معالجة عابرة للأمواج: أي دور للإعلام فى مواجهة الهجرة غير الشرعية؟

لا يتوقف دور الإعلام في معالجته لظاهرة الهجرة غير الشرعية عند الوظيفية التوعوية، بل إنه يتخطى رفع مستوى الوعي بمخاطر هذه القضية، ليمارس في تغطيتها دورا أمنيا، فكيف يمكن للإعلام أن يساهم في التصدي لهذه القضية الأمنية؟

لقد فرضت قضية الهجرة غير الشرعية نفسها على الاهتمامات العالمية، خلال السنوات الأخيرة، بعدما تسارعت وتيرتها، وتوسعت آثارها، وزادات أعداد ضحاياها، بالرغم مما اتخذ بشأنها من إجراءات وتدابير، إلا أنها إلى الآن لم تفلح في التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.

ولأن الإعلام مرآة لما يحدث في المجتمع، كان منوطا به أن يساهم بدوره في البحث عن حلول لمعالجة هذه القضية، ليس فقط من خلال مهامه الإخبارية والإعلامية، بل في ضوء وظائفه المجتمعية الشمولية، إذ تعد أخبار حوادث الهجرة الغير شرعية التى تحدث بين الحين والأخر والتى أصبحت جزء شبه يومى من اخبار العالم، بما تحمله من جوانب إنسانية واجتماعية، من أكثر الأخبار التى تثير شهية وسائل الإعلام وتتنافس من أجل الحصول على كل ما يرتبط بها من معلومات.

الإعـلام أدوار ومهام:

الدور الحضارى، حيث يسهم الإعلام بآلياته المتعددة والمتطورة فى تنظيم حياة المجتمعات الاجتماعية والإنسانية، وعاكسا ومعبرا عن مستوى ما وصلت إليه من حضارة.

الدور التنموى، فالتنمية تعتمد على التطوير والتحديث والتقدم، وهو جوهر ما تقدمه وسائل الإعلام من معلومات متدفقة تساهم فى نقل المجتمع من حال إلى آخر.

الدور السياسى، إذ يمارس الإعلام الصادق والموضوعى دوراً هاماً فى دعم الاتصال بين الحاكم والمحكوم فى إطار من الديمقراطية، كما تعمل على إدارة الحوار البناء، من خلال تبادل الآراء حول الحقائق والقضايا القائمة، وتقديم مختلف وجهات النظر للوصول إلى اتفاق بشأن تلم الموضوعات.

الدور الثقافى، حيث ينقل الموروثات الثقافية، والقيم والعادات والتقاليد عبر الأزمان والأجيال، والتي تتطور من خلال الاتصال والإعلام.

الدور الدينى والروحى، فالقيم الدينية والروحية بحاجة إلى الترويج والانتشار، وهو ما تقوم به وسائل الإعلام، كما تقوم بالرد على كافة الافتراءات وحملات التشويه ضد القيم الدينية.

الدور الترفيهيي، حيث يقدم الإعلام، مواد ترفيهية، كالموسيقى والأعمال الفنية المختلفة، التي تعمل على تسلية وإمتاع الجمهور، بمختلف فئاته.

الدور الإعلاني والتسويقي، فهو يقوم بعرض إعلانات عن السلع والمنتجات، مما يساهم في تنشيط الاقتصاد عن طريق الترويج للسلع وتسويقها

الدور الأمنى، وذلك من خلال ما تقوم به أجهزة الإعلام بربط المواطنين بما يجرى فى المجتمع من أحداث تتعلق بأمنهم وسلامتهم، وتوعيتهم بالحالة الأمنية والأخطار التى يمكن أن تحيق بهم، وكيفية الوقاية من الوقوع فى براثن الجريمة، والتي تساعد في كشف أساليبها المتطورة.

إن الإعلام من خلال هذه المهام والأدوار، صارت له العديد من التأثيرات في المجتمع، سيما بعد الطفرة الهائلة فى تكنولوجيا المعلومات والاتصال، إذا صار بإمكانه تحريك العديد من القضايا وموجهاً لها بوسائله المتعددة، والتي تحول معها العالم إلى قرية كونية صغيرة تتناقل فيها الأخبار والأحداث لحظيا عند وقوعها، لكنه أحيانا، ما يتناول الإعلام بعض القضايا الهامة، مثل قضية الهجرة غير الشرعية، بطريقة لا تتناسب مع خطورتها المجتمعية والأمنية، مما يعد قصورا مهنيا، لغياب المعالجة الشمولية.

معالجة قاصرة:

نتيجة لقلة المعلومات، وغياب القدرة على الوصول لكل الحقائق المتعلقة بقضية الهجرة غير الشرعية، أحيانا ما تفتقد وسائل الإعلام للتعامل بالشكل الكافي مع هذه الظاهرة الهجرة، لتجلية أسبابها ومراميها وأبعادها، فتأتي معالجتها فاقدة للجدية، وذلك على النحو التالي:

التغطية التقليدية، وذلك من خلال الاعتماد على الأخبار الرسمية عن هذه الحوادث، أو إذاعة لقطات أرشيفية قديمة لحادث مماثل، او متابعة في الاستوديو دون محاولة الاقتراب من واقع الظاهرة.

عرض القضية دون طرح الحلول المناسبة لمواجهها، كتوجيه الشباب للفرص المتاحة للعمل و الإنتاج.

المعالجة السلبية، من خلال تقديم مواد إعلامية تبث روح التشاؤم فى المجتمع وتظهر عدم امكانية حل هذه الظاهرة، خاصة فى حالة تكرار الحوادث المرتبطة بها، دون وجود إجراءات رادعة.

الاكتفاء بتوجيه الاتهامات، فقد تقوم بتوجيه اتهامات من النوع الجاهز، لكل الأطراف المعنية –الحكومة، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات المجتمعية والدينية، وللأسر وأولياء الأمور، وللشباب أنفسهم- وأنهم جميعا طرف في هذه القضية.

تغليب الطابع الإخباري والنقدي فى تناول مضمون الظاهرة، دون السعي إلى استكشاف جوانبها وتحليليها، كظاهرة مجتمعية خطيرة، تقتضي كشف أسبابها ومحاولة الوصول لحلول لمعالجة الظاهرة والتنبيه عن ما تمثله من خطورة مسبقا (صحافة رد الفعل).

المعالجة بالصورة النمطية، حيث تقوم بعرض القضية من خلال تنميط صورة المهاجر غير الشرعي، ووضعها فى قالب الشاب العاطل اليائس محدود التعليم، الطائش، الذى يشوه سمعة بلاده.

الإدانة السريعة للمهاجر عير الشرعي، الذي غامر وقامر بحياته، دون البحث الجاد عن فرصة حقيقية للعيش بكرامة داخل بلده، وفضل- وفق زعمه- جنة الخارج على ما يمكن أن يواجه من ضغوط بالداخل، وتوجه له اتهامات، بأنه يبالغ في تبرير هجرته غير الشرعية.

معالجة أكثر فعالية:

لعله من المأمول للإعلام، أن يوظف إمكانياته بطريقة أكثر احترافية، تساعد في مكافحة الهجرة الغير شرعية، وذلك من خلال الآليات التالية:

تكرار الرسائل الاعلامية بشكل متشابه حول قضية الهجرة غير الشرعية مما سيؤدي الى تأثير تراكمي على المتلقي الذي بدوره عاجلا ام أجلا يستجيب للقضية المطروحة.

محاولة التأثير الشامل على الفرد، ويقصد به أن يكون الاتصال بالفرد على مدار وقته أينما كان في العمل أم البيت أم السيارة، وحتى عن طريق الموبايل وذلك في الاشتراك بتطبيقات متعددة تساهم في الوصول إليه بشكل مباشر.

التجانس الاعلامي، والذي تكون الرسائل المطروحة للمتلقي هي نفسها التي تصدر من أصحاب السلطة وتكون منسجمة ومتناسقة مع أصحاب القنوات الذين دورهم نقل الخبر للمتلقي.

إستخدام الاستمالات العاطفية بالبدء بإثارة عواطف المتلقي، ومن ثَمّ مخاطبة عقله لتوعيته بخطورة الظاهرة .

تكوين مركز للتوثيق الإعلامي حول الهجرة غير الشرعية يضم البرامج التلفزيونية والإذاعية والأعمال الصحفية التي تناولت هذه القضية.

إنجاز أعمال سينمائية مشتركة، تقدم صورة متوازنة وإنسانية عن قضية الهجرة غير الشرعية.

تنظيم حملات إعلامية لمساعدة الشباب على عدم السقوط في براثن شبكات الجريمة المنظمة التي تستغل ظروف الشباب وتستدرجهم إلى محاولات الهجرة الغير شرعية.

إدماج مواضيع الهجرة غير الشرعية وأهمية الانتماء للوطن، في برامج التعليم لتوعية الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية منذ الصغر وتعزيز روح الانتماء لدى الشباب كأحد الأساليب الغير مباشرة، للحد من هذه الظاهرة.

الاستفادة من فن الكاريكاتير والفنون الشعبية في إيصال الرسائل التوعوية، المعنية بمخاطر الهجرة غير الشرعية للفئات المستهدفة من الجمهور.

الاستعانة بالخطاب الديني في التوعية وذلك من خلال البرامج الدينية في الراديو والتليفزيون ودور العبادة.

الاستعانة بقادة الرأى فى المجتمع (رياضيين – ممثلين – أدباء – رجال دين) لنشر الوعى والتعاون مع مؤسسات إنفاذ القانون، للحد من هذه الظاهرة والعمل على معاجة اسبابها بكل جدية.

ختاما، لوسائل الإعلام أدوار فاعلة، يمكنها المساهمة الحقيقية في التصدي لهذه الظاهرةـ، من خلال توجيه وتحسيس الرأي العام بتداعيات هذه الظاهرة على الفرد والمجتمع، والحث على بذل المزيد من الجهود المحلية والإقليمية والدولية لردعها، ومحاولة التقليل من آثارها، فمعالجة هذه القضية داخل المجتمعات، أفضل كثيرا من البحث عن طرق ووسائل، عادة ما تكون في عرض البحر، أو في شكل مطاردات هنا وهناك.

 

 

 

اللواء هشام صبري

خبير بوحدة دراسات الأمن الإقليمي. ممثل الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام سابقا، نائب مدير معهد تدريب الشرطة السابق بأكاديمية الشرطة. خبير متمكن في دراسات الأمن الدولي وحفظ السلام، وله العديد من الدراسات والبحوث في حفظ وتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى