نظام متململ: كيف شكل الاجتياح العسكري الأثيوبي للسودان هروبا من الأزمات الداخلية؟

يبدو واضحا أن النظام الإثيوبي بقيادة “أبي أحمد”، وضع نفسه في موقف لا يحسد عليه تجاه ما يتعرض له من ضعوطات داخلية وخارجية، لا تهدد النظام وحده، بل تهدد إثيوبيا بكاملها.

 فما هي إلا سويعات قليلة، مرت علي التصريح المقتضب لوزير الخارجية المصري “سامح شكري” في حوار له على إحدى الفضائيات المصرية، حول امتلاك مصر لبدائل مهمه في ملف سد النهضة، في حال استمرار التعنت الإثيوبي، ليأتي رد الأخيرة سودانيا، في محاولة لإظهار القدرة على جاهزيتها لمواجهة أي احتمالات مستقبلية.

الاختبار السوداني: 

أرادت الإدارة الإثيوبية بالاجتياح العسكري للأراضي السودانية -الثابت سودانيتها بموجب اتفاقية 1902 الموقعة بين الطرفين- إثبات قدرتها على الفعل العسكري، وامتلاك أوراق ضغط على السودان، دون أخذ في الاعتبار خطورة تطور الموقف مع السودان، والذي يقد بنذر بدخول البلدين في حرب، وهو تطور في الغالب له عواقب وخيمة، ليس للطرفين فحسب، بل لمنطقة الشرق الافريقي بكاملها، والتي تتشابك جغرافيا وعرقيا، وتعج بالمشاكل الحدودية المتداخلة.

وإذا كان الاجتياح الإثيوبي للشريط الحدودي مع السودان، يأتي رمزيا، لوجود مليشيات الشفته الإثيوبية والمدعومة من الجيش الإثيوبي في هذا الشريط الحدودي والذي يمتد داخل الأراضي السودانية بين 3 و5 كيلومتر، وأرادت إثيوبيا إثبات وضع يدها على تلك الأراضي، وهو ما دفع القوات السودانية للتحرك نحو الحدود الدولية، لتحرير كامل التراب الوطني السوداني، غير أن اتجاه إثيوبيا إلى دخول الأراضي السوادني يعكس مدى الضغوط التي تتعرض لها الإدارة الإثيوبية، والتي يمكن الإشارة إليها على النحو التالي.

ضغوطات داخلية: 

يعبر هذا التطور على الحدود السودانية الإثيوبية عن مدي وقوع الإدارة الاثيوبية تحت ضغط قوي داخليا وخارجيا، يأتي الضغط الداخلي، متمثلا في الضعط الشعبي – خاصة من قومية الأمهرا – والتي تمثل قاسم عريض من الشعب الإثيوبي، إلى جانب اليمين المتطرف، والذي يمارس ضغوطا مستمرة على النظام الإثيوبي في قضيتي سد النهضة والحدود مع السودان.

ففي القضية الأولي روج اليمين المتطرف مقولة (السد سدنا والنهر نهرنا)، والتي تعني أن المياه العابرة للحددود ما هي إلا منحة إثيوبية، وليس حق لأحد، لاعتبار ما يرونه في أن النهر أثيوبي وليس دولي، وقد تسبب في هذا الضغط الهائل، قلة من الشخصيات الإثيوبية محدودة الخبرة، خاصة وأن المفاوض الإثيوبي في ملف سد النهضة، كان يذيع ما يتم في خطوات التفاوض أولا بأول، دون إدراك لخطورة ذلك، ودون وعي بإمكانية تغير اتجاهات التفاوض في أي وقت، وبين عشية وضحاها.

وكان واضحا طيلة مراحل التفاوض غي هذا الملف، أن النظام الاثيوبي بحاجة ماسة لخلق هدف قومي يلملم به أشلاء الدولة الإثيوبية ونظامها المتداعي، والذي أصابه الوهن نتيجة انفضاض مؤيديه وشيعته من حوله، خاصة قومية الاورومو، بعد انقلاب أبي أحمد عليهم، فأصبحوا اليوم يصطادون جنوده كما تصطاد الحدأة ديدان الحقول.

وقد وجدت أبواق نظام أبي أحمد في التباهي بالقدرة علي حرمان مصر -الإمبريالية المتسلطة على حد قولهم- من مياه النهر الذي عاد إليهم، مخرجا لتخفيف الضعط الداخلي على ذلك النظام، هذا وإن نجح ذلك في حينه، إلا أن هذا النجاح ان يدوم طويلا في حال عدم امكانية تحقيق مرونة في التفاوض في مسائل يراها هو نفسه حق وواجبة ويخشي إجباره عليها يوما ما.

أما فيما يخص النزاع الحدودي مع السودان، فيتمثل الضغط الداخلي، من قومية الأمهرا التي تقاتل مع الجيش الإثيوبي اليوم، ضد جبهة تحرير تيجراي، مناصرة لأبي أحمد من جهة، وانتقاما من جبهة تيجراي من جهة أخرى، خاصة وهناك صراع تاريخي بين الأخيرة وقومية الأمهرا، التي اقتنصت منها السلطة في السابق، والتي كانت في طبقة الأباطرة الأمهريين، فضلا عن وجود صراع حدود بين الأمهرا وجبهة تحرير تيجراي.

ويدرك نظام “أبي أحمد” أن تخلى الأمهريين عن مساندته في حرب تيجراي، سيكشف الجيش الإثيوبي أمام الجبهةن ويمكنها من الاستقلال وإعلان دولة تيجراي، وهو ما سيؤدي إلى إنهيار النظام تماما، مما جعله رهنا بمطالب الأمهرا، خاصة في موقفه من النزاع الحدودي مع السودان، باعتبار المزارعين المنتفعين من الأراضي السودانية المغتصبة، من الأمهرا بالأساس، لذلك وجد النظام الإثيوبي نفسه مضطرا إلى التدخل العسكري في الجزء الحدودي من الفشقة والذي تقع فية أغلبية المصانع والمعسكرات التابعة لأثرياء الامهرا والميلشيات المسلحة.

ضغوطات خارجية:

لقد وجد النظام الإثيوبي نفسه بين خيارين أحلاهما مر، فإما أن يعلن الحرب علي السودان رغم أنه في وضع داخلي سئ، نتيجة الاحتراب الأهلي في إقليم تيجراي، ومناوشات الاورومو، والقلاقل الأمنية في بعض الأقاليم الآخرى، ففي حال المواجهة مع السودان، ستفقد إثيوبيا الورقة السودانية التي كانت تناوش بها في ملف سد النهضة، مما سيجعل موقفها صعب في مواجهة مصر، وفي حال خروج القوات الإثيوبية من الشريط الحدودي، وترك السودان تسترد أراضيها وتطرد المستعمرين الامهرا، سيدفع بتخلي الأمهرا عن مساندة “أبي أحمد”، بل والدخول في مواجهة معه، مما سيحكم علي نظامه بالسقوط، مما دفعه إلى تفادي هذا الموقف الصعب.

وبالتالي كان قرار المكون العسكري السوداني بتحريك قواته العسكرية صوب الحدود الدولية لاسترداد الأرض التي فرط فيها نظام البشير الإخواني -الذي لا يعترف بالحدود بالأساس- قد مثل ضغطا قويا علي النظام الاثيوبي، لعدة اسباب لعل أهمها ما يلي:

(*) أظهر قرار المكون العسكري السوداني بالتحرك العسكري، والذي وجد تأييدا شعبيا جارفا- مدى هشاشة الإختراق الاثيوبي للجبهة الداخلية السودانية، والذي طالما إدعت قوته الاستخبارات الاثيوبية، خاصة في ولاية القضارف المستهدفه، والقنصلية الاثيوبية العاملة هناك، واللجان الالكترونية المجندة من قبل الاستخبارات الاثيوبية، وتبينها لحملات (إثيوسودان، وأخت بلادي)، إضافة إلى تجنيد الخارجية الإثيوبية لمجموعة من الصحفيين والكتاب المتحدثين باللغة العربية، والمطلعين على ثقافات الشعوب العربية والإسلامية، فضلا عن استغلال مكتب الجزيرة القطرية هناك، في تجنيد هؤلاء والتي تتيح لهم المجال لترويج الرؤية الإثيوبية، سواء في ملف سد النهضة أو ملف التآخي بين الشعبين، لتميع فكرة الحدود من أساسها، بذوبان شعبي المنطقة الحدودية معا، لتكريس حالة الاستعمار الإثيوبي لتلك المنطقة، وتغيير هويتها السودانية.

(*) عدم قدرة المكون المدني السوداني بقيادة “حمدوك” و”ياسر عباس” -الذي راهن عليه النظام الإثيوبي- عن استمالة المكون العسكري، الذي نجح في إحياء روح الوطنية لدي جموع السودانيين، والرغبة في استرداد التراب الوطني، وهو ما نجح فيه حتي الآن، مما جعل يده أعلى علي المكون المدني.

(*) تيقن إثيوبيا إن السودان لم تكن لتخطو مثل هذه الخطوة التي من شأنها أن تؤثر جذريا في المنطقة بأثرها دون تفاهم وتنسيق مسبق مع الإدارة المصرية وأجهزتها السيادية، خصوصا بعد مناورات “نسر النيل”، التي تمت في الجنوب الشرقي للسودان وكذلك مجموعة الزيارات الهامة لقيادات إستخباراتية مصرية لبعض دول منطقة حوض النيل.

ختاما، كان الاجتياح الإثيوبي للشريط الحدودي النحيف، والذي غالبا لن يذهب بأبعد منه، خشية الاصطدام بمواجهة الجيش السوداني-الغير مطلوبة- علي الأقل في الوقت الراهن، وفي ظل الضغوطات التي يتعرض لها النظام الإثيوبي، إلا أن الوضع الحدودي، سيظل متوترا، وإن حرص الطرفان -السوداني والإثيوبي- على عدم الانزلاق إلى ما هو أبعد من تلك المناوشات، فالسودان يعاني هو الآخر من مشاكل داخلية، تجعله غير مستعد لأي تصاعد محتمل في تلك الأزمة، لكن ما هو واضح أن إثيوبيا لن تستطيع المغامرة بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع السودان، سيما وأنها لن تجد من يدعم مثل هذه الخطوة غير محمودة العواقب، على إثيوبيا ذاتها قبل الأطراف الأخرى.

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى