محترفو كرة القدم: كيف تحولت الألعاب الرياضية إلى أداة لتغيير صورة الدولة الخارجية؟  

يقول المناضل الراحل “نيلسون مانديلا”: “الرياضة تمتلك القوة لتغيير العالم، الرياضة يمكنها خلق الأمل عندما لا يوجد سوى اليأس، إنها أكثر قوة في تحطيم الحواجز العنصرية، إنها الابتسامة في وجه كل أنماط التمييز العنصري”.

منذ إنشاء الألعاب الأولمبية في القرن التاسع قبل الميلاد باليونان، وباتت الرياضة معشوقة الجماهير، ولها دور كبير في التأثير على الآخرين بطريقة ناعمة، وليس أدل على ذلك مما تحظى به الألعاب الرياضة من اهتمام شعبي ورسمي في مختلف دول العالم، باعتبارها اللغة التي يفهمها الجميع، ويهواها ويشجعها الملايين، لذلك يحرص عدد كبير من الدول على توظيف الرياضة كآداة من أدوات السياسة الخارجية، واعتبارها عاملاً له أهميته في تشكيل قوة الدولة ونفوذها.

فكيف استفادت الدول من الألعاب الرياضة، لتحسين صورتها في الخارج”؟، وهل لدى الدول إستراتيجيات خاصة لتوظيف الأدوات الرياضية لتحقيق الأهداف السايسة الخارجية؟

تأثير الملاعب في العلاقات الدولية:

بعد التوسع في مفهوم الدبلوماسية، لم تعد قاصرة على تلك الأنشطة التي تمارسها وزارة الخارجية، بل أصبحت تشمل الكثير من الأفعال والممارسات والأدوات، فيما يطلق عليه “الدبلوماسية الناعمة”، التي تعد الألعاب الرياضية إحدى أدواتها، وأكثرها شعبية وتأثيرا، خاصة لعبة كرة القدم، التي يشجعها مئات الملايين عالمياً، ولشهرتها وانتشارها ودورها المتعاظم في مخاطبة الجماهير، اتجهت الكثير من الدول إلى تبني مفهوم “دبلوماسية كرة القدم”، واستخدامها في تحسين صورتها الخارجية، وتوطيد صداقاتها مع الدول الأخرى، وأحيانا ما تساهم في تحسين العلاقات المتوترة بين الدول، بعد فشل وسائل الدبلوماسية التقليدية، ومن ذلك ما يلي:

(*) ساهمت مباراة كرة القدم بين إيران والولايات المتحدة في كأس العالم بفرنسا عام 1998، في إعراب الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” عن رغبته في أن تكون المباراة خطوة باتجاه إنهاء التوتر بين البلدين.

(*) ساهمت دورة الألعاب الأولمبية عام 2014، في سوتشي في توفير منصة لاجتماعات واتصالات سياسية مثمرة، بعد أن تحولت المناسبة الرياضية إلى فرصة لعقد اجتماعات رسمية بين الرئيس بوتين وقادة هولندا وتركيا واليابان والصين.

(*) منح تنظيم روسيا لكأس العالم 2018، الفرصة لإجراء اجتماعات واتصالات سياسية بين القادة والزعماء والمسئولين الدوليين الذي حضروا البطولة العالمية.

(*) كانت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سيول عام 2018، سببا في التقارب بين الكوريتين، عندما أعلن زعيم كوريا الشمالية، مشاركة الرياضيين الشماليين في تلك الدورة، وبعد شهور من هذا الإعلان سار الرياضيون من الكوريتين تحت علم واحد، بل إنهما لعبا بمنتخب نسائي واحد في منافسات هوكي الجليد.

يشير ذلك إلى أن المنافسات الرياضية الدولية، تمثل آلية مهمة للحوار والتقارب بين الدول، في إطار الدبلوماسية الرياضية، التي أصبح دورها بالع الأهمية في تعزيز الحضور والنفوذ الخارجي، مما أدى إلى سعي الكثير من الدول – والمنافسة بقوة- لاستضافة البطولات الرياضية الدولية والإقليمية.

ظاهرة إيجابية:

لقد أصبح التنافس بين الدول على استضافة البطولات الرياضية، ظاهرة مشهودة، بل أحيانا ما تكون منافسات محتدمة، لما لتنظيم تلك البطولات من فوائد متعددة، سواء فوائد سياحية أو ترويجية، أو تحقيق عوائد مالية، وكذلك ما تقوم به من تعزيز العلاقات الرسمية والشعبية بين الدول وبعضها البعض، فضلا عن دعم الصورة الإيجابية للدول، ولعل من أبرز الأمثلة التي تعبر عن استثمار الحكومات للبطولات الرياضية ما يلي:

(*) تنظيم جنوب أفريقيا، لبطولة كأس العالم في عام 2010، والتي استطاعت الحكومة الجنوب أفريقية، استثمار تلك البطولة باحترافية شديدة في التسويق والترويج لاقتصادها المتنامي، وجذب رؤوس الأموال الدولية إلى مشاريعها التنموية، بالإضافة إلى الترويج الثقافي والسياحي، وهو ما دفع دولة مثل البرازيل، أن تحذو حذوها وتكرر تجربة جنوب أفريقيا، عندما استضافت كأس العالم الدولية في عام 2014.

(*) استضافة مصر لبطولة أمم أفريقيا لكرة القدم للشباب، وبطولة كأس العالم لكرة اليد، والتي تمكنت خلال البطولتين من إبراز الصورة الحضارية لمصرن وقدرتها على تنظيم البطولات الرياضية الكبرى كل احترافية رغم الظروف التي تمر بها المنطقة، وقد نجحت مصر في إبراز صورتها وهويتها وعلامتها التجارية على الساحة الدولية.

(*) أطلقت المملكة العربية السعودية وعبر الاتحاد السعودي لكرة القدم وبشكل رسمي حملتها لاستضافة نهائيات كأس آسيا 2027، تحت شعار “معًا لمستقبل آسيا”، وذلك في إطار المساعي السعودية لاستضافة الأحداث الرياضية الدولية والإقليمية، والانفتاح الرياضي والثقافي على العالم، ضمن خطط التغيير والتحديث التي أطلقتها المملكة وفق رؤية (2030)، والتي تسعى من خلالها أن تكون المملكة عاصمة التطور في المنطقة.

إن المكاسب التي تحققها الدول بالفعل من تنظيم البطولات الرياضية، تدفع بالمزيد من الاعتمام أكثر وأكثر بالرياضة، باعتبارها إحدى أهم دعائم القوة الناعمة التي تلجأ إليها الدول لتقديم صورة إيجابية وحضارية عنها لدى العالم، رسميا وشعبيا.

نماذج مؤثرة:

“لو سجل المزيد، لكنت المسلم الجديد، لو جلس بالمسجد، لكان بالمسجد جلوسي”، هكذا يردد مشجعي المصري محمد صلاح، المحترف في صفوف نادي ليفربول الإنجليزي، ولعل الكثيرين من محترفي كرة القدم في الدوريات الأوربية من العرب والمسلمين، غير محمد صلاح، مثل: رياض محرز وساديو ماني، وآخرين، كان لهم دور مهم في تغيير فكرة الأوربيين عن العرب والمسلمين، مما ساهم في تخفيف حدة الكراهية أو ما يسمى بـ “الإسلاموفوبيا”.

 ففي الوقت الذي تعرضت فيه المملكة المتحدة عام 2017، لثلاث هجمات إرهابية، من قبل جماعات مسلحة ترتبط بتنظيمات تدعي الإسلام ، خرجت الكثير من الأصوات الغربيةن التي عبرت عن رفضها لربط بين الإسلام والأعمال الإرهابية، بل إن مشجعي فريق ليفربول الإنجليزي، رددوا الأعنية الخاصة بمحمد صلاح، لتمجيد الدين الإسلامي، وبأصوات اهتزت لها المدرجات كلما سجل هدفًا لفريقه.

بل إن محمد صلاح، صار مثل، لكثير من المشجعين الإنجليز، خاصة الأطفال، الذين يقلدونه في السجود، عندما يفعله صلاح، كلما أحرز هدفا لفريقه، ويتداول في مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لطفل يسجد عقب تحقيق محمد صلاح هدف في إحدى المباريات تقليدًا له.

لقد تمكن لاعب مثل محمد صلاح من توحيد جماهير الشرق الأوسط خلفه، بل إنه هناك من يرى أنه لا يستبعد تحول بعض المشجعين الإنجليز، إلى الدين الإسلامي، تأثرا بهذا اللاعب، المثير للإعجاب في كثير من أنحاء العالم، وأصبح هناك من الجماهير الأوربية، من يظن أن جميع العرب والمسلمون، مثل محمد صلاح، ولهذ لم يعد يبدي امتعاضه من رؤية العرب في المدرجات، على عكس ما كان يحدث في الماضي.

ختاما، يمكن القول، إن محترفي كرة القدم، يمثلون أحد أهم الأدوات الناعمة، ومصدر مهم من مصادر تغيير الصورة السلبية عن الدولة التي ينتمي إليها، فاللاعب الخلوق، فضلا عن أنه يمتع الجماهير بقدميه، في الوقت ذاته، يعتبر سفيرا لبلاده، يستطيع أن يرسل رسائل إيجابية لكل متابعيه في كل مكان، وهو ما يجسد بالفعل مدى فعالية وأهمية توظيف الرياضة في السياسة الخارجية للدولة، فكل لاعب هو بالأساس رمز لقوتها الناعمة.

نداء السيد حسن محمد

نائب رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي . حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومه في الدراسات الأفريقية، وماجستير العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى