالاً للتنافسية الدولية والإقليمية إلى الحد الذي أصبحت فيه الدول تتصارع للسيطرة لتحقيق الأسبقية في توسيع النفوذ والسيطرة في المجال الشمسي، بل إن الدول أصبحت تسارع لما يسمى بـ”عسكرة الفضاء ” في سباق على السيطرة على كنوز الفضاء. فمن ناحية تحاول الصين استكشاف القمر، فيما تسارع الولايات المتحدة لإنشاء قوة الفضاء العسكرية التابع لسلاح الجو الأمريكي، وتحاول إيران جاهدة إطلاق الأقمار الصناعية العسكرية محلية الصنع لأغراض استخباراتية، هذا بالإضافة إلى قوى دولية مثل روسيا والاتحاد الأوربي وإقليمية مثل الهند وإسرائيل تسارع الوقت وتتنافس في هذا المجال.

وعلى جانب أخر، وفي ظل بيئة التنافس الدولي والإقليمي في هذا المجال فقد سعت بعض الإطراف العربية لوضع تصوراتها وإسهاماتها الذاتية، لذلك أطلقت دولة الإمارات العربية إستراتيجيتها الوطنية لقطاع الفضاء في 3 أكتوبر 2019 مستهدفة تحقيق عدة غايات، منها: توفير خدمات فضائية منافسة ورائدة عالمياً، وإطلاق مهمات فضائية علمية واستكشافية مُلهمة، وترسيخ ثقافة وخبرة وطنية عالية في مجال الفضاء، وتشكيل شراكات واستثمارات محلية وعالمية فاعلة في صناعة الفضاء، وهو ما يشير إلى أن هذه الخطوة تضع الإمارات على الخريطة العالمية للفضاء في خطوة تعزز الدور العربي والإماراتي في هذا المجال.

تعاون عربي يتشكل:

إن دخول دولة عربية مثل دولة الإمارات في هذا المجال، بالإضافة إلى الدور المصري في هذا الشأن، حيث كان للقاهرة الأسبقية خلال عقد الستينات (مشروع القاهر والظافر) والذي توقف لظروف دولية وإقليمه حينها- يعزز من فرص التعاون العربي بين الدولتين، خاصة وأن مصر بالفعل تمتلك 5 أقمار اصطناعية فعلية، وتخطط لإطلاق عدة أقمار بمشاريع مشتركة بالتعاون مع الصين وألمانيا، كما أعلنت الدولة المصرية عن إنشاء وكالة الفضاء المصري عام 2019 وإطلاق البرنامج الفضائي، وإنشاء أكاديمية الفضاء المصرية بالتجمع الخامس لتكون أول أكاديمية عربية متخصصة في دراسة علوم الفلك واستكشاف الفضاء.

إن سعى مصر لإرسال أول رائد فضاء مصري، وحرصها على فكرة التصنيع وتجميع القمر الاصطناعي المصري بمكونات مصرية وعربية، وإطلاقه من منصات مصرية وعربية، إضافة إلى الخطط الطموحة لدولة الإمارات لإنشاء عدة مشاريع خاصة بالفضاء مثل إطلاق مجمع تصنيع الأقمار الاصطناعية ضمن مركز محمد بن راشد للفضاء- يؤشر على أن الفرصة أصبحت سانحة لإقامة تعاون عربي مشترك في هذا الشأن، خاصة بين الحليفين الاستراتيجيين مصر والإمارات العربية.

إذن، نجاح الإمارات العربية في تحويل طموحاتها وأحلامها لواقع ملموس، وإنجازات غير مسبوقة في هذا المجال يعنى أنها أصبحت قوة عربية منافسة لدول سابقة في هذا المجال مثل الولايات المتحدة، ورسيا، والهند والصين.

شيماء حسن علي

باحثة مشارك بالمركز، -حاصلة على ماجستير العلوم السياسية. -حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية جامعة قناة السويس. -كاتب وباحث في عدة مراكز دراسات عربية وخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى