من منطلق الدولة المسئولة: كيف تعاملت مصر مع إدارة الأزمة الليبية في مراحلها المختلفة؟

تمثل ليبيا أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة لمصر، فرضتها محددات التاريخ المشترك والتي تعود إلى عام 880 قبل الميلاد عندما حكمت الأسرة 23 من الملوك “المشواش” الليبين مصر، ويضاف لذلك الحدود الجغرافية الطويلة التي تربط الدولتين والتي تزيد عن الـ 1000 كيلومتر، فضلاً عن أواصر النسب والمصاهرة التي تجمع مواطني الجارتين، وهو ما أدى إلى إهتمام كبير من قبل الدولة المصرية بالشأن الليبي بإعتباره جزءاً رئيسياً من أمنها القومي، ولعل هذا ما برز بوضوح في مرحلة ما بعد عهد القذافي، حيث بذلت الدولة المصرية – ولا تزال- الكثير من الجهود لحلحة الأزمة بين الأطراف الليبية المتنازعة خلال السنوات العشر الماضية، بيد أن ما يميز الدور المصري في ليبيا عن بقية الفواعل الدولية والإقليمية المنخرطة في هذا الملف، هو رغبة القاهرة الواضحة في إنهاء الأزمة الليبية والتوصل إلى تسوية تحقق وحدة وسلامة الدولة الليبية بعيداً عن أي أطماع جيسوساسية أو إقتصادية تمثل الدوافع الرئيسية وراء تغلغل الكثير من القوى الخارجية الأخرى في ليبيا؛ فضمان أمن ووحدة الدولة الليبية يمثل جزءً رئيسياً من الأمن القومي المصري.

رؤية مصرية ثابتة:    

بعد عشر سنوات من قرار مجلس الأمن رقم 1973 والخاص بقيام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا بعمليات عسكرية في ليبيا، فقد أثبتت الأحداث التي مرت بها ليبيا خلال هذه السنوات عن موقف مصر الرشيد عندما رفضت المشاركة في هذه العمليات والتحذير من التداعيات الخطيرة التي سيفرزها التدخل الخارجي في ليبيا، وعلى الرغم من ذلك استمرت مصر في بذل الجهود على المستوى الإقليمي والدولي لضمان تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا.

وعلى الرغم من الأوضاع التي شهدتها مصر في السنوات الأول من العقد الماضي، بيد أن الملف الليبي ظل على أولويات الأجندة المصرية، حيث عملت الدبلوماسية المصرية على الإنخراط المستمر في جهود تسوية الأزمة الليبية والتصدي لمخاطر تحول ليبيا إلى بؤرة جديدة خصبة تنطلق منها الجماعات الإرهابية المختلفة في شمال إفريقيا.

وخلال السنوات العشر الماضية حافظت مصر على ثوابت واضحة تحكم رؤيتها للملف الليبي، وتبقى هذه الثوابت أحد أهم المحددات التي تميز الدور المصري في ليبيا، فالرؤية المصرية لم تتغير كمثيلاتها من القوى الدولية والإقليمية التي تأرجحت مواقفها تجاه الملف الليبي بناء على استراتيجية برجماتية تخدم مصالحها الشخصية فقط دون أي إعتبار لحقوق الشعب الليبي أو ضمان حماية وحدة الدولة الليبية واستقرارها.

وقد أعتمدت الرؤية المصرية على مجموعة من الثوابت تجاه تعاملها مع الملف الليبي، والمستقاة من المبادئ العامة التي تتبناها الدولة المصرية في علاقتها الخارجية بشكل عام، فقد بقي الطرح الخاص بتقسيم ليبيا – أو على أقل تقدير تبني فكرة الفيدرالية- أحد أبرز المسارات التي رفضتها مصر بشكل قاطع، على الرغم من أن هذا الطرح بدا أكثر ترجيحاً في بعض الأحيان لدى العديد من القوى الخارجية الفاعلة في الملف الليبي كونه السيناريو الذي كان يضمن مصالح هذه القوى المختلفة في ليبيا، بيد أنه بالطبع لم يكن يصب في صالح الشعب الليبي واستقرار المنطقة ككل؛ وهو ما جعل الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة تواجه بحزم احتمالات تحقيق هذا السيناريو. ويرتبط بذلك أيضاً، الدعم المصري الواضح لتعزيز فعالية المؤسسات الليبية الشرعية؛ ولعل هذا ما يفسر الموقف المصري الداعم للمؤسسة التشريعية الليبية متمثلة في البرلمان الليبي والمؤسسة العسكرية الليبية.

كما عمدت مصر للحيلولة دون استمرارية الإنقسام داخل هياكل هذه المؤسسات، ومن ثم العمل على ترسيخ مؤسسات ليبية موحدة قادرة على القيام بأدوارها المنوطة بها تجاه الشعب الليبي، وهو ما تعكسه الإجتماعات التي تستضيفها مصر – بشكل مستمر- بشأن توحيد المؤسسة العكسرية الليبية في إطار مسارات الأمم المتحدة لتسوية الملف الليبي، فضلاً عن مشاركة مصر الفاعلة في إطار توحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية والتي كانت آخر اجتماعاتها في جنيف في ديسمبر 2020.

أيضأ، في ظل الخبرات المصرية الواسعة في مكافحة الجماعات والتنظيمات الإرهابية، عمدت مصر – عبر العديد من الآليات- للحد من استغلال التنظيمات الارهابية لحالة السيولة الأمنية الراهنة في ليبيا لتحويلها لبؤرة جديدة تنطلق منها العمليات الإرهابية في المنطقة؛ ولعل هذا ما يفسر الضربات الجوية التي قامت بها الدولة المصرية لإستهداف معاقل داعش في ليبيا، فضلاً عن التعاون المصري مع القوى الدولية في مكافحة هذه الجماعات، وكذلك الدعم المصري للجيش الليبي في حربه ضد التنظيمات الإرهابية في ليبيا.

ويرتبط بذلك أيضاً، تركيز مصر على أهمية إخراج القوى المختلفة التي تغلغلت في ليبيا وباتت محدداً رئيسياً في استمرار الصراع بين الأطراف الوطنية الليبية، في ظل مصالح عدة قوى خارجية في استمرار الوضع الراهن بما في ذلك حالة الاستقطاب والإنقسامات الحادة بين الفصائل الليبية المختلفة، ومن ثم يمثل ملف اخراج مجموعات المرتزقة التي باتت ليبيا تعج بهم، فضلاً عن تحييد دور القوى الخارجية التي تعرقل مسار التسوية للأزمة الليبية أحد أبرز القضايا التي تهتم بها مصر في الملف الليبي.

تحركات متعدد:

تكثفت جهود الوساطة المصرية منذ 2014 لمحاولة تسوية النزاعات القائمة بين الأطراف الليبية؛ ففي يوليو 2016 استضافت القاهرة سلسلة من الاجتماعات بين القوى الليبية المختلفة وتم خلال هذه الاجتماعات مناقشة مخرجات اتفاقية الصخيرات الموقعة في ديسمبر 2015 برعاية الأمم المتحدة، والعملَ على تطبيقها بشكل توافقي. واستمرت القاهرة في السنوات التالية في استضافة العديد من اللقاءات بين الأطراف الليبية وكذلك الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف الليبي لمحاولة التوصل إلى تسوية للأزمة، فضلاً عن استضافتها لاجتماعات لجنة 5+5 والتي تستهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية، وقد نجحت الجهود المصرية في هذا الشأن في وصول هذه اللجنة في أكتوبر 2020 إلى إتفاق مستدام بشأن وفق إطلاق النار في ليبيا.

وعلى المستوى الإقليمي، ساهمت الدولة المصرية بشكل واضح في محاولة التنسيق مع القوى الإقليمية لتحقيق تسوية شاملة للملف الليبي، ولعل هذه الجهود المصرية برزت بشكل واضح خلال الإجتماعات المتكررة لدول الجوار الليبي، فضلاً عن النقاشات المستمرة مع القوى الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي، وهو ما يعكس بوضوح أن الهدف الرئيسي لمصر هو تحقيق التسوية للملف الليبي وليس الإنخراط المنفرد في ليبيا لتحقيق الأمن المصري فحسب، على الرغم من أهمية ومشروعية هذا الأمر.

أما دوليا، فقد ظلت مصر حاضرة بقوة في كافة المحافل والمبادرات والمؤتمرات الدولية الرامية إلى تحقيق تسوية للملف الليبي، بداية من اجتماعات الأمم المتحدة وبعثتها الدبلوماسية في ليبيا، مروراً بلقاءات باريس في 2018 والتي استهدفت رأب الصدع بين الأطراف الليبية المنقسمة، وهو الأمر ذاته بالنسبة لمؤتمر باليرمو الإيطالية في نوفمبر 2018.

وفي يناير 2020، حضر الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤتمر بيرلين حول ليبيا بمشاركة القوة الدولية والإقليمية الفاعلة وذلك تلبية لدعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وقد استهدف المؤتمر التوصل لوقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء القتال الدائر في ليبيا وإطلاق عملية سياسية تحت رعاية الأمم المتحدة تفضي إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وتشكيل حكومة موحدة.

إعلان القاهرة وحلحلة الأزمة:

في ظل تدهور الأوضاع في الداخل الليبي وتصاعد احتمالات اندلاع حرباً أهلية واسعة، أعلنت مصر في يونيو 2020 مبادرة ليبية – ليبية لحل الأزمة الليبية تحت مسمى “إعلان القاهرة”؛ وقد تضمنت الإعلان عن احترام كافة المبادرات والقرارات الدولية بشأن وحدة ليبيا، وقد حذر خلالها الرئيس “عبد الفتاح السيسي” من التمسك بالخيار العسكري في حلحلة الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن أمن مصر من أمن واستقرار ليبيا، ودعا الرئيس السيسي كافة الأطراف الليبية إلى وقف إطلاق النار، وقد رسم هذا الإعلان الخط الأحمر سرت-الجفرة، والذي بات حتى الآن هو خط وقف إطلاق النار بين الأطراف الليبية.

وقد أصبح إعلان القاهرة هو المرجعية للحل السياسي في ليبيا إضافة إلى إتفاقية الصخيرات ومخرجات مؤتمر بيرلين، وقد وضع هذا الإعلان نهايةً للعمليات العسكرية التي تقودها تركيا للسيطرة على منطقة الهلال النفطي في وسط ليبيا، كما مهد هذا الإعلان لإنطلاق عمليات التسوية السياسية والعسكرية والإقتصادية في ليبيا، والتي بدأت في الفترة الأخيرة في احراز بعض التقدم في محاولة التوصل إلى تفاهمات واتفاقات على المسارات المختلفة.

وقد عكست تصريحات المبعوثة الأممية لدى ليبيا “ستيفاني وليامز” خلال الأيام الأخيرة إشادة واضحة بالجهود المصرية لحلحلة الأزمة الليبية وحرص القيادة المصرية على استقرار ليبيا، مشيرة إلى الدور المصري في رعاية المسار الدستوري عبر اجتماعات وفدي البرلمان ومجلس الدولة في الغردقة والذي نجح في الاتفاق على الترتيبات الدستورية في المرحلة القادمة، فضلاً عن رعاية الدولة المصرية للمسار العسكري عبر اجتماعات لجنة 5+5 والتي نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار فضلاً عن تحقيقها لإختراقات في ملفات هامة منها التوصل لإتفاق بشأن فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب، وكذلك ملف تبادل الأسرى.

استراتيجة فعالة:

كعادة الدولة المصرية عبر التاريخ، والتي فُرض عليها أن تكون صاحبة الدور القيادي في المنطقة، فإن إنخراطها في الملف الليبي يتسق مع المسئولية القومية تجاه اشقائها، وليس من فقط بالشكل الذي يراعي مصالحها، وقد أنعكست الرؤية المصرية الثابثة والمتزنة في التعامل مع الملف الليبي في تحقيق مستوى مرتفع من القبول للدور المصري على المستوى المحلي في الداخل الليبي، وكذا على مستوى الفواعل الدولية والإقليمية، فقد باتت مصر هي الطرف الأكثر قبولاً وموثقية لدى كافة الأطراف في الداخل الليبي، بما في ذلك الغرب الليبي، وهو ما عكسته الزيارة الأخيرة التي قام الوفد المصري لطرابلس في ديسمبر 2020، والتي لقيت قبولاً واسعاً من قبل قوى غرب ليبيا، فقد مثلت هذه الزيارة نجاحا دبلوماسياً جديداً من قبل الدولة المصرية ومؤسساتها، وقد أشار التقرير الذي نشره موقع “المونيتور” الأمريكي لمحلل الشؤون الخارجية التركية “فهيم تستكين” أن زيارة الوفد المصري إلى طرابلس مثلت نجاحًا حققه الجانب المصري؛ وذلك من خلال إقامة علاقات مع حكومة طرابلس دون قطع علاقاتها مع بقية الأطراف في ليبيا، ومن ثم عززت مصر اتصالاتها مع كافة الأطراف في ليبيا.

وكذلك الحال بالنسبة للفواعل الدولية والإقليمية، فقد باتت الرؤية المصرية في إدارة الأزمة الليبية هي الأكثر قبولاً لدى الأطراف التي تسعى إلى تحقيق التسوية للأزمة الليبية، بإعتبار أن هذه الرؤية تحاول الحفاظ على حقوق الشعب الليبي وضمان وحدة واستقرار الدولة الليبية، وفي نفس الوقت تسعى إلى إنخراط كافة الأطراف الداخلية فضلاً عن ضمان المصالح المشروعة للأطراف المختلفة.

أخيراً، في ظل مزاعم البعض بتراجع الدور الإقليمي القيادي لمصر بعد التحديات الداخلية التي واجهتها مصر خلال العقد الماضي، ربما تمثل الأزمة الليبي أحد أبرز الملفات التي عكست أهمية ومحورية الدور المصري في المنطقة، بحيث لا يمكن تجاوزه في أي ملف من الملفات الشائكة، مع الأخذ في الإعتبار أن مصر لم تسع لهذا الدور القيادي والمحوري في المنطقة، بل أن الشعور بالمسئولية هو الذي دفعها لحمل أعباء هذه القيادة.

 

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى