صعوبات جيوسياسية: احتمالات التدخل العسكري لـ “إيكواس” في النيجر

مع إغلاق نافذة الحل السلمي والدبلوماسي في النيجر، يبدو أن التدخل العسكري هو الخيار المحتمل بشكل كبير أمام مجموعة “الإيكواس” رغم ما يواجهه هذا الخيار من صعوبات، فقد تضاءلت فرص الحل الدبلوماسي مع رفض السلطة العسكرية والجنرال عبد الرحمن تشياني رئيس “المجلس الوطني لحماية الوطن”، وهو الممثل للسلطة العسكرية في النيجر إبداء أي مرونة لحل دبلوماسي للأزمة، وقد رفضت السلطة في النيجر استقبال وفد ثلاثي يمثل مجموعة الإيكواس والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بل أن قائد الانقلاب العسكري هناك شرع في عمل تغييرات كبيرة في الأجهزة الأمنية والعسكرية وقام بتعيين رئيساً للوزراء، ووزراء جدد غالبيتهم من العسكريين بعد أن طالت الاعتقالات العديد من الوزراء السابقين وأعضاء الحزب الحاكم وذلك في تحد واضح لتهديدات الإيكواس وفرنسا بالقيام بعمل عسكري، وهو ما دفع بقيادة “إيكواس” بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية وقيود علي المعاملات المالية وتجميد أصول مالية، بل وقطع إمدادات الطاقة من نيجيريا.

وطالما أن الاجتماع الثاني للإيكواس، الذي عقد بعد انتهاء المهلة المحددة من قبل المجموعة، أكد علي التدخل العسكري المحتمل، خاصة مع إعلان رئيس كوت ديفوار الحسن واتارا، أن قادة إكواس أعطوا الضوء الأخضر لعملية عسكرية “تبدأ في أقرب وقت ممكن” لاستعادة النظام الدستوري في النيجر- يبقى السؤال، هو: ما حدود استخدام القوة العسكرية في النيجر؟، وما هي أهم التحديات التي تواجه التدخل العسكري، ما تداعياته علي الأمن والاستقرار الإقليمي؟، وما مآلات الحل الممكنة في النيجر؟

الأهمية الجيوسترتيجية للنيجر:

تحظي النيجر بأهمية جيوسياسية إقليمياً ودولياً، فلقد أصبحت النيجر محط تجاذبات جيوسياسية دولية وإقليمية كبيرة، حيث تقع النيجر غربي القارة الأفريقية، وتنتمي لما يعرف بدول الساحل الأفريقي، تحدها شمالاً الجزائر وليبيا، وشرقاً تشاد، وجنوباً نيجيريا وبنين، وغرباً بوركينا فاسو ومالي. لذلك، فهي دولة حبيسة بين 7 بلدان، ولا تطل على أي سواحل وتمثل عملية ضبط الحدود مع جيرانها أهمية كبيرة لاستقرار الإقليم فيما يخص التنظيمات المسلحة والهجرة غير الشرعية وعمليات الاتجار بالبشر.

وتعتبر النيجر، من أفقر دول العالم وفقاً للتقارير الدولية رغم أنها دولة غنية بموارد الطاقة، إذ تمتلك واحدا من أكبر احتياطيات العالم من اليورانيوم وتعد سابع أكبر منتج له، فضلا عن كميات كبيرة من احتياطيات الذهب والنفط، كما تم الكشف عن احتياطيات من الفحم عالي الجودة في جنوب وغرب البلاد، ويمثل اليورانيوم النيجري مصدراً أساسياً لمحطات الطاقة النووية الفرنسية.

ويعد الرئيس المدني محمد بازوم من أهم الحلفاء للغرب بعد أن خرجت مالي وبوركينا فاسو من تحت النفوذ الغربي لصالح النفوذ الروسي عقب الانقلابات العسكرية في البلدين منذ 2020، فالنيجر المدعومة من الولايات المتحدة حليف مهم للدول الغربية التي تسعى للقضاء علي التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل ويتمركز أكثر من 1100 جندي أمريكي في النيجر حيث تمتلك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية للطائرات بدون طيار في البلاد، تستخدمها لاستهداف المتمردين التابعين للقاعدة والدولة الإسلامية بالتعاون مع الجيش الفرنسي .كما أن فرنسا من أهم حلفاء النيجر وأهم الشركاء الغربيين لمكافحة الإرهاب، وترتبط العلاقات الوثيقة بين فرنسا والنيجر بانتهاء الحقبة الاستعمارية، حيث لم تنته المصالح الفرنسية في هذا البلد، إذ تحتل النيجر مكانة استراتيجية مهمة لدي فرنسا، فهي حليف في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتستضيف قاعدة عسكرية فرنسية بها نحو 1500 من القوات الفرنسية، كما يوجد قوات إيطالية وألمانية في مهام تدريبية واستشارية، وينظر الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى النيجر على أنها حليف في جهوده لمعالجة الهجرة غير الشرعية من إفريقيا عبر البحر المتوسط .

لقد شهدت ثلاث دول أخرى على الأقل في غرب إفريقيا – بوركينا فاسو وغينيا ومالي – انقلابات عسكرية منذ عام 2020. ويخشى المراقبون الغربيون من أن المجلس العسكري في النيجر، يمكن أن يحاكي الأحداث في مالي المجاورة، التي طرد الانقلابيون في نهاية المطاف قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة. بناء علاقات وثيقة مع مجموعة فاجنر الروسية، وتتخوف الدول الغربية من التساهل مع الانقلاب في النيجر أن يشجع المزيد من العسكريين علي تنفيذ انقلابات مماثلة والاستيلاء علي السلطة والاتجاه نحو النفوذ الروسي والصيني في ظل صراع النفوذ بين القوي الكبرى الذي تشهده القارة الأفريقية.

حسابات التدخل العسكري:

ليست المرة الأولي التي تدخل فيها الإيكواس عسكرياً، فقد سبق أن تدخلت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا خلال الحربين الأهليتين في ليبيريا وسيراليون في أوائل التسعينيات، لأسباب إنسانية، وفي الآونة الأخيرة تدخلت إيكواس في مالي 2013 عقب انقلاب عام 2012 وانهيار النظام واستغلت الجماعات المسلحة على الفور الانقلاب الذي أعقب ذلك للسيطرة على شمال البلاد. وقادت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بعثة الدعم الدولية في مالي  لدعم الحكومة المالية في الحرب ضد المتمردين في عام 2013. وفي غامبيا 2017 أرسلت الإيكواس قوات إلى غامبيا عندما رفض الرئيس يحيى جامح، الذي حكم البلاد لأكثر من عقدين، التنحي بعد خسارته في الانتخابات، وبعد أن احتشد حوالي 7000 فرد من القوة متعددة الجنسيات المدعومة من إكواس، بقيادة السنغال، على الحدود مع غامبيا، وافق جامع بسرعة على صفقة للتنحي والنفي.

ورغم الإعلان عن تدخلاً عسكرياً  قريب في النيجر من قبل الإيكواس لم تعلن المجموعة عن طبيعة هذه العملية وحجمها ومداها الزمني والدول المشاركة فيها، ورغم حديث بعض الدول الأعضاء في الإيكواس لإعطاء الأولوية للحلول السلمية، إلا أنه لا توجد مؤشرات قوية علي إمكانية التفاوض من أجل إنهاء الانقلاب بعد قرار لقمة الإيكواس في العاصمة النيجيرية أبوجا، وقرار قادة المجموعة بنشر “قوة احتياط” تابعة للإيكواس لاستعادة النظام الدستوري في النيجر في أعقاب انقلاب 26 يوليو الماضي، كما أعلن الرئيس كوت ديفوار الحسن واتارا عن التدخل العسكري القريب لإعادة الحكم الدستوري للبلاد، واستخدام قوة الاحتياط، وهو ما يعني أن التدخل هذه المرة سيكون بشكل جماعي من خلال هذه القوة التي تشارك فيها الدول الأعضاء.

وفيما يخص طبيعة العملية العسكرية للإيكوس فهناك خيارين أمام دول الإيكواس، (-) الخيار الأول، وهو عملية عسكرية واسعة تتم من خلالها غزو الأراضي النيجرية،  ولكن هذه العملية تنطوي علي مخاطر كبيرة تتمثل في التكلفة الباهظة لهذه الحرب وكذلك اتساع نطاق عدم الاستقرار في النيجر ناهيك عن الرفض الشعبي الذي قد تواجهه مثل هذه العملية والتخوف من تحول هذه العملية إلي حرب شاملة تتورط فيها الكثير من دول المنطقة ويتم استغلالها من قبل التنظيمات الجهادية المتشددة. (-) أما الخيار الثاني، للتعامل مع الأزمة في حال اتخاذ قرار العمل العسكري، فهو يتمثل في عملية عسكرية محدودة تتم من خلال القوات الخاصة والإنزال الجوي وبدعم غربي ويتم من خلالها السيطرة علي القصر الرئاسي والمؤسسات الحيوية في العاصمة نيامي والقبض علي قادة الانقلاب وإعادة الرئيس محمد بازوم إلي السلطة، وهو خيار نسبة نجاحه ليست كبيرة لكنه أقل كلفة بشرياً ومادياً وزمنياً وتجنب إثارة الفوضى في البلاد والإقليم.

تحديات الخيار العسكري:

تواجه عملية التدخل العسكري لإنهاء الانقلاب في النيجر العديد من التحديات، فهي عملية معقدة ولها الكثير من الأبعاد، أهم هذه الصعوبات أن عملية عسكرية واسعة في النيجر سوف تواجه صعوبات جيوسياسية جمة تتعلق باتساع مساحة النيجر وحدودها الكبيرة الممتدة مع سبع دول أفريقية مع وجود صحراء شاسعة في الشمال تمثل ملاذاً للتنظيمات المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي تشن هجماتها من حين إلي آخر في شمال النيجر، كما أن هشاشة بعض الدول المجاورة سيؤدي إلي اتساع نطاق الفوضى وعدم الاستقرار في الإقليم بصفة عامة والنيجر بصفة خاصة والتي تعاني أيضا بجانب التطرف والتنظيمات المسلحة من موجة نزوح بسبب الصراع في السودان والهجمات الإرهابية في مالي.

وقد ظهر جلياً الانقسام داخل الإيكوس بخصوص التدخل العسكري في النيجر، فنيجيريا وبنين المجاورتين  تدعمان بقوة العمل العسكري وتدعمهما كوت ديفوار من الدول غير الحدودية مع النيجر وكذلك السنغال وغانا، بينما غامبيا وليبيريا لازال موقفهما غير واضح حتى الآن، علي الجانب الآخر فإن كلاً من مالي وبوركينا فاسو اللتان تدعمان الانقلاب في النيجر رفضت أي تدخل عسكري هناك واعتبرته بمثابة إعلان حرب عليها، وهو ما يهدد بتفكك الإيكواس نفسها، وانضمت لهما غينيا كوناكري للدول الرافضة للتدخل العسكري، ومن خارج المجموعة أعلنت الجارة الشمالية الجزائر رفضها للتدخل والتحذير من تداعياته، حيث تدرك الجزائر ما تنطوي عليه هذه العملية من مخاطر تهدد أمنها علي الحدود الجنوبية فيما يتعلق بانتشار الفوضي وتصاعد عمل التنظيمات المسلحة وكذلك تأثيرها علي ضبط الحدود فيما يخص الهجرة غير الشرعية ناهيك عن موجات النزوح واللاجئين كما تتخوف تشاد من التدخل العسكري لأسباب مماثلة.

وتعتبر نيجيريا من أهم الدول المجاورة للنيجر، حيث تمتلك أطول حدود معها بطول 1600 كيلومتر، كما أنها تمتلك أقوي جيش في المنطقة قوامه ما يقرب من 223 ألف مقاتل، وهي من أكثر الدول التي يتحمس رئيسها للحل العسكري، فنيجيريا لديها مخاوف أمنية مفهومة، كما أن السلطة المدنية المنتخبة في نيجيريا تتخوف من أن يأتي عليها الدور وتعود مجدداً إلي الحكم العسكري الذي عانت منه لفترات طويلة، لكن استخدام القوة ضد السلطة العسكرية في النيجر قد يؤدي إلى أزمة لاجئين وحرب إقليمية.

وقد تسببت عمليات الجماعات الجهادية في منطقة الساحل المضطربة إلى تدفق 300 ألف لاجئ من مالي إلى النيجر، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بشكل كبير، مع احتمال الفرار إلى نيجيريا وغيرها من البلدان المجاورة في حالة نشوب نزاع مسلح واسع النطاق، وهو ما قد يدفع دولة مثل تشاد للدخول في هذه الحرب بسبب التهديدات الأمنية الكبيرة التي قد تواجهها في حال اشتعال الحرب علي نطاق واسع.

الموقف الدولي من التدخل العسكري:

ليس خفياً أن فرنسا تدعم بقوة التدخل العسكري في النيجر، فقد أصبحت النيجر قاعدة أساسية للجيوش الغربية وأجهزة مخابراتها بعد التحولات التي شهدتها المنطقة وبعد انحسار النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل في المعاقل التقليدية في مالي وأفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، وخروج النيجر من سيطرة النفوذ الفرنسي يمثل تهديداً مباشراً لمصالح فرنسا الاقتصادية والأمنية.

أما الولايات المتحدة والتي ترفض هذا الانقلاب، فقد كانت أقل حدة في موقفها وأكثر دبلوماسية حتى أنها تجنبت إطلاق مسمى الانقلاب العسكري على ما حدث في النيجر ولم تعلن صراحة تأييدها للتدخل العسكري هناك وعلي ما يبدو أن أهم ما يعني الولايات المتحدة، هو عدم وقوع النيجر فريسة للنفوذ الروسي على غرار ما حدث مع مالي وبوركينا فاسو، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة لتقديم الدعم غير المباشر للعمل العسكري المحتمل .

 وحتى الآن لا توجد مؤشرات حول دعم روسي للانقلاب في النيجر وذلك باستثناء تأييد مجموعة فاغنر صراحة لقادة الانقلاب, فروسيا ترفض التدخل العسكري في النيجر، وتحذر من تداعياته علي المنطقة واستقرارها ورغم ذلك، حتى أنها أعلنت عن دعمها لجهود الإيكواس السلمية فقط لحل الأزمة.

ورغم إعلان الإيكواس أن الأسس القانونية للتدخل العسكري موجودة ولا حاجة لتفويض من مجلس الأمن مع معارضة روسية محتملة، إلا أن تفويضاً من الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي للتدخل العسكري سيعطي زخماً وشرعية أكبر لأي عمل عسكري هناك، إلا أن الانقسام داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي حال دون الوصول لقرار بتعليق عضوية النيجر في الاتحاد الأفريقي، وهو ما يدل علي حجم التناقضات والانقسامات بين البلدان الأفريقية في التعاطي مع الأزمة.

آثار التدخل العسكري المحتمل:

من المتوقع أن يؤثر أي تدخل عسكري في النيجر بشكل كبير على الاستقرار الأمني في منطقة الساحل وغرب أفريقيا والتي تعاني بالأساس من انتشار الجماعات الجهادية وتنامي العمليات الإرهابية في المنطقة،  خاصة في ظل الانقلابات العسكرية التي طالت العديد من الدول في هذه المنطقة، وأثرت علي عمليات مكافحة الإرهاب فيها، خاصة مع استدعاء الحكومات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو لقوات مجموعة فاجنر الروسية لمساعدتهم في مواجهة التحديات الأمنية، وفي الغالب ستستفيد هذه الجماعات الإرهابية من حالة عدم الاستقرار والفوضى التي ستترتب علي الصراع المسلح في منطقة الساحل، خاصة مع احتمال تحول هذا الصراع إلي حرب بالوكالة بين العديد من الدول لصالح القوي الكبرى، خاصة مع تعهد مالي وبوركينافاسو بدعم السلطة العسكرية في النيجر في حال تعرضت للغزو.

ومن النتائج المباشرة للصراع العسكري المحتمل، هو الانتشار الكبير للاجئين، والتدفق الجماعي للمشردين إلى نيجيريا والبلدان المجاورة الأخرى. وهناك أيضا احتمال متزايد لتسلل المقاتلين والإرهابيين الأجانب. ولا شك أن تدفق اللاجئين هذا يمكن أن يضغط على البنية التحتية المحدودة والمرافق الاجتماعية عبر مختلف الدول في المنطقة، ويؤثر علي اقتصاديات هذه الدول التي تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية ومشاكل اقتصادية لأسباب داخلية ودولية.

إن انهيار منطقة الساحل بالقرب من أوروبا، هو سيناريو صعب للغاية، سواء من حيث الأمن واتساع نطاق العمليات الإرهابية أو التدفقات المحتملة للمهاجرين الفارين، كما أن النيجر هي أيضا مورد هام للغاية لليورانيوم للصناعة النووية الفرنسية.

من غير المستبعد أن يقدم الاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الدعم المباشر وغير المباشر للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في حالة حدوث تدخل عسكري واسع النطاق، لأسباب جيوسياسية والحاجة إلى حماية مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى إغراق منطقة الساحل في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار تستفيد منها الجماعات المتطرفة سواء في عملياتها أو تجنيد مزيد من الشباب من خلال خطابات قومية ودينية تستدعي الحديث عن مناهضة الاستعمار.

مآلات الوضع في النيجر:

يبدو أن الفوضى وعدم الاستقرار في النيجر، هي قدر النيجر والنيجريين لأسباب جيوسياسية وأطماع القوي الخارجية في ثروات الدولة الفقيرة من يورانيوم وذهب ونفط وفحم، هذه الثروات التي لم يصب منها الشعب النيجري إلا القليل. فالأزمة معقدة ولها الكثير من المعطيات المتشابكة والمصالح المتقاطعة، فسواء نجح الانقلاب في تجاوز نداءات المجتمع الدولي بعودة الرئيس بازوم والمسار الدستوري، فإن العقوبات الاقتصادية من الإكواس وتعليق المساعدات الغربية، ستؤثر بشكل كبير علي الاقتصاد المتضرر أصلاً، وكذلك سيؤثر علي الشعب النيجري، الذي يعاني بشكل كبير من الفقر وتدني مستوي المعيشة، وقد يؤدي هذا الوضع إلى مزيد من الفوضى الأمنية مع تزايد نشاط الجماعات الجهادية.

أما سيناريو التدخل العسكري، ينطوي علي مخاطر كبيرة وصعوبات جمة تتعلق بالانقسام داخل مجموعة الإيكوس ورفض بعض دول الجوار وبعض الدعم الشعبي للسلطة العسكرية في النيجر، وقد تؤدي عملية عسكرية واسعة في النيجر إلي إطالة أمد الصراع وغرق منطقة الساحل في حالة من عدم الاستقرار والفوضى الأمنية وتدفق اللاجئين وتفاقم أزمة المهاجرين الشرعيين إلي أوروبا وتحول النيجر إلي ساحة لصراع النفوذ بين القوي الكبرى.

أما العملية العسكرية المحدودة رغم أنها تقلل من مخاطر الفوضى والتكلفة البشرية والمادية، لكن فرص نجاحها ليس كبيرة، وحتى في حالة نجاح هذه العملية في إعادة الرئيس بازوم إلي السلطة فسوف يواجه الرئيس بازوم معضلة التعامل مع الجيش والأجهزة الأمنية، والكتلة الشعبية المعارضة له، والتي ستنظر إليه علي أنه عاد إلي الحكم بمساندة قوي أجنبية.

وتعتبر العقوبات الاقتصادية والحصار وإغلاق الحدود وتجميد الأصول المالية للنيجر وقطع إمدادات الوقود من نيجيريا وتعليق المساعدات مع الضغط الدولي من القوي الغربية وعدم الاعتراف بالسلطة الانقلابية وتعليق عضويتها في المؤسسات الدولية والإقليمية،- هو أفضل الخيارات التي من الممكن أن تدفع السلطة المتعنتة في النيجر القبول بالتفاوض للوصول إلي حل سلمي للأزمة قد يتجاوز ذلك السيناريو مسألة عودة الرئيس محمد بازوم كحل وسط يقبل به الانقلابيون من خلال تقاسم للسلطة أو القبول بفترة انتقالية للعودة إلي المسار الديمقراطي.

في النهاية، يبدو أن مجموعة إيكواس والدول الغربية وعلي رأسها فرنسا، سوف تتعامل بشكل أكثر صرامة في المسألة النيجرية مقارنة بالتعامل مع مالي وبوركينا فاسو، وذلك لوقف عدوي الانقلابات وانتشارها في منطقة غرب أفريقيا بما يهدد قادة إيكواس أنفسهم وكذلك يمثل تهديد مباشر للمصالح الاستراتيجية للدول الغربية.

 

د. وحيد سمير سمير

د. وحيد سمير- خبير مشارك متخصص في دراسات الأمن الإقليمي، الباحث حاصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة أيضا، هو متخصص في الدراسات الإفريقية ودراسات الأمن الإقليمي، نشر العديد من الدراسات في هذا الشأن، وشارك في العديد من مراكز الفكر والدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى