الأمم المتحدة تقرر: كيف نجحت الجهود المصرية الإماراتية في عالمية الأخوة الإنسانية؟

بفضل جهود مصرية إماراتية متواصلة على طريق نشر ثقافة السلام والتسامح، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2020، قراراً بتوافق الآراء بجعل يوم 4 فبراير من كل عام يوما عالميا للأخوة الإنسانية، ضمن مبادرة قدمتها كل من دولة الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، على أن يكون يوم 4 فبراير عام 2021 أول الاحتفالات بهذه المناسبة.

وأكد القرار الأممى على مساهمات الشعوب من جميع الأديان والمعتقدات للإنسانية في إعلاء قيم التسامح والسلام الاجتماعي، وعلى دور التعليم في القضاء على التمييز القائم على أساس الدين أو المعتقد، وأشاد بجميع المبادرات الدولية والإقليمية والوطنية والمحلية والجهود التي يبذلها القادة الدينيون لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.

إن إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار هذا اليوم يوماً عالمياً للأخوة الإنسانية، بناء على طلب مصر والإمارات، يشكل رداً قاسياً على كل الإدعاءات الكاذبة المتعلقة بحالة حقوق الإنسان في مصر، التي يرددها بسوء نية البرلمان الأوروبي، والكونجرس الأمريكي، تنفيذاً لأجندات تآمرية باتت معروفة للجميع.

الانطلاقة من أبوظبي:

لقد أصبحت وثيقة الأخوة الإنسانية، التي بزغ نورها في دولة الإمارات العربية المتحدة، في 4 فبراير عام 2019، وثيقة تجمع الأديان والأعراق والألوان في كافة دول العالم تحت راية الإنسانية فى معناها ومقصدها العميق، حيث كانت البداية عندما استضافت دولة الإمارات المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية في ذات الشهر من ذات العام، والذي نظمه مجلس حكماء المسلمين بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين البشر وسبل تعزيزه عالمياً، من أجل التصدي للتطرف الفكري وسلبياته وتعزيز العلاقات الإنسانية وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل الأديان والعقائد المتعددة، تقوم على احترام الاختلاف.

لقد تمخض المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية عن وثيقة أطلق عليها “وثيقـة الأخــوة الإنســانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك”، ووقعت من قامتين دينيتين عالميتين هما فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية بتاريخ 4 فبراير 2019 في أبوظبي.

وأكدت الوثيقة على أن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك؛ فضلا عن تأكيد قيمة الحرية باعتبارها حق لكل إنسان سواء اعتقادا أم فكرا أم تعبيرا أم ممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة، حكمة لمشيئة إلهية، وقد خلق الله البشر على هذا الاختلاف والتعدد، وجعله أصلا ثابتا تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر.

خمسة سمات..أولها العدل وأخرها نبذ العنف:

نهضت الوثيقة على العدل القائم على الرحمة باعتباره السبيل الواجب إتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفها، مع اعتماد لغة الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، الأمر الذي من شأنه الإسهام في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي يعاني منها جزء كبير من البشر حول العالم.

وفى هذا السياق تم التأكيد على أن الحوار بين المؤمنين يعني التلاقي في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، واستثمار ذلك في نشر الأخلاق والفضائل العليا التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم، ناهيكم عن ضرورة حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، من منطلق أن هذا العمل واجب تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية. وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح لأحكام القانون الدولي والأعراف الدولية المستقرة.

والحق فإن وثيقة الإخوة الإنسانية قد أصلت لفلسفة تقوم على محاربة الإرهاب بما يتفق مع الشرائع السماوية والتشريعات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب بما ينطوى عليه من تهديد لأمن الدول والشعوب، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، محدثا الفزع والرعب بين الناس مع التأكيد على أن مثل هذا الإرهاب ليس نتاجا للدين – حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته – بل هو نتيجة تراكمات لفهم هؤلاء الخاطئ لنصوص الأديان.

ومن المؤكد أن وثيقة الأخوة الإنسانية إنما هى دعوة لترسيخ المواطنة الكاملة وقيمها الثابتة في المجتمع، للمساواة في الواجبات والحقوق، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح “الأقليات” الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لنثر بذور الفتن والشقاق، ويصادر على استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدي إلى ممارسة التمييز ضدهم.

وطالب كل من شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الكاثوليكية بأن تصبح هذه الوثيقة موضع بحث وتأمل في جميع المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية والتربوية؛ لتساعد على خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام، وتدافع عن حق المقهورين والمظلومين والبؤساء في كل مكان.

لقد جاءت الوثيقة تحقيقاً لحلم عاشه طويلاً كثيرون ممن يعشقون الإنسانية المجردة عن أي شكل من أشكال العنصرية والتمييز، وتوسّم هؤلاء في المسجد والكنيسة تبني حلمهم، وتوحيد الرؤى، وحشد العقول المستنيرة، لوضع أسس للتعايش المشترك، والسلام العالمي، وإلغاء مصطلح “الأقليات” الذي ملأ كتب القانون والسياسة، ليحل محله مصطلح الإنسانية، وأنه لا مكان على وجه الأرض لمن يقسّم الشعوب إلى أقليات معينة، أيا كان السبب، وأن الأرض ملك للإنسان أيا كان، فالسمو والعلو للقيم الإنسانية، وليس لأي شيء آخر.

حدث يتجدد سنويا:

نظمت وزارة التسامح والتعايش في الإمارات بالتعاون مع اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، المنتدى الدولي للأخوة الإنسانية، ضمن أنشطة مهرجان الأخوة الإنسانية الذي تنظمه الوزارة على مدى 5 أيام احتفاء باليوم العالمي للأخوة الإنسانية الذي أقرته الأمم المتحدة نهاية عام 2020، تحت رعاية ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد، حيث يمثل المنتدى رسالة من الإمارات إلى العالم تفوح بالتسامح الإنساني والتعايش السلمي، المؤسس على مبادئ وثيقة الأخوة الإنسانية.

وانطلق المنتدى عبر الانترنت، وشارك فيه أكثر من 1900 من المسئولين الدوليين والخبراء والأكاديميين من الإمارات والوطن العربي والعالم من المهتمين بقضايا التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية، وجاءت كلمات كل من عضو مجلس الوزراء الإماراتي وزير التسامح الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، ووزيرة التعاون الدولي في الإمارات، ريم بنت إبراهيم الهاشمي، و رئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد للتعايش السلمي، الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة، والدكتور شينج س يو، نائب المدير العام لمنظمة اليونسكو، وغيرهم، داعية إلى اعتبار وثيقة الأخوة الإنسانية دستورا عالميا يستوجب الاحترام والعمل على تنفيذه وإتباع ما ورد به.

ويأتي هذا المنتدى في إطار احتفاء الإمارات بمختلف مؤسساتها وفئاتها وقادتها وشعبها وكافة المقيمين على أرضها باليوم العالمي للأخوة الإنسانية، مؤكدا أن هذا المنتدى ينعقد مستندا إلى رؤية قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، فوثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية تدعو الجميع إلى أن يُلزموا أنفسهم “بالعمل جديًا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورًا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليًا من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي، فضلا عن ذلك فهي تمثل بيانًا لحقيقة مفادها، أن الإمارات تعد واحدة من أكثر الأماكن سلامًا وازدهارًا، حيث يعيش على أرضها مقيمين من خلفيات دينية وثقافية وعرقية مختلفة من حوالي 200 جنسية مختلفة، يتفاعلون ويعملون في سلام ووئام وينعمون بالازدهار.

مصر والإمارات في اتجاه واحد:

تبنت الحكومة المصرية وثيقة الإخوة الإنسانية التى انطلقت من أبو ظبي من أجل تعزيز التعاون الدولي على طريق نبذ التعصب والتصدي لخطاب الكراهية، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للأخوة الإنسانية الذى وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بفضل الجهود المصرية بالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة، واستهدفت مصر من وراء ذلك فتح أبواب الحوار لفهم وتقبل الآخر، مع تعزيز التعاون فى مواجهة الفكر المتطرف ودعاة الإرهاب ونشر قيم التسامح والعدل والمساواة من أجل تحقيق السلام والاستقرار فى ربوع العالم.

وفي هذا السياق، تبذل المؤسسات المصرية المختلفة إلى جانب القيادات الدينية في مصر قصارى جهدها لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان السماوية المختلفة ورفع مستوى الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة، من أجل نشر ثقافة السلام وإعلاء قيم التسامح والتعايش السلمي، ونبذ كافة مظاهر العنف والتطرف التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء سالبة حقهم في الحياة.

ويجب التأكيد على إن المبادرة التى تقدمت بها الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، قد أتت بحلول للكثير من الظواهر السلبية التي تهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي على حد سواء، فهي من ناحية تتصدى لموجات التطرف والتعصب بمظاهره المختلفة، سواء كان مصدرها جماعات متأسلمة أو يمينية متطرفة، والتي تقف وراء خطاب الكراهية وعدم القبول بالآخر، كما أنها من ناحية ثانية تؤسس لثقافة عالمية جديدة تتخذ من الأخوة الإنسانية، ومبادئها القيمية والعملية، التي ترسخ لثقافة السلام والتسامح والتعايش المشترك بين الثقافات والأديان والتضامن مع البشر في أوقات المحن والأزمات، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو معتقدهم، منهجاً في احتواء مصادر التوتر التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.

إن اعتماد الرابع من فبراير يوماً عالمياً للأخوة الإنسانية يعكس التقدير الكبير لدولة الإمارات العربية المتحدة التي قدمت هذه المبادرة إلى الأمم المتحدة بالاشتراك مع مصر والمملكة العربية السعودية والبحرين، وهي المبادرة المأخوذة عن وثيقة الأخوة الإنسانية التي تم توقيعها في أبوظبي في الرابع من فبراير 2019، بين الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وقداسة البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية.

وعلى أية حال، فلابد من بذل المزيد من الجهد، والكفاح، والعمل الدءوب، بهدف عودة الضمير الإنساني بعد غياب طويل، وأن نعترف بالآخر، وأن نكون يداً واحدة لإعلاء القيم الإنسانية، فالشيء المؤكد أن تنفيذ ما جاء في وثيقة الأخوة الإنسانية ليس مسئولية دولة بعينها، أو منظمة بعينها، أو شخص بعينه، بل مسئوليتنا جميعاً، ولعل التاريخ يؤكد لنا أن تقرير المصير لم يكن سهلاً، بل ضحت شعوب عديدة من أجله، حتى نالت الاستقلال، فهل نضحي أيضاً من أجل إخلاء سبيل الإنسانية من سجون الكارهين والحاقدين؟.. وهل آن الأوان لتقرير مصير الإنسانية؟.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى