4 طرق للخروج من المأزق: لماذا تتقلص فرص فرض الأمن في الساحل الإفريقي؟

ثمة حالة من الإحباط بدأت تهيمن على الأوضاع في منطقة الساحل الإفريقي، وذلك بسبب التعثرات المتتالية للمقاربة العسكرية التي تنتهجها القوى الخارجية – على رأسها فرنسا- في هذه المنطقة، والتي تفاقمت بفعل تداعيات فيروس كورونا، ومن ثم بدأت الأطراف الدولية والإقليمية البحث عن بديل آخر يستهدف وقف الأزمة الأمنية الراهنة في منطقة الساحل الإفريقي.

إشكاليات أمنية متعددة:

تمثل منطقة الساحل الإفريقي أحد المناطق الاستراتيجية التي تحظى باهتمام إقليمي ودولي واسعين، ولكنها في الوقت نفسه تبقى أحد أبرز المناطق الهشة في العالم، حيث يمكن لهذه المنطقة أن تشكل مأوى مناسب للجماعات الإرهابية الفارة من الدول الأخرى نظرا لحالة السيولة الأمنية الهائلة في هذه المنطقة، وهي تضم المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً بما يشمل دول (السنغال، موريتانيا، مالي، النيجر، بوركينافاسو، تشاد، السودان، ونيجيريا).

وتتراوح التحديات والإشكاليات الأمنية التي تواجه هذه المنطقة بين ما هو مرتبط بالأوضاع المحلية والداخلية، وما هو مرتبط بالدور الخارجي وضعف التنسيق بين الفواعل الدولية، وفيما يتعلق بالإشكاليات الداخلية التي تعاني منها المنطقة، فتتمثل بالأساس في ضعف المؤسسات السياسية ومن ثم غياب الفواعل الداخلية التي يمكن أن تعتمد عليها المؤسسات الدولية في تنفيذ البرامج التنموية والأمنية.

كذلك، تعاني هذه المنطقة من فشل اللامركزية، حيث تعمد الحكومات المركزية في هذه المنطقة إلى تهميش المناطق النائية، وهو ما يؤدي إلى توسيع الفجوة وعدم الثقة تجاه الحكومة المركزية، ومن ثم تتحول هذه الأجزاء إلى بيئات خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية، والتي تتحول في كثير من الأحوال إلى القيام بدور الدولة في هذه المناطق وتقديم الخدمات عوضاً عن الدولة الوطنية، ومن ثم باتت مساحات واسعة من دول هذه المنطقة لا تخضع لسيطرة الدولة المركزية، ويضاف لذلك الفساد المستشري بين النخب الحاكمة والتي تؤدي في مجملها إلى إضعاف تأثير الإجراءات المتخذة من قبل الشركاء الدوليين.

أيضاً، تبقى الإشكالية المرتبطة بتصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية هي الأكثر خطورة والتي لا تزال تمثل تهديداً لوجودية دول هذه المنطقة، فقد شهد عام 2020 تصاعداً واضحا في أعداد الهجمات الإرهابية التي نفذت في منطقة الساحل فضلاً عن معدلات القتل المرتفعة، ويرتبط بذلك أيضاً تزايد وتيرة الصراعات القائمة بين الجماعات الإرهابية وبعضها البعض، خاصةً الحرب القائمة بين تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى ISGS وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM.

أما فيما يتعلق بالإشكاليات المرتبطة بضعف التنسيق بين الشركاء الدوليين، فهناك العديد من الاستراتيجيات التي طرحتها القوى الدولية خلال السنوات العشر الماضية، تركزت بالأساس على البرامج الأمنية، بيد أن هذه الاستراتيجيات تفتقر إلى وجود درجة عالية من التنسيق فيما بينها، وبالتالي باتت غير فاعلة في معالجة حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وتركزت أبرز هذه الجهود في الاستراتيجية الأوروبية التي وضعت في 2011 وركزت بالأساس على تعزيز الجوانب السياسية المتمثلة في الحوكمة والتنمية، وحلحلة الصراعات الداخلية ومواجهة التطرف، بيد أنها تعرضت للعديد من الانتقادات لعدم تركيزها الفعلي على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، كما أنها فشلت في الحيلولة دون اندلاع الأزمة في مالي عام 2012. ويضاف لذلك الاستراتيجية الصادرة عن الأمم المتحدة في 2012؛ حيث عينت الأمم المتحدة مبعوثاً أممياً خاصاً بمنطقة الساحل الإفريقي، لوضع استراتيجية شاملة تتضمن الأبعاد الأمنية والحوكمة والتنمية، وعلى الرغم من محاولة هذه الاستراتيجية تحقيق التنسيق بين الجهود المختلفة، بيد أن محدودية الموارد فضلاً عن عدم وجود عنصر الإلزام لتعاون دول المنطقة مع جهود الأمم المتحدة قد قيد قدرة المنظمة على تحقيق تقدما كبيراً. أخيراً، تمثل استراتيجية البنك الدولي في نوفمبر 2013 أحد الجهود الدولية التي حاولت التصدي لنقاط الضعف السياسية والاقتصادية والأمنية للجهود السابقة، بيد أنها لم تكن فعالة أيضا.

تعثرات الدور الخارجي:

سارعت فرنسا في 2013 للتدخل في مالي من أجل كبح جماح التهديد الإرهابي في مالي، والحيلولة دون سقوط العاصمة المالية باماكو في أيدي الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة، وذلك عبر عملية سيرفال، وقد تم استبدال هذه العملية لاحقاً بعملية “برخان” كوسيلة لتعزيز قوات الأمن في الساحل ومنع انتشار الجماعات الإرهابية، كما كان تدخل فرنسا حاسمًا أيضًا في بناء تحالف دولي لدعم جهود تحقيق الاستقرار في مالي، ففي أبريل 2013، دفعت باريس مجلس الأمن إلى تفويض بعثة تحقيق الاستقرار التابعة للأمم المتحدة في مالي (مينوسما)، المكلفة بحماية المراكز السكانية الرئيسية، والتي تعمل للحيلولة دون عودة الجماعات الإرهابية، ومساعدة قوات الأمن المالية في إعادة بناء الدولة، وفي 2020، عمدت فرنسا إلى زيادة أعداد الجنود في عملية برخان بحوالي600 جندي ليبلغ إجمالي أعداد الجنود زهاء الـ5100 جندي.

وفي التقرير الذي نشرته مجموعة الأزمات الدوليةInternational Crisis Group في مطلع فبراير 2021، فقد أشار التقرير إلى أنه بعد مرور ما يقارب السبع سنوات على إرسال فرنسا لقوات تستهدف مكافحة الإرهاب في مالي في عام 2013، فلا يبدو أن هناك نجاحات ملحوظة على الرغم من المساعدات التي كثيراً ما طلبتها باريس من دول الإتحاد الأوروبي – خاصةً ألمانيا- والولايات المتحدة الأمريكية. بل على العكس، فهناك تزايد ملحوظ في نطاق وحجم النزاعات العسكرية في هذه المنطقة، الأمر الذي أدى إلى انتقادات واسعة من قبل الأطراف الدولية والمحلية لاستراتيجية فرنسا، بما في ذلك أطراف في الداخل الفرنسي.

وقد شهدت الاستراتيجية الفرنسية العديد من التعثرات التي أدت إلى انتشار العنف من شمال مالي إلى المناطق الريفية في وسط مالي وجنوب غرب النيجر وشمال بوركينا فاسو، كما قامت مجموعات تحت راية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة والجناح المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بتجنيد الشباب الساخطين في هذه المناطق.

وعلى الرغم من تطور طبيعة العنف، بيد أن الاستراتيجية الفرنسية استمرت في التركيز على العمليات العسكرية ضد العناصر الإرهابية، ما يجعل من المكاسب المتحققة قصيرة الأجل؛ فغالباً ما يعود المسلحون أو ينتقلون ببساطة إلى مكان آخر، وعلى الرغم من استهداف هذه الاستراتيجية إلى تهدئة المنطقة من خلال استثمارات واسعة النطاق في مجالات الأمن والتنمية والحوكمة، لكنها في الغالب لم تحقق كثير من هذه الأهداف، وبدلاً من ذلك فإنها تركز بشكل متزايد على العمليات العسكرية.

عوامل محفزة للغضب الشعبي.. كورونا ثانياً:

ثمة تصاعد واضح للغضب الداخلي في منطقة الساحل الإفريقي من الانخراط الدولي في المنطقة خاصة الدور الفرنسي، وهو ما انعكس بوضوح في انقلاب أغسطس الماضي في مالي، والتي سبقها احتجاجات واسعة بلورت الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع الأمنية والتدخل الغربي في المنطقة، خاصة من العمليات الفرنسية.

وقد تكرر هذا الأمر في عدة أمكان في هذه المنطقة، فقد شهدت النيجر احتجاجات واسعة ضد الحكومة وحلفائها الدوليين في مارس 2020، حيث نددت الاحتجاجات بالدور الفرنسي وطالبت برحيل القوات الفرنسية والأمريكية. وهو الأمر ذاته في بوركينا فاسو، فقد تكررت الاحتجاجات الشعبية منذ عام 2018 لرفض الظروف المعيشية الصعبة وتصاعد معدلات النزوح الجماعي وانعدام الأمن، وقد بات المحتجون في البلاد يربطون بين عدم الاستقرار والدور الفرنسي المتزايد.

من ناحية أخرى، لقد وجه فيروس كورونا الجديد (كوفيد -19) ضربة أخرى لاستراتيجيات التعامل مع منطقة الساحل، فقد أدى وصول الوباء إلى تعقيد التدخلات الخارجية في منطقة الساحل، والتي أجبرت على التكيف أو التجميد في وقت سعى فيه الشركاء الدوليين في توسيع الجهود، ورغم تأكيد قادة برخان على أن COVID-19 لن يعيق عملياتهم. لكن في الواقع، فقد قيدت أزمة كورونا من مهمة الأمم المتحدة وبعثات الاتحاد الأوروبي، حيث واجهت مبادرات التنمية فرض قيود جديدة على الاجتماعات والسفر؛ ومن ثم كان على الموظفين الدوليين العمل عن بعد، فضلاً عن إعادة توجيه بعض التمويل نحو الإغاثة المتعلقة بالفيروسات والتخفيف من الأثر الاجتماعي والاقتصادي للوباء، كما علق المانحون بعض المشاريع لحين الانتهاء من تداعيات فيروس كورونا.

اقتراحات جادة:

في ظل حالة الهشاشة التي تهيمن على منطقة الساحل الإفريقي، والتعثرات التي تواجهها الإستراتيجيات المختلفة في معالجة عدم الاستقرار في هذه المنطقة، فثمة حاجة ملحة لتغيير ملامح الاستراتيجية الراهنة لتجاوز أوجه القصور فيها، ومن أهم الأبعاد التي تحتاج إلى إعادة بلورة في الاستراتيجية الدولية، هو ضرورة التحول من التمحور والاقتصار على الأبعاد الأمنية والعسكرية إلى الاهتمام بالأبعاد الخاصة بالحوكمة، فكما أشار التقرير الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية، تمثل أزمة الحكم في منطقة الساحل أحد أبرز الإشكاليات التي تهدد الأوضاع في منطقة الساحل، خاصةً فيما يتعلق بالعداء المتصاعد تجاه الحكومات المركزية في هذه الدول، سواء عبر التمرد الريفي أو الاحتجاج الحضري.

لكن، يجب الأخذ في الاعتبار أن النهج الجديد المنبثق عن تلك الرواية لا يفترض التخلص الكامل من الإستراتيجية الراهنة متعددة الأبعاد، ولكن فقط إعادة ترتيب الأولويات، من خلال التركيز على الحوار المحلي كوسيلة لعودة الدولة إلى المناطق الريفية، كما يجب على الجهات الخارجية تشجيع الدول على تكثيف الجهود للتوسط في هدنات بين الفصائل المحلية المتحاربة، كما يجب عليهم إعطاء أولوية أكبر لتوفير الخدمات الحكومية، لا سيما الرعاية الصحية والتعليم، بما في ذلك في المناطق التي لم تنتشر فيها قوات الأمن بعد، كما يجب عليهم تشجيع دول الساحل على تحسين الإدارة المالية للقطاع العام.

في النهاية، يمكن القول إنه لا يبدو أن ثمة معالجة للأوضاع الأمنية في منقطة الساحل الإفريقي على المدى القصير والمتوسط، بيد أنه من المرجح أن تشهد هذه المنطقة مزيداً من الاهتمام الدولي – خاصة الأوروبي- خلال الفترات المقبلة، وهو ما تعكسه توجهات الإتحاد الأوروبي لتقليل الدعم المالي المقدم إلى القرن الإفريقي – خاصةً الصومال- وتوجيه هذه المساعدات لتعزيز النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي والعمل على حلحلة الأزمة الأمنية المتفاقمة في هذه المنطقة، والتي باتت تؤثر على أمن القارة الأوروبية، وأخيراً، في ظل الرفض الذي بات يخيم على النظرة الداخلية لشعوب هذه المنطقة تجاه الانخراط الدولي، فيبدو هناك فرصة قائمة للدور المصري في هذه المنطقة من خلال المشاركة في الجهود الدولية لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، خاصةً وأن هناك قبولاً داخلياً للدور المصري يرتبط بتقدير شعوب المنطقة للدولة المصرية فضلاً عن حيادية الدور المصري وعدم ارتباطه بأطماع على غرار بعض الأطراف الأخرى.

 

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى