سياسات استباقية: كيف تعزز الرقمنة النمو الاقتصادي وسوق العمل في أفريقيا؟

يعتبر مصطلح الاقتصاد الرقمى من المصطلحات الحديثة نسبياً، حيث نشأ فى أواخر القرن العشرين وبالتحديد فترة التسعينيات منه، تزامناً مع ظهور الانترنت وتوسع استخداماته فى العديد من المجالات. وتتعدد تعريفات الاقتصاد الرقمى بشكل كبير، وان كان من أهم تلك التعريفات هو أن الاقتصاد الرقمى هو الاقتصاد القائم على استخدام شبكات الانترنت والمعلومات الرقمية، أى أنه التفاعل والتنسيق المستمر بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من جهة ، وبين الاقتصاد القومى القطاعى والدولى من جهة أخرى بما يحقق الشفافية والفورية فى جميع المؤشرات الاقتصادية المساندة لاتخاذ القرارات الاقتصادية المختلفة. ويقدر حجم الاقتصاد الرقمي العالمي بنحو 11.5 تريليون دولار بما يعادل 15.5% من حجم الناتج الإجمالي العالمي لعام 2018، ومن المتوقع أن يصل الي 25% خلال العشر سنوات المقبلة وفقًا لتقديرات البنك الدولي في أبريل 2019.

اتجاه إجباري:

ولا شك أن التحول الاقتصادى الرقمي فى أفريقيا يعتبر من أهم محفزات النمو الاقتصادي، وبناء اقتصاديات تنافسية ومتنوعة، وإقامة مجتمعات حديثة داعمة للمعرفة والابتكار وجاذبة للاستثمار. كما أن التحول الرقمي لا يقتصر فقط على استبدال الوسائل التقليدية والورقية في التعاملات بين الحكومة والمواطن بالوسائل الإلكترونية، وإنما يتعدى ذلك للتعاملات التجارية والمالية والإدراية بين الدول والمؤسسات والمستثمرين، بما يحقق الشفافية وتخطي مراحل الاستثمار بشكل أكبر إنجازًا للوقت، وأيضا بما يعمل على مكافحة البيروقراطية والفساد، ليخدم الهدف الأعم وهو الارتقاء بالاقتصاد الأفريقى.

كما يضمن التحول الرقمي ربط أوصال الدولة الواحدة داخليا وأيضا على مستوى القارة، بما يعمل على إيجاد مؤسسات مشتركة ومترابطة لتحقيق التكامل الاقتصادي خاصة بعد دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية حيز النفاذ واحتياج المنطقة الى تفعيل سبل التجارة الاليكترونية. كما تظهر الرقمنة بشكل واضح فى مجال القطاع المالى والمصرفى التكنولوجيا المالية “Financial Technology” عنصر هام فى تطوير القطاع وسهولة انتقال رؤوس الأموال من وإلى القارة الأفريقية في مجالات الاستثمار العديدة على صعيد آخر، فإن إحدى الفرص التي يقدمها الاقتصاد الرقمي هي تفعيل سياسة الشمول المالي، التي تهدف إلى زيادة قدرة القطاع المالي على جذب وتعبئة المدخرات، وتقديم الخدمات المالية والتمويلية لمختلف شرائح المجتمع، وتطوير تطبيقات التكنولوجيا المالية، بما يساعد على تمويل الاحتياجات الاستهلاكية والاستثمارية وتحفيز النمو الاقتصادي. وكذلك يلعب الشمول المالي دورًا مهمًّا في تخفيف حدة الدورات الاقتصادية من خلال زيادة فرص النفاذ للتمويل والخدمات المصرفية.أى يمكن القول بأن التحول الرقمي يخلق فرصا غير مسبوقة لأفريقيا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى اطار سعيها نحو تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2063، والتي ترتكز على تطوير بنية تحتية رقمية متكاملة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمكن من خلالها اتاحة خدمات الاتصالات والإنترنت، وتقديم خدمات رقمية للمواطنين في كافة أنحاء القارة؛ بالإضافة إلى بناء قدرات أبناء القارة، وبناء تطبيقات وحلول مبتكرة تعتمد على التكنولوجيات المتقدمة ومنها انترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات.

الفرصة المتاحة:

وبشكل كبير يعتمد الاقتصاد الرقمي في إفريقيا بشكل أساسي على سوق الهاتف المحمول واستخدام شبكات الانترنت ،حيث يتمتع سوق الهاتف المحمول في إفريقيا بإمكانيات هائلة للنمو ويحتل المرتبة الثانية بعد سوق منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فنحو ما يقرب من 772 مليون شخص لديهم اشتراك في الهواتف المحمولة فى أفريقيا فى عام 2016 وتطور العدد الى 790 مليون عام 2019، وهو ما يمثل 12 ٪ من إجمالي المشتركين في العالم . وتمتلك إفريقيا أسرع أسواق الهواتف المحمولة نموًا في العالم. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع المنطقة بأسرع نظام بيئي ناشئ للتكنولوجيا، والذي يلعب دوراً متزايد الأهمية في تطوير المحتوى والخدمات الرقمية. ويسهم قطاع الاتالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة كبيرة نسبيا من الناتج الاجمالى للقارة الأفريقية اذ تصل مساهمته فى المتوسط نحو 7,5% من الناتج الاجمالى للقارة لعام 2018 ، وهو أعلى المعدلات فى العالم.

نسبة مساهمة قطاع الاتصالات والهواتف المحمولة فى فى الناتج المحلى الاجمالى لعام 2019

وأهم الدول من حيث انتشار الهواتف المحمولة والاقتصاد الرقمي بشكل عام هي: نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا وإثيوبيا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ بالإضافة إلى مالي وغامبيا والجابون وبوتسوانا . ويشير الباحثون في مؤشر التطور الرقمي إلى أن البلدان الإفريقية لديها “نسبة متزايدة بسرعة” من الأشخاص الذين لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، ومعدلات انتشار عالية للهواتف المحمولة وشبكة اتصالات متطورة. ففى نيجيريا تصل نسبة مستخدمى الهواتف المحمولة وشبكات الانترنت نحو 8,48% من اجمالى السكان، ساهمت بنحو 8.3 مليار دولار أمريكي فى حجم الناتح المحلى النيجيرى ، وهو ما يمثل 1.4 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018. كذلك الحال فى كينيا التى تعد أحد الدول الرائدة فى مجال تحويل الأموال من خلال الهواتف المحمولة، وذلك بالاعتماد على منصة “إم –بيسا” M-PESA، التى بدأت هناك فى عام 2007، ويستخدمها حاليا أكثر من 17 مليون شخص لكل المعاملات النقدية فى حياتهم.

تحركات جادة:

كما بدأت العديد من الدول بالفعل مسيرة الاقتصاد الرقمي. حيث قامت مصر بعدة خطوات بارزة فى مجال التحول إلى الاقتصاد الرقمي، أبرزها إجراء إصلاحات هيكلية تضمنت (إنشاء المجلس القومي للمدفوعات، وإنشاء المجلس الأعلى للتحول الرقمي)، فضلاً عن إطلاق مصر الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية في 2017، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ” الانكتاد”, وذلك في إطار تشجيع التجارة الإلكترونية، وكذلك تدشين مشروع البنية المعلوماتية المصرية لربط أكثر من 70 قاعدة بيانات حكومية ببعضها. كما وضعت السنغال هدفا يتمثل في حصد 10% من إجمالي الناتج المحلي من الاقتصاد الرقمي بحلول عام 2025. وأطلقت رواندا الجيل الرابع والربط بالألياف لتوفير خدمات الحكومة الإلكترونية وغيرها في مختلف أنحاء البلاد.

وإن كان تطبيق الاقتصاد الرقمى فى أفريقيا يحقق العديد من الفرص الداعمة لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، إلا أن تطبيقه ينتابه العديد من التحديات أهمها: ارتفاع التكلفة وصعوبة التطبيق الناحية التقنية، فتطوير المنصات وتغيير الهيكل التنظيمى فى المؤسسة وإنشاء منظومة عمل مع الشركاء، هى عمليات تحتاج إلى الكثير من الوقت والموارد والأموال فضلا غن الحاجة إلى رفع وعى المواطنين ن كيفية استخدام السبل التكنولوجية الحديثة فى المعاملات والأنشطة الاقتصادية خاصة فى ظل ازدياد مشكلة الأمية فى أفريقيا إلى الحد الذى يمثل عقبة أمام انتشار وتعميم تلك الثقافة الحديثة. فضلا عن عدم وجود بنية تحتية داعمة لهذا النوع من الاقتصاد فى العديد من الدو الأفريقية .

وعلى الحكومات الإفريقية المُضِيّ قُدُمًا في تحرير قطاعات الاتصالات بها، وتشجيع المنافسة لتعزيز الاستثمار الخاص في البنية الأساسية التي يمكن التشارك فيها مِن قِبَل مزوّدي الخدمة. كما ينبغي إرساء الركائز الخمس للاقتصاد الرقمي وهي: البنية التحتية الرقمية، والتعليم والمهارات، والخدمات المالية، والبرامج، وريادة الأعمال والابتكار في مجال التكنولوجيا الرقمية..

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى