النموذج الملهم: كيف أثرت وتأثرت الشعوب العربية بتسامح الإمارات؟

التسامح ليس شعاراً، بل هو من أهم القيم التي يجب أن نعتز بها ونمارسها وننسجها في مجتمعاتنا، وقد جاءت الإمارات ضمن صدارة دول العالم في تطبيق التسامح وتحقيق الأمن والأمان لمواطنيها والمقيمين على أراضيها، واحتلت المركز الثالث عالمياً على مؤشر الشعور بالأمن والأمان، بحسب مؤشر جالوب للقانون والنظام لعام 2019، الذي يصنف دول العالم من حيث مستويات الأمن والأمان السائدة فيها، ومدى فعالية تطبيق القانون ومستويات انتشار الجرائم. حيث حصلت وفقاً للمؤشر على 93 نقطة، لتتفوق بذلك على الغالبية العظمى للدول المتطورة في العالم. وتجلى ذلك بعدد من المبادرات التي اتخذتها الحكومة في تدعيم هذا المجال مثل قانون مكافحة التمييز والكراهية عام 2015، واستحداث وزارة للتسامح، وإنشاء مراكز لمحاربة التطرف كالمعهد الدولي للتسامح، ومركز صواب، ومركز هداية لمكافحة التطرف العنيف؛ بهدف تنمية روح الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين جميع سكان الدولة، وبناء جسور التفاهم والتواصل والحوار ونبذ العنف والتمييز والكراهية، وتشجيع الحوار بين الأديان.

ويشار إلى أن عام 2019 حمل عنوان “عام التسامح” في الإمارات ، وتم الاستعداد لاستقبال عام 2020 بعنوان “عام الاستعداد للخمسين”، كما أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. ومن هنا أعلن المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية في دبي، عن إطلاق 10 مبادرات جديدة، ضمن سلسلة من الفعاليات والبرامج المدرجة في خطته الاستراتيجية 2021، الرامية إلى تدعيم قيم ومبادئ التسامح لدى المجتمعات الإنسانية. والأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 داعمه لتعزيز قيمة التسامح في الدولة، عبر إرساء دعائم التواصل بين الجاليات المقيمة، وتكريس نهج العدالة بين الجميع.

– مبادرات شاملة:

أطلقت دولة الإمارات العديد من مبادرات التسامح التي أحدثت تحولاً جذرياً في التعاطي مع مفهوم التسامح، عبر تحويله من أطروحات فكرية إلى مبادرات ومناسبات عظيمة وغير مسبوقة. ومع احتفال العالم باليوم الدولي للتسامح، الذي يصادف 16 نوفمبر من كل عام، نستعرض عددا من هذه المبادرات:

مبادرة وثيقة الأخوة الإنسانية : أهدت أبوظبي في فبراير2019، للعالم وثيقة الأخوة الإنسانية التي شكلت إعلاناً مشتركاً ودليلاً للأجيال القادمة للسلام العالمي، والعيش المشترك بمباركة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية.

مبادرة القداس البابوي في أبوظبي : احتضن إستاد مدينة زايد الرياضية في 5 فبراير2019، قداس بابوي في المنطقة أحياه قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، بمشاركة أكثر من 180 ألف شخص من مختلف أنحاء العالم، وشكل الحدث لحظة مهمة في تاريخ المنطقة والعالم، لما له عظيم الأثر في تعزيز أجواء من التسامح والمحبة والسلام التي تتبناها الإمارات، ليشكل القداس إحدى أبرز المحطات المضيئة في مسار تعزيز التسامح بين الأديان. وألقي الشيخ سيف بن زايد آل نهيان كلمة في اجتماع بالقصر البابوي بالفاتيكان، بحضور دولي كبير من بينهم الملكة سيلفيا ملكة السويد، يؤكد فيها التزام الإمارات ودعم قيادتها الرشيدة للجهود العالمية الخيرة في تعزيز الأخوة الإنسانية والتضامن العالمي.

مبادرة بيت العائلة الإبراهيمية: أعلنت الإمارات في يناير 2021، عن “بيت العائلة الإبراهيمية”، المقرر إقامته في جزيرة السعديات بالعاصمة أبوظبي، الذي سيتم افتتاحه 2022، ويضم كنيسة ومسجداً تحت سقف صرح واحد؛ ليشكل فور افتتاحه رمزا ومعلما دينيا يعكس حالة التعايش السلمي وواقع التآخي الإنساني، الذي تعيشه مختلف الأعراق والجنسيات من العقائد والأديان المتعددة في مجتمع دولة الإمارات.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن تلك المبادرات عززت من مكانة الإمارات، كإحدى أبرز الدول التي حملت رسالة التسامح إلى آفاق رحبة ومناسبات عظيمة ستبقى راسخة في صفحات التاريخ البشري، باعتبارها من أبرز اللحظات التاريخية في مسارات تعزيز قيم التسامح والتعايش المشترك بين شعوب العالم.

 

الانعكاسات على الشعوب:

لاقت مبادرات الإمارات تأييدا وإعجابا عالميا لما لها من تأثير فارق في تصفية الأجواء بين أبناء الأديان المختلفة للوصول إلى عالم أكثر تعايشاً وتقبلاً للآخر. ونسرد بعض الدول الأكثر تأثراً بالإمارات نموذج ملهم للشعوب.

حالة مصر:

تعتبر الحالة المصرية حالة مختلفة من الدول التي تأثرت بوثيقة الأخوة الإنسانية، خاصة وأن مصر لها تجارب موازية في الشأن، منها تجربة بيت العائلة المصرية، وتضمين الدستور المصري المعد بعد ثورة 30 يونيو 2013، نصاً واضحاً على مبدأ المساواة أمام القانون، وقرر بشكل واضح وصريح أن التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون، وأن تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز. وأوضح مفتي الجمهورية أن التسامح الديني والحوار والعيش المشترك بين أتباع الأديان ينبغي أن يكون أساسًا في الانسجام. ومن أهم مبادرات مصر في نشر التسامح إنشاء أكبر مسجد وأكبر كنيسة في العالم بالعاصمة الإدارية الجديدة وألقي خطبة كلاً من ” شيخ الأزهر في كاتدرائية ميلاد السيد المسيح ” و”البابا تواضروس في مسجد الفتاح العليم”.

وتأكيدا لدعم مصر للنموذج الإماراتي، وحرصها الدولتين- مصر والإمارات- على تشبع شعوب العالم من التسامح ونبذ العنف، عقدت مؤسسات رسمية وغير رسمية في البلدين، العديد من الفعاليات التي تنشر هذه المبادئ، كان منها ندوة إماراتية مصرية بعنوان “التسامح فكراً وتطبيقا .. دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً نظمها مركز سلطان بن زايد بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجا يحتذى به في التعايش والتسامح والإخاء الانساني. وشددت على أهمية العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وما تحمله من محبة وآفاق ثقافية عميقة.

دولة المغرب:

على الرغم من أن المغرب أرضاً تعايشت فيها ديانات وثقافات متعددة، كان لليهود نصيب مهم فيها، إلا أن الدستور المغربي لسنة 2011، اعترف بالثقافة العبرية كرافد يغني المكونات الثقافية المغربية المنصهرة. وهذا يعزز اعترافه بالتعدد الثقافي المغربي والذي لا يمكن أن نفصله عن الجذور اليهودية التي استوطنت هذه الجغرافيا منذ مئات السنين. ويعد المغرب بلدا نموذجيا في فن التعايش الثقافي والمعرفي المتوازن بين مختلف الجاليات التي تعيش على أرضه، وهذا ما يؤكده تواجد عدد كبير من الأشخاص من مختلف الجنسيات.

ومن منطلق آخر، فإن فعالية “المغرب في أبوظبي”، ابريل 2019، تسهم في تعزيز روابط الجسور التاريخية بين الإمارات والمغرب، وتعكس قيم البلدين الحضارية والإنسانية، من خلال موروثهما التراثي والثقافي الثري. فالعلاقات الأخوية بين دولة الإمارات والمغرب، تقوم على أهمية تحقيق الأمن والاستقرار والسلام، وتكريس مبادئ التسامح والوسطيَّة والتعايش في العالم أجمع، ونبذ التطرف والتعصب والعنف والإرهاب.

دولة السعودية:

كشفت دراسة أجراها مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ارتفاع معدلات التسامح بين السعوديين، إذ بلغت نسبته الإجمالية نحو 82%، وهو الأمر الذي يتوافق مع المؤشرات العالمية التي بحثت في حالة تماسك المجتمعات. وأظهرت الدراسة أيضا ارتفاعا في معدلات التسامح الديني مع الأقليات، حيث راوحت نتائجه بين 78% إلى 84%، ما يمثل تحولا كبيرا في المجتمع السعودي نحو التسامح والتعايش مع الآخرين. وأوضحت الدراسة أن التجرد من العنصرية بين أوساط السعوديين بلغ نحو 90%، ما انعكس إيجابيا على التعايش والتكامل والتلاحم بين أفراد وطبقات المجتمع، إذ ارتفع مؤشر ذلك إلى نحو 85%. وأوضح المركز أن هذه الدراسة تشير بوضوح إلى أن ارتفاع نسبة التسامح التي تعكس تمسك المجتمع السعودي بقيمه الإنسانية النابعة من جوهر عقيدته السمحة وارتباطه بقيمه الإسلامية.

وفي سياق متصل؛ شاركت السعودية في القمة العالمية للتسامح في دبي التي أقيمت فعاليات دورتها الثانية في فبراير 2019، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً ودعم الحوار البنّاء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب وتمكين الشباب من ممارسة وتبني نهـج التسامح.

دولة الجزائر:

بعد الحراك الذي شهدته الجزائر في فبراير2019 ، والذي مهّد لعهد جديدٍ، وجاء بمشروع مسودة الدستور لجزائري المعدّل في باب الحريات العامة، حيث نصت المادة 51 صراحة على أنه لا مساس بحرمة حرّية المعتقد، وحرية ممارسة العبادة دون تمييز للجميع، وأن الدولة تحمي أماكن العبادة. واعتمدت الجزائر آليات عديدة منها المؤسسات التربوية من خلال إدراج التسامح في المقررات الدراسية لجميع الأطوار، وكذلك وسائل الإعلام العمومية خاصة التلفزيون الجزائري للترويج لهذه القيمة المجتمعية وأخيرا توظيف المساجد من خلال توجيه الخطب الدينية لحث الجزائريين على اعتماد هذه القيمة.

ومن جانب آخر؛ شاركت الجزائر إلى جانب أكثر من 25 دولة عربية وأجنبية مشاركتها في المعرض الافتراضي للمحتوى المعرفي للتسامح الذي تنظمه وزارة التسامح والتعايش الإماراتية، ويركّز على تعزيز قيم التسامح عالميا من خلال تفعيل دور الثقافة والفنون والإبداع العالمي لدعم هذه القيم. وقد حقق أبناء الجزائر إنجازات ملموسة على أرض الإمارات، من خلال حضورهم الكثيف في الفعاليات والمهرجانات المختلفة، مما رسخ امتزاجاً كبيراً بين الثقافة الإماراتية والثقافة الجزائرية.

في النهاية يمكن القول؛ أن التسامح في دولة الإمارات أمر بديهي مستقر في الأذهان وغير مستغرب بل هو نهج أصيل وسمة للإمارات قيادة وشعبا. ومثلت الدولة الحاضنة والنموذج المُلهم لقيم التسامح والسلم والتعددية الثقافية، وكفلت قوانينها للجميع الاحترام والتقدير، وجرمت الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، كما أنها تعد شريكًا أساسيًا في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز.

 

هند عثمان

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية_ جامعة القاهرة ،ماجستير علوم سياسية .كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ،باحثة دكتوراه علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،باحث مشارك في العديد من المراكز العربية والدولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى