دلالات ارتفاع الاحتياطى النقدى الأجنبي في مصر

أعلن البنك المركزي المصريعن ارتفاع صافي الاحتياطي النقديالأجنبي بنهاية مارس الماضي، حيث تتكون العملات الأجنبية بالأحتياطي الأجنبي لمصر من سلة العملات الدولية الرئيسية، وهي الدولار الأمريكي، و اليورو، والجنيه الاسترليني والين الياباني واليوان الصيني، وقد تأثر الاحتياطي النقدي الأجنبي من هذه العملات في مصر بسبب تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية التي أثرت علي العالم أجمع، ولكن انعكست السياسات المصرية المحفزة للاستثمار وجذب السياحة علي ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي، حيث أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي لدي الدولة يعطي قوة للدولة علي القيام بالمدفوعات الدولية وأخذ الحذر من أي مخاطر بأسعار الصرف، كما يساعد علي الحد من الضعف الخارجي من خلال الحفاظ سيولة العملات الأجنبية لامتصاص الصدمات خلال فترات الأزمات الداخلية والخارجية، مما يعمل علي دعم الاقتصاد القومي بشكل كبير.

لذلك في ضوء ما سبق يهدف هذا التحليل إلي التعرف علي دلالات ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وما هي انعكاسات ارتفاع هذا الاحتياطي علي الاقتصاد القومي.

نظره عامة:

(*) تأثرت صافي الاحتياطيات الأجنبية بشكل كبير نتيجة الأزمة الروسية الأوكرانية حيث تراجع من مستوي 41 مليار دولار في نهاية فبراير 2022، إلي 33.2 مليار دولار في نهاية يوليو الماضي، وكان ذلك بسبب خروج بعض الاستثمارات غير المباشرة من السوق الاقتصادي المصري ننتيجة تأثير الأزمات الخارجية، بالإضافة إلي ارتفاع أسعار السلع عالميًا التي نتج عنها ارتفاع تكلفة الاستيراد، ولكن بدأ الاحتياطي النقدي الأجنبي يرتفع للشهر السادس علي التوالي، فقد ارتفع بقيمة 95 مليون دولار بنهاية مارس الماضي أي ارتفع إلي نحو 34.447 مليار دولار مقابل نحو 34.352مليار دولار بنهاية فبراير 2023 و 34.224 مليار دولار بنهاية يناير 2023، كما سجل الاحتياطي في مصر ارتفاعًا بنحو 470 مليون دولار خلال شهر ديسمبر 2022 ليسجل نحو 34 مليار دولار، مقابل 33.53مليار دولار بنهاية شهر نوفمبر 2022، مما يدل علي مدي اهتمام الدولة في الفترة الأخيرة بزيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي بمكوناته المختلفة، فقراءة لمؤشرات الشكل رقم (1) يتضح لنا أن مصر حققت زيادة متوالية في الاحتياطي النقدي الأجنبي بها، حيث ارتفع في مارس عن معدله في يناير بمقدار 22.3 %.

الشكل رقم (1) يوضح الاحتياطي النقدي الأجنبي في نهاية يناير 2023

المصدر : https://www.firstbankeg.com/11685

دلالات هامة:

هناك ثمة مؤشرات عملت علي زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي داخل مصر، حيث أن هذه المؤشرات كان لها عامل رئيسي في ارتفاع الاحتياطي الأجنبي بشكل كبير وتخطي الأزمات التي أثرت علي الاقتصاد المصري في الفترة الأخيرة ومن هذه المؤشرات:

(&) ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر داخل مصر: ارتفع صافي الاستثمارات الأجنبية  المباشرة داخل مصر بنسبة 94 % خلال الربع الثالث من 2022 ، حيث ارتفعت إلي 3.3 مليار دولار بالمقارنة ب 1.7مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي وقد كان هذا الارتفاع علي النحو التالي:

(-) تصاعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة من القطاعات غير البترولية، حيث سجلت صافي دخل للداخل بنحو 3.6 مليار دولار بالمقارنة بنحو 2.2 مليار دولار، وكان هذا كنتيجة أساسية لارتفاع كل من حصيلة بيع شركات وأصول إنتاجية لغير مقيمين لتسجل نحو 1 مليار دولار بالمقارنة بـ 56.7 مليون دولار، وزيادة الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات جديدة أو زيادة رؤوس اموال شركات قائمة لتسجل نحو 1 مليار دولار مقابل 464.7 مليون دولار، وكما استقرت صافي الأرباح عند 1.4 مليار دولار.

(-) ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع البترول، فقد ارتفع إجمالي التدفق للداخل، الذي يمثل استثمارات جديدة لشركات بترول أجنبية حيث سجل نحو 1.4 مليار دولار مقابل نحو 1.2 مليار دولار، فإن ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذا القطاع يعكس مدي ثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد المصري والسياسات التي يتم تبنيها داخل الدولة المصرية .

تدعيمًا لذلك القول، ارتفعت حجم الاستثمارات اليابانية داخل مصر كما يوضح الشكل رقم (2) حيث ارتفعت من 37.1 مليون دولار خلال عام 2021 إلى 73.7 مليون دولار خلال 2022، مما يعكس ثقة الشركات اليابانية في الاقتصاد المصري، كما جاء على خلفية زيارة رئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا لمصر خلال الفترة من 29 أبريل الماضي إلي الأول من مايو الجاري، توقيع حزمة تمويلية لدعم تطوير وسائل النقل بقيمة 734 مليون دولار أو 100 مليار ين ياباني لتمويل توسعة مترو القاهرة مما سيساهم في ربط مدينة 6 أكتوبر والمنطقة الأثرية بالهرم.  بالإضافة إلي زيادة حجم التبادل التجاري بين مصر واليابان الذي بلغ حوالي 1.025 مليار دولار خلال العام المالي 2022، حيث قدر حجم التبادل خلال الربع الأول من عام 2022 حوالي 164مليون دولار، فتوسيع العلاقات المصرية اليابانية سيعمل علي تدفق المزيد من العملات الأجنبية داخل مصر.

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء

(&) ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج: أدي حدوث طفرة كبيرة في عائدات المصريين بالخارج ، إلي زيادة الاحتياطي الأجنبي المصري، فقد ارتفعت من 25.2 مليار دولار خلال عام 2019 إلي 31.9 مليار دولار خلال عام 2022  كما نلاحظ من الشكل رقم 3، أي ارتفعت بمقدار 25.4 %، مما يدل علي أن تحويلات المصريين بالخارج لها دور كبير في دعم الاقتصاد المصري، لما لها من دور كبير في توفير النقد الأجنبي داخل مصر ، مما يوضح الدور الوطني الذي يقوم به المصريين في الخارج.

المصدر: تقرير الاستقرار المالي لعام 2021

(&) الارتفاع الملحوظ في الصادرات: بلغت قيمة الصادرات من الغاز الطبيعي والمسال 885.6 مليون دولار في يناير 2023 مقابل 844.8 مليون دولار في يناير 2022، بنسبة ارتفاع قدرها 4.8 %،فقد تمكن الاقتصاد المصري من زيادة صادراته من الغاز الطبيعي التي بدأت من الربع الرابع في عام 2021، للاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية للغاز مما حقق فائض في الميزان التجاري، وارتفعت الصادرات من الفواكه الطازجة من 188.7 مليون دولار في يناير 2022 إلي 206.9 مليون دولار في يناير 2023 بنسبة ارتفاع قدرها 9.6، كما بلغت قيمة الصادرات من الأسمدة 203.6مليون دولار في يناير 2023 مقابل 165.6 مليون دولار في يناير 2022 بنسبة ارتفاع قدرها 23 %، وارتفعت الصادرات من العجائن والمحضرات الغذائية بنسبة 39.9 % ، كما ارتفعت الصادرات من القضبان والعيدان والأسلاك من الحديد بنسبة ارتفاع قدرها 205.9 %، مما يدل علي الارتفاع الشديد في صادرات هذه السلعة ، وقد ارتفعت الصادرات من البطاطس بحوالي 31.5 %، وارتفعت الصادرات من الأدوية و محضرات الصيدلية بنسبة ارتفاع قدرها 51.7 %، وقد ارتفعت الصادرات من البصل الطازج بشكل كبير حيث ارتفعت بنسبة 208.5 %، و كان أعلي نسبة ارتفاع في صادرات البصل بقدر كبير جدا، وكانت أقل نسبة ارتفاع في الصادرات من اللدائن حيث ارتفعت بنسبة 2.9 %، وأخيرًا ارتفعت الصادرات من الصودا الكاوية بنسبة ارتفاع قدرها 65.3 %، وتدل هذه الأرقام والنسب أن سياسة التوسع في الصادرات انعكست بشكل كبير علي زيادة الأحتياطي النقدي الأجنبي في مصر مخالفًا تأثير الأزمات العالمية التي انعكست علي اقتصاديات العديد من الدول الأخري.

المصدر: النشرة الشهرية لبيانات التجارة الخارجية ، الجهاز المركزي للتعبئة والأحصاء

(&) انتعاش قطاع السياحة: حيث استقبلت مصر خلال عام 2023 حوالي 15 مليون سائح ، مقابل 11.7 مليون سائح استقبلتهم في العام الماضي، أي زادت بنسة نمو 28 % ، حيث أن هناك إقبالأً علي السياحة المصرية نظرًا لتوقيع شركة السياحة المصرية العديد من الاتفاقيات والتعاقدات مع نظرائها في العديد من الدول حول العالم،  كما جاءت توقعات فيتش متفائلة حول مستقبل السياحة في مصر كما يتضح من الشكل رقم (4)، حيث تتوقع أن مصر ستستقبل المزيد من أعداد السائحين خلال المدي المتوسط ، كما فاقت تقديرات عدد السائحين في مصر هذه التوقعات ، فقد كانت التوقعات أن تستقبل مصر 11.6 مليون سائح ولكن مصر استقبلت بداية عام 2023 حوالي 15 مليون سائح،  مع زيادة التوقعات ايضًا إن مصر ستستقبل حتي عام 2026 حوالي 52 مليون سائح ، وهذا يدل علي أن انتعاش قطاع السياجة  ساهم بشكل رئيسي في زيادة مصادر النقد الأجنبي ومن ثم ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية داخل الدولة .

الشكل رقم (4) يوضح عدد السائحين في مصر

إنعكاسات اقتصادية:

يترتب علي ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي لدي الدولة ، مجموعة من الانعكاسات الإيجابية التي تعود بالنفع علي الاقتصاد القومي، فمن هذه الانعكاسات:

(*) زيادة قدرة الدولة علي الوفاء بالتزامتها الخارجية: نظرًا لأن الديون الخارجية مقومة بالدولار ، فإن زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي من العملات الأجنبية يزيد من قدرة الدولة علي سداد مدفوعات الديون ، مما يرفع من التصنيف الائتماني لمصر بين الدول الأخرى،  ويزيد قدرتها في الحصول علي مدفوعات أخري لتمويل عمليات التنمية الاقتصادية.

(*) تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية: حيث أن زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي داخل الدولة يعتبر مؤشر أن الدولة تسير علي الطريق الصحيح، ودليل علي أن الدولة تتبع سياسات اقتصادية مرنة ومحققة لنمو القطاعات الاقتصادية،  كما أنها ترفع ثقة المستثمر الأجنبي لزيادة استثماراته في مصر،فالاحتياطي النقدي ضمان ثقة لأي دولة أجنبية بأن الدولة قادرة علي إقامة المشروعات .

(*) زيادة مرونة القطاع المصرفي:  تعمل زيادة الاحتياطيات الدولية داخل الدولة علي زيادة قوة القطاع المصرفي، وجعله أكثر مرونة في التعامل مع الأزمات الخارجية خاصة أسعار صرف العملة وأسعار الفائدة ، حيث نلاحظ من الشكل رقم (5) أن متوسط نسبة السيولة بالعملة الأجنبية ارتفع في يونيو 2022 إلي 78.4% بالمقارنة ب 73.2 % في 2021 ، هذا بالتوازي مع تخفيض نسبة القروض إلي الودائع بالعملة الأجنبية إلي 66.8 % في يونيو 2022 بالمقارنة ب 68.8 % في يوينو 2021، مما تسبب في زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي داخل القطاع المصرفي المصري بفضل السياسات الرشيدة لإدارة النقد الأجنبي.

الشكل رقم (5) يوضح مؤشرات سيولة القطاع المصرفي بالعملة الأجنبية

المصدر: تقرير الاستقرار المالي لعام 2021

(*) تحقيق الاستقرار الاقتصادي: حيث إن زيادة الاحتياطي الأجنبي داخل الدولة يزيد من تحقيق الاستقرار الاقتصادي، تحديدًا استقرار المستوي العام للأسعار، بالأخص إذا تم استغلال الأحتياطي النقدي الأجنبيالأستغلال الأمثل من أجل زيادة معدل النمو الاقتصادي وتحقيق التنويع الاقتصادي.

(*) استقرار سعر صرف العملة: إن زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي داخل الدولة يعزز من استقرار سعر صرف العملة ، ودعم الثقة في العملة الوطنية، حيث تعتمد السلطات النقدية علي الاحتياطي النقدي كأداة من أدوات السياسة النقدية للتأثير علي قيمة العملة المحلية، وكان محدد أساسي للتحول نحو سعر الصرف المرن.

ختامًا، يتضح لنا أن ارتفاع الأحتياطي الأجنبي داخل مصر جاء نتيجة لصعود مجموعة من المؤشرات الاقتصادية بشكل كبير داخل مصر، التي ارتفعت بسبب الإجراءات والسياسات التي تتخذها الدولة لتنشيط مجموعة من القطاعات التي تعتبر مصدر أساسي للنقد الأجنبي مثل قطاع الاستثمار وقطاع السياحة وقطاع التجارة الخارجية ، نظرًا لان الاهتمام بقطاعات الاقتصاد التي تجذب النقد الأجنبي يعد ضرورة هامة لإعطاء الاقتصاد مرونة أكثر في التعامل مع الأزمات الأقتصادية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رضوى محمد سعيد

رئيس برنامج الدراسات المصرفية بالمركز، والمشرف على برنامج دراسات السياسات العامة. الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى