ماهي عوامل نجاح الصفقة النهائية بين المقاومة وإسرائيل؟

علي أبو عليو

مثلت عملية “طوفان الأقصى” أكبر الصدمات الموجهة لإسرائيل في السنوات الأخيرة، واستمرت الصدمة لساعات ليعود بعدها جيش الاحتلال بقصف قطاع غزة جويًا بشكل عنيف وبوتيرة عنف متزايدة، لم يتوقع أحد أن يصل الإنتقام الإسرائيلي إلى تلك الدرجة من العنف نتيجة وجود نحو 240 من المحتجزين الذين وقعوا في أيدي المقاومة الفلسطينية.

وحاولت إسرائيل بعدها أن تمزج بين هدف تحرير المحتجزين والقضاء على المقاومة في غزة عبر تصريح قادة حكومة الحرب بأن عمليتها العسكرية ستتمكن من تحرير المحتجزين لدى “حماس” و”الجهاد”، وحقيقة فإن خيار عملية عسكرية لتحرير المحتجزين يبدو أكثر جذباً للجمهور الإسرائيلي لكنه لا يعدو كونه خطابًا للاستهلاك المحلي، لتعود إسرائيل وبعد أكثرمن شهر ونصف من عملياتها و هجومها الوحشي على القطاع وما خلفته ورائها من دمار وشهداء لتوافق على عملية تبادل محدودة بين 50 محتجزًا إسرائيليًا مقابل 150 أسيرًا فلسطينيًا وإقرار هدنة لأربعة أيام، بوساطة مصرية قطرية أمريكية، تدخل حيز التنفيذ خلال ساعات.

ولبيان إمكانية التوصل لاتفاق نهائي حول صفقة التبادل فإن هذا يستتبع النظر أولًا في الادعاء الإسرائيلي بإمكانية القيام بعملية إنقاذ عسكرية ثم التعرض إلى طبيعة تطور المفاوضات وما صاحب ذلك من ظروف ثم عرض ما قد يدفع الأطراف لقبول التبادل والشروط المحتملة له وعوامل إنجاحه.

تعامل إسرائيل مع ملف الأسرى 

على الرغم من تعدد عمليات تبادل الأسرى التي كانت إسرائيل أحد أطرافها – 37 عملية تبادل مع الدول العربية – فإنه يتضح أن نموذج تبادل الأسرى مع “حزب الله” عام 2006 هو الأقرب للمشهد، فبعد أن هددت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان والقضاء على قوة “حزب الله”، عادت بعد فشل تحقيق أهدافها للتفاوض مع الحزب حول تبادل الأسرى، أيضًا عملية التبادل عام 2014 بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية.

كذلك فإنه وعلى أرض الميدان فإن الحرب بعد أكثر من شهر لم تسفر عن تقدم ميداني حقيقي -حتى الآن- تستطيع إسرائيل البناء عليه والتخطيط بعده لعمليات متخصصة لإنقاذ المحتجزين. ومع ضعف فرص تحرير المحتجزين عسكريًا فإن القوات الإسرائيلية لا تضمن -بتحليل معطيات الأرض- الوصول الآمن لهؤلاء المحتجزين وهم على قيد الحياة، ليبقى الحديث حول عملية الإنقاذ العسكرية لا يشكل إلا خطاباً لتهدئة الداخل الإسرائيلي المشتعل حول ملف المحتجزين.

تطور المفاوضات

شهدت مفاوضات صفقة تبادل المحتجزين شدًا أحيانًا وجذبًا أحيانًا أخرى، كما شهدت تعدد الوسطاء، حيث تدخل أكثر من دولة للوساطة بين الطرفين وتغيرت المواقف من رافض إلى مؤيد ، ووصلت المفاوضات إلى مراحل متقدمة ثم تعطلت قبل أن تثمر صفقة جزئية لتبادل 50 محتجزًا لدى الفصائل مقابل 150 أسيرًا فلسطينيًا وهدنة إنسانية لأربعة أيام.

(*) الأطراف: كانت المقاومة الفلسطينية صاحبة موقف وتقدير معلنين بشأن المحتجزين بإعلانها أن “الكل مقابل الكل”، أنه على إسرائيل إطلاق سراح كل المحتجزين لديها من فلسطين مقابل إطلاق سراح المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، وأعلنت “كتائب القسام” عن مرونتها في تجزئة صفقة التبادل.

أما الجانب الإسرائيلي فكما سبق أنه رفض بداية الدخول بأي نوع من أنواع المفاوضات زاعمًا القدرة على تنفيذه عملية إنقاذ عسكرية، لكن الموقف لم يستمر طويلًا حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي وجود مفاوضات بشأن المحتجزين يقودها رئيس الشاباك، وهو ما تناقلته صحف إسرائيلية عن وصول وفد أمني إسرائيلي إلى القاهرة لبحث مفاوضات صفقة تبادل المحتجزين، حتى خرجت الصفقة الأولى للعلن برعاية مصرية قطرية أمريكية.

وعلى الجانب الأمريكي فإنه شهد تحولًا في مسألة المحتجزين ودعم الموقف الإسرائيلي، فبداية كانت الولايات المتحدة ترفض إجراء أي تفاوض بشأن المحتجزين، ثم أصبجت أحد أهم الداعمين لعملية التبادل للإفراج عن المواطنين وحاملي الجنسية الأمريكية، بل أنها داعم رئيسي لعملية الوساطة.

(*) الوسطاء: بعد أن أصبح الوصول لصفقة تبادل بشأن المحتجزين أمرًا ممكنًا، أخذت العديد من الدول تسعى للتوسط للوصول لإتفاق بشأن الصفقة وعقد هدنة بين الطرفين كل وفق إتصالاته وعلاقته بالأطراف.

وتعتبر مصر أهم وسيط في صفقة التبادل، حيث زار القاهرة وفدان إسرائيليان منذ بداية الحرب تناول الوفد الثاني نقاش حول صفقة التبادل، وكان الموقف المصري هو الأكثر وضوحًا من بين موقف الوسطاء نتيجة لدورها الفاعل في وقف جولات العدوان السابقة والتوسط في صفقات تبادل الأسرى.

كذلك توصلت الجهود المصرية إلى الإفراج عن أسيرتين إسرائيليتين، ويعول الكثيرين على الموقف و الوساطة المصرية للوصول لإتفاق نهائي حول عملية التبادل لما تتمتع به مصر من اتصالات فاعلة مع الجانبين و تاريخ في التهدئة في القطاع.

قطر تسعى هي الأخرى للوصول إلى صفقة التبادل، حيث نجحت الوساطة القطرية بالاشتراك مع مصر في الإفراج عن اسيرتين كما سبق وأوضحنا، واستخدمت قطر علاقتها القوية بـ”حماس” والولايات المتحدة للدخول وسيطًا من أجل الوصول إلى الهدنة واتفاق إطلاق سراح بعض المحتجزين.

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية موخرًا على خط الوساطة من أجل التهدئة و الوصول لصفقة لإطلاق سراح المحتجزين، ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية أيقنت ألا بديل عن صفقة التبادل، بما يتماشى مع الاتجاه الأمريكي بعدم الرغبة في توسيع نطاق الصراع خاصة من جبهة الشمال، كما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية و أمريكية أن خلافًا بدأ حول الهجوم على المستشفيات وإصرار إسرائيل على السيطرة الكاملة على القطاع.

(*) أطر الصفقات: أعلنت المقاومة الفلسطينية عن الإطار التبادلي للأسرى الذي تراه مناسباً “الكل مقابل الكل” لكن بعدها جرت وساطات عدة أسفرت عن الإفراج عن محتجزتين لدى حماس، ثم تتالت المفاوضات المتباينة في محاولة الإفراج عن أكبر عدد من الفلسطينين في سجون إسرائيل.

(#) صفقة الإفراج عن 50 أسيراً من غير العسكريين مقابل هدنة لمدة ثلاثة أيام بوساطة قطرية، قبلت حماس الصفقة لكن الجانب الإسرائيلي تردد في قبولها في البداية ثم رفضها .

(#) الإفراج عن النساء والأطفال لدى حماس مقابل الإفراج عن 200 طفل و 75 إمرأة من سجون الأحتلال وهي الصفقة التي لم تقبلها إسرائيل أيضاً

ما يمكن تحليله أن إسرائيل لا تريد أن تقدم في الصفقة ثمناً أكثر من هدنة أو وقف مؤقت لإطلاق النار، على أن تستأنف الحرب بتخفيف ضغوط أهالي المحتجزين والرأي العام العالمي الداعي لوقف الحرب.

عوامل نجاح الصفقة النهائية

يتوقف نجاح الصفقة النهائية على تحقيق نوع من التوازن بين دوافع الأطراف لقبول صفقة التبادل، على النحو التالي:

(&) المقاومة الفلسطينية: على الرغم من الثبات الذي تظهر به المقاومة الفلسطينية وقدرتها على المواجهة في المعركة، لكن الوضع الإنساني في غزة أصبح كارثي، فلا مياه نظيفة ولا طعام كاف ولا يوجد أي من مقومات الحياة الكريمة، ناهيك عن استهداف الأطفال والمدنيين والمستشفيات والأطقم الطبية، وإن كانت إسرائيل بما قامت به من مجازر في القطاع لتخفيض سقف مطالبات المقاومة لكن ذلك لم يحدث، بل اعتبر الفلسطينيون أن هؤلاء المحتجزين أصبحوا ثمنًا لابد أن تدفعه إسرائيل في مقابل أهلهم وابناؤهم و ذويهم الأسرى في سجون الاحتلال.

وهنا تجدر الإشارة إلى تناقل وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية بأن يحيى السنوار قائد حركة “حماس” في غزة أصبح لا يجيب على اتصالات الوسطاء بشان صفقة التبادل بعد حصار جيش الاحتلال لمجمع الشفاء واقتحامه تحت ذريعة وجود تمركزات لحماس تحت المجمع، وعليه قررت تعطيل التفاوض بشأن المحتجزين قليلًا، وهو ما يعكس قدرة المقاومة على التماسك لمزيد من الوقت وتمسكها بفرض شروطها في صفقة التفاوض أو على الأقل الوصول لشروط غير مجحفة للفلسطينيين.

(&) إسرائيل: بدأت إسرائيل- كما سبق وأشرنا- الحرب رافضة الدخول في أي تفاوض حول المحتجزين، ولكن ومع طول أجل الحرب دون إحراز إنجاز حتى الآن، وجدت إسرائيل نفسها مضطرة إلى التفاوض لكنها أخذت تماطل في التفاوض وترفض أي إطار لصفقة التبادل وذهبت إلى توسيع عملياتها العسكرية سواء جوًا أو برًا لكن كان كل هذا دون تقدم بشأن المحتجزين أو حتى بيان سيناريو كيفية إنقاذهم عسكريًا، ما اضطرها إلى الرجوع لطاولة المفاوضات مرة أخرى، وهو ما يعني أن إسرائيل متمسكة وحتى اللحظة الأخيرة بمحاولة الخروج بانتصار يستطيع نتنياهو أن يواجه به الشارع الإسرائيلي .

ما شنه أهالى المحتجزين من تظاهرات بقلب تل أبيب أثبت أنه أصبح لديهم قناعة تامة بصعوبة أو أستحالة القيام بعملية الإنقاذ العسكرية، ووجهت العديد من الاتهامات إلى رئيس الوزراء بمحاولة عرقلة المفاوضات، نتيجة رفض حلفائه في اليمين المتطرف، كما أن إطالة الحرب قدر المستطاع لصيد انتصار من الممكن أن يكون بمثابة قبلة حياة لحياته السياسية.

وفي النهاية؛ يمكن القول إن إسرائيل لن تقبل صفقة تعطي فيها المقاومة دور الرابح وعليه فإن إسرائيل ينتظرها إما إنجاز ميداني كبير تذهب به إلى التفاوض رابحة، أو استكمال صفقات التبادل وصولًا لإنهاك الحرب، مع تسويق ذلك بـ”نجاحات الضغط الميداني”، مما يعني عمليًا القبول بشروط المقاومة الفلسطينية، وأن اتفاقات الهدنة ستشكل أحد المؤشرات حول شكل الاتفاق النهائي وإمكانية الوصول إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى