العدالة الانتقالية..نماذج وتطبيقات

يعتبر مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي ما تزال غامضة النسبة للكثيرين، لاسيما فيما يتعلق بالمقطع الثاني من المصطلح أي الانتقالية إذ يثور التساؤل هل توجد عدالة انتقالية وما الفرق بينها وبين العدالة التقليدية ؟

وقد حظى مصطلح العدالة الانتقالية حديثا على الكثير من الاهتمام من كل من الأكاديميين وصناع القرار السياسي، كما حظي بالاهتمام في المجالات السياسية والقانونية ، وخصوصا في المجتمعات التى تمر بالفترات الانتقالية السياسية ، سواء من نظام تسلطي أو من الخلافات المدنية إلى الديمقراطية، و معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية.

ماهية العدالة الانتقالية:

تشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول متعددة لمعالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال حقبة سياسية معينة. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان تقصى الحقائق، وبرامج جبر الضرر، وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات. والتي تساعد في النهاية على التأسيس لمرحلة سياسية جديدة يسود فيها القانون والاستقرار السياسي.

 ووفقا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة رقم 616 الصادر في 23 أغسطس 2004 يشمل ﻣﻔﻬﻮﻡ “العدالة الانتقالية” الذي ﻳﺘﻨﺎﻭﻟـﻪ هذا ﺍﻟﺘﻘﺮﻳـﺮ ﻛﺎﻣـﻞ نطاق ﺍﻟﻌﻤﻠﻴـﺎﺕ والآليات ﺍلمرتبطة ﺑﺎلمحــﺎولات التي يبذلها المجتمع لتفهم ﺗﺮﻛــﺔ ﻣــﻦ تجــﺎﻭﺯﺍﺕ ﺍلماﺿــﻲ ﺍﻟﻮﺍﺳــﻌﺔ النطاق ﺑﻐﻴﺔ ﻛﻔﺎﻟﺔ ﺍلمساءلة ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ العدالة ﻭتحقيق المصالحة.

ﻭﻗﺪ ﺗﺸـﻤﻞ هذه الآليات الإجراءات ﺍﻟﻘﻀـﺎﺋﻴﺔ وغير ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ السواء، ﻣﻊ ﺗﻔﺎﻭﺕ مستويات المشاركة الدولية (ﺃﻭ عدم وجودها مطلقاً) ﻭمحاﻛﻤــﺎﺕ ﺍﻷﻓــﺮﺍﺩ، ﻭﺍﻟﺘﻌـويض ﻭﺗﻘﺼــﻲ ﺍلحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص ﺍﻟﺴــﺠﻞ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ للكشف ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯﺍﺕ .

تطور ونماذج: 

رغم حداثة مفهوم وتطبيق العدالة الانتقالية، إلا أن البعض يرجع بدايات تطبيقاتها الأولي إلي ما بعد الحرب العالمية الثانية في “محاكمات نورمبرج ” في ألمانيا وهي من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، والتي قامت بمحاكمة مجرمي الحرب من القيادة النازية.

ثم كانت البداية الحقيقة لما يمكن أن يسمي تطبيق للعدالة الانتقالية، في محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وبعدها في المتابعات للحكم العسكري في الأرجنتين وتشيلي من خلال لجنتي تقصي الحقائق في الأرجنتين 1983 وتشيلي 1990 ومن بعد ذلك في العديد من دول القارة اللاتينية.

فقد كانت مساهمات أوروبا الشرقية في التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان، من خلال فتح ملفات الأمن الداخلي كما حدث في ألمانيا بعد سقوط حائط برلين، وكذلك أيضا عمليات التطهير التي حدثت في تشيكوسلوفاكيا في 1989. أما تجربة دولة جنوب أفريقيا فجاءت من خلال لجنة “الحقيقة والمصالحة ” الشهيرة في 1995 التي تشكلت للتعامل مع قضايا الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها السكان السود في جنوب إفريقيا في فترة التمييز العنصري الطويل. ثم جاءت تجارب دول أمريكا اللاتينية في الأرجنتين وتشيلي والبرازيل. ثم التجربة الخاصة جدا التي شهدتها المغرب حين قام الملك الحسن الثاني بإجراءات التحول وتسليم الحكم إلي المعارضة في عام 1995، والتي أفضت إلي إنشاء هيئة “الإنصاف والمصالحة ” لتقصي الحقائق واختتمت أعمالها في دفع تعويضات للضحايا والعمل على إصلاح وتأهيل عدد غير قليل من المؤسسات في عام 2005. وبهذا العمل تكون المغرب صاحبة تجربة فريدة في التعامل مع “العدالة الانتقالية ” ، والتي تمت من داخل النظام نفسه ولم يتم تنفيذها عقب انتهاء حرب أهلية أو ثورة.

أهمية..

تتمثل أهمية العدالة الانتقالية في عدة نقاط، أهمها:

1- ارساء دعائم الديمقراطية : يعتبر العديد من الأشخاص أن الديمقراطية لا يمكن بناؤها على أساس أكاذيب وأن جهوداً مستمرة ومنظمة وتوافقية لمواجهة الماضي يمكن أن تؤدي إلى ديمقراطية أكثر قوة. ويتم ذلك بشكل كبير من خلال إرساء المحاسبة (مثل مكافحة الإفلات من العقاب) ومن خلال بناء ثقافة ديمقراطية.

2- الواجب الأخلاقي في مواجهة الماضي: يستدل نشطاء حقوق الإنسان والضحايا وآخرون بأن ثمة واجباً أخلاقياً في التذكر، لقبول الضحايا والاعتراف بهم كضحايا. كما أن نسيان الضحايا والناجين من الفظائع يعتبر شكلاً من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والإهانة.

3- من المستحيل تجاهل الماضي: ثمة تبرير آخر وهو أنه من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه – فهو دائماً يطفو على السطح – لذلك من الأفضل إظهاره بطريقة بنّاءة وشافية. ويمكن أن نسمي البديل الآخر “بثورات” الذاكرة حيث يغلي الغضب وعدم الرضا تحت سطح الحياة السياسية وبالتالي ينفلتان من وقت لآخر.

4- منع تكرار مثل هذه الانتهاكات فى المستقبل: يعتبر هذا المبرر أن التعامل مع الماضي يخلق نوعاً من الردع. فالتذكر والمطالبة بالمحاسبة هما وحدهما الكفيلان بالوقاية من وقوع أشياء فظيعة مجدداً في المستقبل.

 آليات وأدوات:

1- الملاحقات القضائية ، لاسيّما تلك التي تطال المرتكبين الذين يُعتَبَرون أكثر من يتحمّل المسئولية.

2- جبر الضرر الذي تعترف الحكومات عبره بالأضرار المتكبَّدة وتتّخذ خطوات لمعالجتها. وغالباً ما تتضمّن هذه المبادرات عناصر مادية (كالتعويضات النقدية أو الخدمات الصحيّة على سبيل المثال) فضلاً عن نواحٍ رمزية (كالاعتذار العلني أو إحياء يوم الذكرى).

3- إصلاح المؤسسات ويشمل مؤسسات الدولة مثل القوات المسلّحة ، والشرطة والمحاكم ، للحد من آلية الانتهاكات القمعية وتفادي تكرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب.

4- لجان تقصى الحقائق أو وسائل أخرى للتحقيق في أنماط الانتهاكات المنتظمة والتبليغ عنها، وللمساعدة على فهم الأسباب الكامنة وراء الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

العدالة الانتقالية والمفاهيم المرتبطة بها:

مما سبق يتضح ان هدف العدالة الانتقالية هو أن ينتقل المجتمع من حالة الديكتاتورية ودولة القوة الباطشة إلى حالة الديمقراطية ودولة القانون بعد أن يكون قد تخلص من مظالم المرحلة المنتهية و ذلك وفق خطوات مدروسة ومنظمة.

اما ما يعتقده البعض أحياناً من أن مجرد انهيار نظام تسلطي واستبدادي يعني الثأر من جميع أركانه وعناصره ، و عدم انتظار او اتباع الإجراءات القانونية والقضائية لبطئها ، او للشعور بعدم جدواها في إنزال العقاب بالمتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة ، لاسيما بعد مضي زمن ليس بالقصير دون اتخاذ اجراءات حاسمة لإقرار احكام عادلة و ناجزه ، و خاصة ان معظم الأنظمة الاستبدادية كانت تضع احتياطات للإفلات من العقاب ، مما قد يؤدى لاندفاع البعض لإنزال العقاب بنفسه طالما أن الجميع يعرف أن هناك انتهاكات و جرائم قد ارتكبت ، و ايضا اتخاذ اجراءات العقاب السياسي الجماعي فليس ذلك سوى عدالة انتقامية.

تجارب شخصية:

من خلال ثلاث مشاركات فى عمليات لحفظ السلام مع منظمة الأمم المتحدة (كمبوديا – كوسوفو – السودان ) و هى كلها دول عانت من حروب و صراعات اهلية فى ظل انظمة حكم اقل ما توصف به انها انظمة غير ديمقراطية ، و قد نتج عن هذه الصراعات اما انهيار و اختفاء لأجهزة انفاذ القانون نتيجة للصراعات المسلحة و انهيار الدولة ، او وجود هذه الأجهزة و لكنها لا تؤدى مهامها بكفاءة و لا تعتمد على الأسس الديمقراطية و احترام حقوق الأنسان عند تنفيذ القانون.

 وقد اعتمدت سياسة الأمم المتحدة فى مجال تطبيق العدالة الأنتقالية على اجهزة انفاذ القانون (الشرطة – القضاء – السجون ….) على تنفيذ برنامج اصلاحى اطلق عليه R.R.R و هو اختصار للآليات التالية :

1- Reform و تعنى اصلاح مؤسسات انفاذ القانون و مراجعة اجراءات العمل بها من اجل مستوى اداء افضل .

2-Restructuring و تعنى اعادة هيكلة التنظيم الداخلى لمؤسسات انفاذ القانون لزيادة كفاءتها .

3-Rebuilding و تعنى اعادة بناء مؤسسات انفاذ القانون – فى حالة انهيارها – عن طريق توفير الموارد اللازمة و الدعم المالى اللازم لقيام هذه المؤسسات بمهامها

بعض الأنشطة المرتبطة بالإصلاح، وإعادة الهيكلة، وإعادة البناء

1. إصلاح النظام القضائي (مثلا : تغيير القوانين القائمة أو وضع قوانين جديدة)

2- إنشاء و تحديث البنية التحتية للشرطة من المعدات والأسلحة ، والزي الرسمي….

3- تدريب أو إعادة تدريب الشرطة و بناء معاهد لتدريب الشرطة و تضمين مناهجها ثقافة احترام حقوق الإنسان

4- بناء السجون و تدريب حراس السجون على اساس ان السجن ليس عقاب فقط و لكنه ايضا للإصلاح و تعديل السلوك.

5- دعم نشر ثقافة احترام حقوق الإنسان وأسس الشرطة الديمقراطية.

اللواء هشام صبري

خبير بوحدة دراسات الأمن الإقليمي. ممثل الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام سابقا، نائب مدير معهد تدريب الشرطة السابق بأكاديمية الشرطة. خبير متمكن في دراسات الأمن الدولي وحفظ السلام، وله العديد من الدراسات والبحوث في حفظ وتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى