بعد ثلاثة سنوات من هزيمة “داعش”: هل الظروف مهيئة لعودة المسيحيين العراقيين إلى بلادهم؟

  مرت ثلاث سنوات على هزيمة تنظيم الدولة “داعش” في العراق، ومازالت الأسباب التي تدفع المسيحيين العراقيين للبحث عن حياة خارج مواطنهم الأصلية لم تنته. فبعد سيطرة التنظيم الإرهابي عام 2014 على أجزاء شاسعة من العراق- بلد المنشأ للتنظيم الأكثر دموية في تاريخ الجماعات المتطرفة-، مازال يعانى المسيحيون في العراق منذ هذا التاريخ من أعمال اضطهاد واسعة النطاق تسبب فيها هذا التنظيم الإرهابي. فقد صنف الإتحاد الأوربي الجرائم الوحشية التي ارتكبها ” داعش” ضدهم بعمليات إبادة جماعية. 

وطالما أن التنظيم هزم ومر على هزيمته ثلاثة سنوات، وارتكب جرائم جنائية دولية في حق المسيحيين العراقيين، فلماذا هاجس الرحيل يلاحق المسيحيين في العراق، وهل عودة نشاط “داعش” التي كان أخرها ضرباته داخل سوق شعبي وسط العاصمة بغداد، يمثل محفزات جديدة للرغبة في الهجرة؟. وما هو الموقف القانوني الدولي من عودتهم، ومعاقبة عناصر التنظيم– داعش- أمام المحاكم الدولية؟.

ظروف اضطرارية:

نتج عن هذا الوضع المتأزم أن هجر المسيحيين مدنهم ودياره إلى مدن أخرى، أو هاجروا خارج الأراضي العراقية، قاصدين كندا واستراليا وأمريكا ودول أوربية أخرى، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد مسيحيو العراق كان مليون ونصف عام 2003، هذه الأعداد تراجعت خلال السنوات الماضية إلى 300 ألف مواطن، حيث هاجر خارج العراق قرابة مليون و100 ألف، في حين هاجر إلى إقليم كردستان قرابة 100 ألف.

الآن وبعد استقرار الأوضاع بشكل نسبى في العراق، وسيطرة الجيش العراقي على أغلب الأراضي العراقية، وتدمير قوة داعش وإنهاء دولته، حتى أنه لم يعد في مقدور التنظيم، سوى القيام بعمليات محدودة نتيجة بعض الخروقات الأمنية، فالأسئلة التي تطرح نفسها في هذا التوقيت، هل الظروف مهيأة في الوقت الراهن لعودة مسيحيو العراق إلى بلادهم ؟، وما الخطوات التي يستطيع أن يأخذها المجتمع الدولي لتهيئة المناخ لعودتهم إلى العراق؟، وهل من الممكن مساءلة قيادات “داعش” عن الجرائم التي ارتكبت ضد مسيحيو العراق، وغيرهم من الأقليات أمام المحاكم الدولية؟.

للإجابة على الأسئلة السابقة؛ يمكن التأكيد على أن هواجس الخوف من العودة تتصدر مشاعر أغلب المسيحيين المهاجرين، لأسباب عدة أولها غياب الثقة في قدرة الدولة علي حمايتهم، أذا تعرضوا لأعمال عنف من قبل تنظيم داعش، وعدم الثقة فى تحقيق العدالة القانونية والعقابية في بلادهم، بعد حوادث العنف التي تعرضوا لها من قبل التنظيم، في ظل الوضع المرتبك في الدولة العراقية.

تخوفات قائمة:

وعلى الرغم من اتخاذ عدة إجراءات لتشجيع عودة المسيحيين المهاجرين إلى بلادهم، تزامنا مع بدء أعمار المناطق التي استردت من أيدي التنظيم، إلا أن شبح الخوف لازال يسيطر على قطاع كبير من المسيحيين، حيث تشير بيانات تقديرية لأحزاب ومنظمات مسيحية، إلى أن نسبة العائدين بعد إعادة الأعمار لم تتجاوز الخمسين بالمائة، هذا في بعد توقيع الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترامب” على قانون ” الإغاثة والمساءلة عن الإبادة الجماعية في العراق وسوريا بحق الأقليات”، الذي بموجبة تقدم المساعدات الإنسانية، ومساعدات الاستقرار للأقليات، وإمكانية تحريك الدعاوى القضائية تجاه الميلشيات التي قامت بأعمال العنف ضد الأقليات فضلا عن إمكانية تعويض الضحايا.

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن الأرض أصبحت ممهدة في ظل هذه التحركات، لعودة المسيحيين العراقيين إلى بلادهم، بعد أن أحكمت الدولة قبضتها على شتى أجزاء البلاد، وأصبحت الأمور بشكل كبير تحت السيطرة ، مما يوحى إلى أن المسيحيين لن يكونوا تحت رحمة التنظيم مرة أخرى، فالعمليات الفردية التي يتمكن التنظيم من القيام بها أصبحت تحت السيطرة، فلن يكون المسيحيين في مرمى استهداف التنظيم بشكل ممنهج، كما كان يحدث في السابق، خاصة بعد أستهدف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لأبرز قادة “داعش” في العراق ” أبو ياسر العسيوي”، خلال عملية مشتركة بين قوات الأمن العراقية والتحالف.

اصطدام الترتيبات القانونية:

أما عن إمكانية ملاحقة عناصر تنظيم داعش أمام المحاكم الدولية؛ ففي الواقع يلاحظ أن لمجلس الأمن صلاحية أو الحق في أحالة أي قضية إلى ” المحكمة الجنائية الدولية”، لإجراء تحقيقا وإقامة الإدعاء النهائي من قبل المدعى العام، كما أن للمحكمة حسب نظام روما الأساسي، الحق في محاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والعدوان، بموجب أحكام المادة الخامسة، حيث تنسب إلي هؤلاء الأشخاص المسئولية الجنائية، بصفتهم مواطني دولة من الدول أعضاء في النظام الأساسي للمحكمة ، أو باعتبار هذه الجرائم ارتكبت على أرض دولة عضو في النظام الأساسي للمحكمة.

تأسيسا على ما تقدم، فإن من حق مجلس الأمن أحالة ملفات الإبادة الجماعية، التي تعرضت لها الأقليات في العراق إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو أن تحيله دولة طرفا في النظام الأساسي للمحكمة، أو أن يمارس المدعى العام من تلقاء نفسه التحقيق، لكن هذا الإجراء سيصطدم ببعض المعوقات التي تتعلق بطبيعة المنظومة التشريعية الدولية، عمليا فإن العراق غير طرف في النظام الأساسي للمحكمة، أذن الجرائم التي ترتكب على أراضيها خارج نطاق الاختصاص المكاني للمحكمة، بقى لنا حالة أن يكون الشخص مرتكب جريمة الإبادة الجماعية ينتمي بجنسيته لدولة عضو في النظام الأساسي للمحكمة، حتى يمكن محاكمته أمام المحكمة.

في النهاية يمكن القول، لمجلس الأمن الحق في أن يحيل إلى المحكمة أي قضية مهما كانت جنسية مرتكبها، ومهما كان البلد التي ارتكبت فيها الجريمة، سواء ارتكبت على إقليم دولة طرف في النظام الأساسي أو من أحد مواطنيها، أو ارتكبت فوق إقليم دولة ليست طرفا في النظام الأساسي، طبقا لأحكام المادة (27) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تطلب موافقة تسعة أعضاء من المجلس، على أن يكون من بينها أصوات الأعضاء الخمسة الدائمين، فتكييف الجرائم التي ارتكبها التنظيم داخل العراق، يخضع أذن إلى إرادة مجلس الأمن ورؤيته، في مدى اعتبار هذه الجرائم إبادة جماعية، وبالتالي تقوض الأمن والسلم الدوليين، ومدى اعتبارها تدخل تحت مظلة وأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من عدمه.

أخيرا؛ فإذن الأمر يخضع لاعتبارات سياسية تتعلق بمصالح الدول الخمس الأعضاء الدائمين، ومدى رغبتهم بتكييف الأوضاع في مناطق النزاعات، فهذه الأحكام تنسحب على كافة مناطق الصراعات المسلحة وليس العراق فقط، لذلك تعمل الدول بعد النزاعات واستقرار الأوضاع، وبسبب عدم وجود الإرادة الجادة لتعقب المجرمين المتهمين بارتكاب جرائم غير إنسانية، بسبب خلل تشريعي في الأنظمة القانونية، إلى الدعوة لتشكيل محاكم خاصة مختلطة، بين الأمم المتحدة وبعض الدول أصحاب المصلحة لملاحقة المجرمين المتهمين في هذه الجرائم.

 

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى