ماذا ناقشت القمة الخليجية الـ 44؟

استضافت العاصمة القطرية الدوحة، اليوم الثلاثاء الموافق 5 ديسمبر 2023م، أعمال القمة الخليجية الـ 44، لدول مجلس التعاون الخليجي، التي حضرها قادة وممثلي دول المجلس، وبدأ جدول أعمال القمة بالتركيز علي العدوان الإسرائيلي الحالي علي قطاع غزة وكيفية إنهائه، ورفض ما يقوم به الاحتلال من إبادة جماعية وتدمير كلي للقطاع محاولا ترويج فكرة التهجير القسري للسكان، كذلك مناقشة ما يتعلق بالمساعدات الإغاثية الإنسانية التي من المفترض ألا تنقطع عن القطاع، كما شمل الجدول أيضا طرح عدة ملفات أخري قد تمت مناقشتها من قبل وزراء خارجية دول مجلس التعاون والمعنية بتنفيذ قرارات المجلس في القمة الخليجية السابقة بالرياض، والعلاقات الاستراتيجية بين دول المجلس، والعلاقات مع التكتلات العالمية، ومتابعة آخر التطورات إقليميا ودوليا.

واستقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال فعاليات القمة كل من ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد سلمان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وملك البحرين حمد بن عيسي آل خليفة، ونائب رئيس الوزراء لشئون مجلس الوزراء بسلطنة عمان فهد بن محمود آل سعيد، والذي حضر نيابة عن السلطان هيثم بن طارق، ووزير الخارجية الكويتي الشيخ سالم عبدالله الجابر، نيابة عن أمير دولة الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر

تأسيسا علي ما سبق، نتطرق في هذا التحليل إلي الملفات والنقاط البارزة في القمة، خاصة الأوضاع الكارثية الاستثنائية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بعد فشل ذريع لمجلس الأمن والمجتمع الدولي في تطبيق القانون الدولي ووقف إطلاق النار في قطاع غزة والمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، إلي جانب بعض الملفات الأخرى.

كلمة محفزة:

في البداية دعا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اليوم، في الكلمة الافتتاحية للقمة، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلي إجبار إسرائيل من أجل العودة إلي طاولة المفاوضات فيما يتعلق بعدوانها علي غزة، مطالبا “الأمم المتحدة بإجراء تحقيق دولي بشأن المجازر الإسرائيلية في القطاع”. مضيفا أنه “من العار أيضا علي جبين المجتمع الدولي أن يتيح لهذه الجريمة النكراء أن تستمر لمدة قاربت الشهرين، يواصل فيها الاحتلال القتل الممنهج والمقصود للمدنيين الأبرياء العزل بمن في ذلك النساء والأطفال، أسر بكاملها شطبت من السجل الـمدني. وجرى استهداف البنى التحتية الهشة أصلا وقطع إمدادات الكهرباء والـمياه والغذاء والوقود والدواء وتدمير الـمستشفيات ودور العبادة والـمدارس والـمرافق الـحيوية”. واشار إلي أنه “على الرغم من انكشاف حجم الجريمة ما زالت بعض الأوساط الرسمية تستكثر على الشعب الفلسطيني مطلب وقف إطلاق النار”.

كما هو معلوم أن مصر بمشاركة قطر، قد قادتا عملية المفاوضات بجانب الولايات المتحدة فيما يتعلق بتفعيل هدنة مؤقتة وكذلك تبادل الأسري بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي وكذلك السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلي سكان القطاع، لذا ركز الأمير القطري في القمة اليوم علي ضرورة العمل علي تجديد الهدنة والتخفيف عن سكان قطاع غزة، مع تأكيده علي أنها ليست بديلا عن الوقف الشامل لإطلاق النار وإنهاء الاحتلال وحل القضية الفلسطينية.

توصية عاجلة:

لعل من أهم التوصيات خلال قمة المجلس اليوم، هي ضمان تفعيل “عملية سلمية” حيث دعا السيد جاسم محمد البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، المجتمع الدولي إلي “الاضطلاع بمسئولياته والعمل أولا علي الوقف الفوري لإطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلي قطاع غزة”، وأضاف أنه يجب “ضرورة تفعيل عملية سلمية ذات مصداقية تفضي إلي حل الدولتين بما يحقق السلم والأمن في المنطقة ويحمي المدنيين”.

واقتبس البديوي جزءا من أول بيان ختامي لقمة مجلس التعاون الخليجي عام 1981م، والذي نص علي أن “ضمان الاستقرار في الخليج العربي مرتبط بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، الأمر الذي يؤكد ضرورة حل القضية الفلسطينية حلا عادلا يضمن ويؤمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيه حقه في العودة إلي وطنه وإقامة دولته المستقلة، ويؤمن الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس الشريف”.

بيان ختامي:

تأتي قمة الدوحة 2023، في وقت تشهد فيه المنطقة العديد من القضايا والملفات الشائكة والهامة والتي تتعلق بشكل أساسي بأمن واستقرار الإقليم، سياسيا وأمنيا واقتصاديا. لذا جاء البيان الختامي للقمة اليوم شاملا العديد من هذه الملفات وكان أبرزها كالتالي:

(*) فيما يتعلق بالعدوان علي غزة، فقد أكد البيان علي ضرورة وقف التصعيد في قطاع غزة واستهداف المدنيين الفلسطينيين ووقف التهجير القسري لهم، كما يأمل الوقف الكامل للحرب علي القطاع وإنهاء الحصار المفروض عليه ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وشدد البيان علي أنه علي المجتمع الدولي أن يتحمل مسئوليته في التعامل مع هذه القضية دون ازدواجية في المعايير.

كما حذر من مخاطر توسع المواجهات في فلسطين المحتلة وامتداد رقعة الصراع إلي مناطق أخري في الشرق الأوسط، ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي، ما من شأنه أن يؤثر علي أمن واستقرار المنطقة، وأكد البيان ، وأكد البيان إعراب المجلس عن قلقه من تصاعد الكراهية والعنصرية الغربية ضد العرب والمسلمين في ظل الأوضاع الخطيرة الحالية، ووصول الخطابات المعادية للإسلام إلي أعلي مستوياتها، ما قد يؤدي إلي إيجاد مناخ سلبي بين الدول

(*) فيما يتعلق بالتنسيق البيني بين دول المجلس، فقد أشار البيان إلي إطلاع المجلس الأعلي لمجلس التعاون الخليجي علي التنفيذ الكامل والدقيق في استكمال مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة، وتعزيز التعاون بما يضمن الحفاظ علي استقرار دول مجلس التعاون ومصالحها، ويجنبها الصراعات الإقليمية والدولية. كما اعلن المجلس عن بعض استكمال بعض خطوات التكامل بين دوله، كالاتحاد الجمركي والانتهاء من تحقيق السوق الخليجية المشتركة وفق قرارات المجلس السابقة، وهذه الخطوات توضع في خانة الانجازات للمجلس. وأكد البيان أيضا علي تبني المجلس للركائز الأساسية لتحولات الطاقة وأمن الطاقة، والتغير المناخي والتنمية الاقتصادية.

(*) جاء في البيان أيضا الإشارة إلي العديد من القضايا الهامة، كقضية مكافحة الإرهاب والتطرف في المنطقة، وقضية الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث الإماراتية ودعم المجلس لحق الإمارات في السيادة علي تلك الجزر وهذا موقف ثابت ومعلن، وأكد علي ضرورة استجابة إيران للمساعي الإماراتية. كما أشار إلي قضية حق الدرة وأنه يقع بالكامل في المنطقة البحرية للكويت وأن ثرواته ملكية مشتركة بين السعودية والكويت فقط.

كما رحب المجلس بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ضيفا كريما علي القمة ال 44 لمجلس التعاون، والتي تناولت العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما تم الاتفاق علي أهمية تنفيذ خطة العمل المشترك بين تركيا ودول المجلس وتوسيع نطاقها. كما أبدي المجلس ترحيبه بأن تكون القمة التالية للمجلس رقم 45، في دولة الكويت.

ختاما، تأتي هذه القمة في وقت تأمل فيه دول مجلس التعاون الخليجي إلي تعزيز التنسيق والتعاون، خاصة أن الوضع الكارثي في قطاع غزة جراء العدوان الوحشي الغاشم يحتم ذلك، لذا تبذل الدول المجتمعة جهودا دبلوماسية متواصلة لوقف الحرب، كما تسعي لتعزيز التنمية والعمل التعاوني البيني بما يحقق الأهداف والمصالح المشتركة وتطلعات الشعوب الخليجية، لاسيما أن مجلس التعاون الخليجي اكتسب نفوذا إقليميا ودوليا  وبشكل واضح ومؤثر في العقدين الماضيين، إلي جانب الثقل الجيوسياسي والاستراتيجي الذي تتمتع به الدول الأعضاء.

سارة أمين

سارة أمين- باحثة في شئون الخليج العربي وإيران، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى