انعكاسات الأزمة الأوكرانية على الانتخابات في أوروبا

زكريا حلوي-باحث مشارك بالمركز
يعرف الشأن الأوروبي محطات انتخابية متعاقبة في مجموعة من دوله، تسبقها تحالفات سياسية وتحركات عديدة من قبل الأحزاب لتدارك نواقصها وإقناع الناخبين بالتصويت لصالحها، كما تسبق هذه الانتخابات استطلاعات للرأي تتنبأ بشكل كبير بمن سيفوز بالاستحقاق الانتخابي وترأس الحكومة خلال الولاية المقبلة.

غير أن ما يميز هذه الانتخابات ويؤثر لا محالة في نتائجها كونها تأتي في ظل مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية الناجمة عن الأحداث التي تشهدها الساحة العالمية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من خسائر كبيرة على اقتصادات الدول الأوروبية التي اعتمدت لسنوات طويلة على الإمدادات الطاقية من روسيا، وارتفاع مستوى التضخم في جُل دول أوروبا على غرار باقي دول العالم، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتضرر القدرة الشرائية للمواطنين، وتولد حالة من الغضب والسخط تجاه الأحزاب السياسية الحاكمة، وتزايد شعبية أحزاب اليمين في أوروبا.

وتأسيسًا على ما سبق، نحاول من خلال هذه الورقة مناقشة تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على الانتخابات العامة في أوروبا، وعلى التحالفات الحاكمة في عدد من دولها،  في ظل زحف وتمدد أحزاب اليمين في بعض الدول الأوروبية، مع إلقاء الضوء على الانتخابات الهولندية والبريطانية المقبلة.

الانتخابات في أوروبا وزحف أحزاب اليمين

كشفت نتائج معظم الانتخابات التي شهدتها معظم دول أوروبا عن زحف أحزاب اليمين الراديكالي بخطوات متسارعة خلال الآونة الأخيرة، مستفيدة من موجة كبيرة من الاستياء في صفوف الأوروبيين نتيجة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، واستمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى أراضيهم، بما يشكل حسب الفكر اليميني تهديدًا حقيقيًا للهوية والقيم الأوروبية.

فقد اكتسبت قوى اليمين زخمًا كبيرًا في جميع أنحاء أوروبا، حيث تصدر حزب الشعب اليميني في سويسرا الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 22  أكتوبر 2023 بعد حصوله على 28.6% من الأصوات (62 مقعدًا) في البرلمان الفيدرالي السويسري. وفي السويد نجح التحالف اليميني المؤلف من المعتدلين والليبراليين والديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين السويديين في الحصول على 176 مقعدًا في البرلمان من أصل 349 مقعدًا في الانتخابات التي جرت سنة 2022. وفي ألمانيا حصل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني على 10% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

الأمر ذاته في فرنسا، حيث حصل حزب التجمع الوطني اليميني على 89 مقعدًا في البرلمان الفرنسي خلال انتخابات يونيو2022، وفي المجر فاز حزب “فيدسيز” اليميني الحاكم بزعامة “فيكتور أوربان” بنسبة 53% من الأصوات في الانتخابات التي جرت في أبريل 2022، وفي إيطاليا ظفرت “جورجيا ميلوني” عن حزب “أخوة إيطاليا” ذو الجذور الفاشية بمنصب رئيسة الوزراء بعد فوز حزبها في الانتخابات التشريعية في 25 سبتمبر 2022.

وفي الدنمارك يعد حزب “الشعب الدنماركي” اليميني ثالث أقوى كتلة سياسية داخل البرلمان، فيما يواصل حزب “الفجر الذهبي” اليوناني تقدمه على المستوى الشعبي، ويتقدم حزب “القانون والإنصاف” بشكل سريع في بولندا، كما تصدر حزب الحرية المناهض للمهاجرين استطلاعات الرأي قبل انتخابات العام المقبل في النمسا.

رياح التغيير في الاستحقاقات المقبلة

من خلال العرض السابق، يمكن رصد محركات التغيير في عدد من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في كل من هولندا وبريطانيا، على النحو التالي:

(*) تفكك الائتلاف الهولندي الحاكم وانتخابات عامة في الأفق: عاشت هولندا خلال شهر يوليو الماضي على وقع استقالة حكومة “مارك روته” بعد انهيار الائتلاف الحاكم الذي تكون في يناير2022، وضم أربعة أحزاب، وهي “حزب الشعب من أجل الحرية والديموقراطية VVD”، وحزب “النداء الديموقراطي المسيحيCDA “، وحزب “الديموقراطيين D66″، و”الحزب الديموقراطي المسيحي”، وذلك جراء خلافات حول الإجراءات اللازمة للحد من الهجرة التي زادت من حدتها الحرب الروسية الأوكرانية، ونزوح أعداد كبيرة من اللاجئين الفارين من الحرب نحو هولندا وباقي دول أوروبا.

حيث سعى حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية بزعامة روته إلى اقتراح وضع قيود للحد من تدفق المهاجرين وطالبي اللجوء إلى هولندا، ووقف التحاق عائلاتهم لمدة سنتين على الأقل، خاصة بعد اكتظاظ مراكز استقبال المهاجرين مما اضطر المئات منهم إلى النوم في الشارع، وهو الاقتراح الذي رفضه كل من حزب الديمقراطي المسيحي وحزب الديمقراطيين D66، فنجم عن هذا الاختلاف تفكك الائتلاف الحكومي بعد سنة ونصف في الحكم.

وسيكون الناخبون الهولنديون على موعد مع انتخابات عامة مبكرة يتوقع أن تجرى في شهر نوفمبر المقبل، إذ تعتبر ثاني انتخابات عامة خلال سنتين في هولندا التي تعتمد تعددية حزبية معقدة غالبًا ما تؤدي إلى تحالفات هشة وغير متماسكة، كما تبدو نتائج هذه الانتخابات غير مؤكدة بالنسبة لهولندا وأوروبا بصفة عامة، فحسب استطلاعات للرأي يتساوى حزب “الشعب من أجل الحرية والديموقراطية” مع حزب حركة الفلاح (BBB) بنسبة %18 من أصوات الناخبين، في حين يتوقع أن يحصل حزب “الحريات” بزعامة اليميني المتطرف “خيرت فيلدرز” على نسبة 10% من الأصوات، فيما يتوقع أن يحصل كل من حزب اليسار الأخضر، وحزب الديمقراطيين الليبراليين، وحزب العمال على نسبة %8 من الأًصوات.

(*) الانتخابات في بريطانيا واحتدام التنافس بين المحافظين والعمال: يتربع حزب المحافظين على منصب رئاسة الوزراء في بريطانيا منذ 13 سنة، وتواجه حكومة المحافظين برئاسة “ريشي سوناك” مجموعة من المشاكل والتحديات التي خلفتها جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، أبرزها ارتفاع مستوى التضخم، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للبريطانيين، والزيادة في نسبة الضرائب التي وصلت إلى 37% من الدخل القومي، أي بزيادة قدرها 3500 جنيه إسترليني  لكل أسرة مقارنة بنهاية عام 2019، وهو أعلى مستوى شهدته بريطانيا منذ فترة ما بعد الحرب، مما فجر موجة إضرابات شملت قطاعات اقتصادية وخدماتية مختلفة، وتزايد مشاعر الاستياء في أوساط البريطانيين، وهو ما يمكن استكشافه في العرض التالي:

1. استطلاعات الرأي ترجح كفة حزب العمال

كشفت استطلاعات للرأي في بريطانيا عن تراجع شعبية حزب المحافظين مقابل ارتفاع شعبية حزب العمال، حيث أشار استطلاع لشركة “سافانتا” خلال شهر أكتوبر الجاري إلى تقدم العمال بعشرين نقطة مئوية عن حزب المحافظين، وتراجع شعبية “ريشي سوناك” أمام زعيم حزب العمال “كير ستارمر” على الصعيد الشخصي بـ12 نقطة.

كما تتوقع استطلاعات رأي حديثة فوز حزب العمال في الانتخابات العامة المقبلة بتأييد أكثر من 48% من البريطانيين، مقابل 23% فقط من الناخبين لحزب المحافظين.

وأظهر البحث الاستقصائي السنوي الذي أجرته شركة “إدلمان” Edelman  لقياس ثقة الناخبين خلال سنة 2023، أن %23 فقط من الأفراد يشعرون بأنهم أقرب إلى حزب المحافظين (أي بتراجع بلغ 4 نقاط عن عام 2022)، فيما أعرب نحو 29% عن تأييدهم لحزب العمال (أي بزيادةٍ مقدارها 6 نقاط عن العام الماضي). كما بلغت الثقة في الحكومة البريطانية بقيادة المحافظين أدنى مستوياتها منذ عام 2016، وذلك بنسبة %27 فقط، مما يضع حزب المحافظين أمام مهمة صعبة للفوز بولاية سادسة في السلطة خلال الانتخابات العامة المقبلة.

2. الانتخابات الجزئية وتقدم العمال على المحافظين

شهدت نتائج الانتخابات البرلمانية الجزئية في بريطانيا التي أجريت يوم الخميس 4 مايو 2023، تنافسًا حول 3 مقاعد كانت تابعة لحزب المحافظين في العاصمة لندن، والتي كان يشغلها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “بوريس جونسون” في منطقة “أوكسبريدج- ساوذ رايسلب”، ومقعد النائب “نايجل أدامز” في منطقة “سلبي- أينستي”، ومقعد النائبة “نادين دوريز” في منطقة “سوميرتون- فروم”.

وأسفرت النتائج عن خسارة حزب المحافظين لمقعدين من أصل 3 مقاعد برلمانية، حيث فاز مرشح الحزب بمقعد مدينة “أوكسبريدج -ساوذ رايسلب” بصعوبة بالغة، إذ لم يتجاوز الفارق بينه ومنافسه من حزب العمال المعارض 500 صوت على الأكثر، في حين فاز حزب العمال ممثلًا بـ”كير ماذير” بمقعد “سيلبي-أينستي” شمال إنجلترا، أما مقعد “سوميرتون-فروم” في الجنوب فكان من نصيب “ساره دايك” عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يعتبر ثالث أكبر الأحزاب في بريطانيا بعد المحافظين والعمال.

وقلصت نتائج هذه الانتخابات حصة حزب المحافظين في مجلس العموم إلى 351 مقعدًا من أصل 650 مقعدًا، فيما ارتفعت حصة حزب العمال إلى 197، وكذلك الحال بالنسبة لحزب الليبراليين الديمقراطيين الذي أصبح لديه 17 مقعدًا.

كما أظهرت الأرقام تراجع أعداد المصوتين لحزب المحافظين في مناطق الانتخابات الفرعية الأخيرة لسنة 2023 مقارنة بانتخابات سنة 2019، حيث خسر المحافظون أكثر من 26% من أصوات مؤيديهم في منطقة “سيلبي وأينستي”، ونحو 30% في “سوميرتون وفروم”، إضافة إلى نحو 6% في “أوكسبريدج”.

3. مؤتمري الحزبين ومحاولة كسب ثقة البريطانيين

شهد مؤتمر حزب المحافظين الأخير الذي عقد في 1 أكتوبر 2023 خلافات داخلية نتيجة تراجع مقاعد الحزب في الانتخابات الجزئية، وتعارض مواقف أعضائه بشأن إلغاء جزء من مشروع سكك حديد للقطارات السريعة. في المقابل حاول رئيس الوزراء “ريشي سوناك” التأكيد على أن الحزب لا زال يتمتع بالمصداقية رغم تراجعه في استطلاعات الرأي الأخيرة، وأنه يسعى لتحقيق الاستقرار في الوضع الاقتصادي الصعب، والتخفيف من أزمة غلاء المعيشة، وإبطاء التضخم الذي وصل إلى 6,7% في شهر أغسطس الماضي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وإصلاح الفوضى التي تسبب فيها سلفه “بوريس جونسون” أثناء رئاسته للحكومة.

من الجهة المقابلة، عقد حزب العمال مؤتمره السنوي في 10 أكتوبر2023 بمدينة ليفربول، مدفوعًا بالفوز الذي حققه في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتقدمه على حزب المحافظين في استطلاعات الرأي. وأطلقت نائبة زعيم الحزب “آنجيلا راينر” مجموعة التعهدات التي ينوي الحزب القيام بها في حالة فوزه بالانتخابات العامة المقبلة، وعلى رأسها تعزيز حقوق العمال وتحسين أوضاعهم، كما طرح زعيم الحزب “كير ستارمر” رؤيته لعودة حزبه إلى السلطة في أعقاب الانتخابات العامة المقبلة، وأعلن عن وضع خطة بكلفة 1,5 مليار جنيه استرليني لتحسين الخدمات الصحية، وتجاوز الإضرابات والتأخير الذي تسببت فيه جائحة كورونا، وإصلاح قواعد التخطيط والاستثمار في البنية التحتية.

ونشير إلى أن حزب العمال قد تولى منصب رئاسة الوزراء آخر مرة سنة 2010 في عهد “جوردن براون”، إلا أن الحزب مُني في آخر انتخابات عامة سنة 2019 بأسوأ هزيمة انتخابية له أمام المحافظين بزعامة “بوريس جونسون”، وحاول حزب العمال بقيادة “كير ستارمر” إعادة ترتيب أوراقه واستطاع التقدم بخطى ثابتة في الساحة السياسية البريطانية.

غير أن حزب العمال يواجه بدوره أزمات داخلية متفرقة، أبرزها الخلاف بين زعيم الحزب “كير ستارمر” وعمدة لندن “صادق خان” المنتمي لنفس الحزب، بسبب قضية “يوليز” (Ulez) المتعلقة بفرض رسوم يومية على السيارات التي لا تستجيب لمعايير عدم إنتاج الغازات الملوثة، والتي طبقها “صادق خان” في مدينة لندن، باستثناء بلدية “أوكسبريدج”، وهذا ما دفع الناخبين في “أوكسبريدج” إلى التصويت لمرشح المحافظين خلال الانتخابات الجزئية الأخيرة، مما جعل زعيم حزب العمال يوجه انتقادات لعمدة لندن مطالبًا إياه بمراجعة سياساته في هذا المجال. كما يواجه “كيرستارمر” انتقادات عديدة بسبب دعوته إلى إلغاء رسوم التعليم الجامعي، وإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وموقفه من قضية المهاجرين غير الشرعيين، ودعوته إلى التراجع عن زيادة الضرائب، وتقليص خطة حزب العمال المرتبطة بالطاقة النظيفة.

ختامًا يمكن القول، إن استطلاعات الرأي في بريطانيا ونتائج الانتخابات الجزئية الأخيرة أطلقت رسالة قوية وتحذيرًا جادًا لحزب المحافظين لتدارك أخطائه وإصلاح نواقصه قبل الانتخابات العامة المقبلة، كما تدفع هذه النتائج حزب العمال إلى الرفع من جهوده لإقناع البريطانيين ببرنامجه الانتخابي، واستقطاب أكبر عدد من الناخبين، أما الحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يعد أقل حظًا للفوز برئاسة الوزراء وقيادة الحكومة فسيعمل على إقناع الناخبين للحصول على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية الممكنة واقتناصها من كلا الحزبين المنافسين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى