بين الشد والجذب: تعثر تشكيل الحكومة يفاقم أزمات اللبنانيين

اعتاد اللبنانيون سماع البيانات الدولية، الوحدة تلو الأخرى حتى ملوا السماع، فلا زالت الشكليات تملأ فراغات الساحة السياسية في انتظار الفرج الموعود في تشكيل حكومة طال ‏انتظارها، تشتبك مع مطالب اللبنانين الغائبة، والتي تعنى بتوافر سبل العيش والحياة اليومية الكريمة، التي يفتقدها المواطنين، وبخاصة بعد رفع الدعم عن المواد الغذائية والدواء، والذي بات يفجر الواقع ‏الاجتماعي، ويشعل الشارع اللبناني، ويمهد للفوضى مما يدخل لبنان في أزمات أمنية خطيرة.

اتفق جميع السياسيين على أن لبنان يعيش مرحلة يسودها الاحباط والفوضى، فالجميع متكالب ومتنازع على حصصه الوزارية ومكاسبه الطائفية من ثلث معطل وغيره، ولأن التعطيل هو نوع من الافلاس الوطني، والذي أدى إلى أن يعيش اللبنانين، مأساة وفاجعة إنسانية واجتماعية حقيقية، لم يشهدها حتى في زمن الحرب.

يقر الجميع بهذا الوضع المحبط، لكن لا أحد منهم، اتفق مع الفرقاءعلى كيفية وآليات الخروج، فبينما تزداد الشكوك حول إمكانية أن يتمخض اجتماع قصر بعبدا بين ‏رئيس الحكومة المكلف “سعد الحريري”، مع شريكه في التأليف رئيس الجمهورية “ميشال عون”، عن انجاز التفاهم الصعب، وربما ‏المستحيل، لولادة الحكومة اللبنانية، لا زالت الأمور تراوح مكانها بانتظار جديد!!

بين شد وجذب:

من الواضح أن أي معطيات جديدة وجدية لن تبرز الجزم في أن المسار المتعثر لتأليف الحكومة ‏سيتبدل بعد اجتماع قصر بعبدا بين الرئيسين ‏عون والحريري، فقد ألمحا إلى الأمل في البت في “أمور ‏أساسية” ، لم يتم الافصاح عن طبيعتها، غير أن معلومات مسربة عن اللقاء الأخير، أشارت إلى أن مناخاً مشدوداً لا يزال يحكم مشاورات الرئيسين، لجهة التباين بشأن حجم الحكومة ما بين (18: 20) وزيرا أو أكثر.

ولعل التباين الحاد، ‏حول عدد الوزراء المسيحيين الذين يطالب بهم الرئيس عون وفريقه أي “التيار الوطني الحر” بما يكفل ‏للفريق الرئاسي التحكم بثلث معطل لا يمكن الحريري التسليم به تحت أي مبرر، فسواء كانت ‏التركيبة من 18 وزيراً أو اكثر يبدو واضحاً وفق هذه المعطيات أن موضوع الثلث المعطل الرئاسي- ‏الذي يشمل حصة الرئيس وتياره – غدت اللغم الأخطر الذي يهدد بفشل الاختبار الجديد ومحاولة ‏إحداث خرق موعود في جدار الانسداد السياسي المشهود، وإعاقة أي مشروع للتغيير في لبنان .

من الواضح أن جميع الفرقاء السياسيين، سواء القوات والاشتراكيين، يجرون البلاد الى الفوضى وتعطيل وشل حركته، فثورة 17 تشرين لم تأتي بحل للمشكلة اللبنانية، وفرض مرحلة مفصلية وجديدة، بل لتكريس الفساد وتأبيده وتعزيز وتمكين سرطان الطائفية أكثر فأكثر في أوصال البلاد، ومنعها من أن تشهد أي مشروع تحرري ووطني، يمكنه أن يحوز أي فرصة للنجاح .

‎ ‎لقد لوحظ في هذا السياق، أن الثنائي الشيعي إلتزما “النأي بالنفس” عن أي محاولة لعب دور ‏بحجة عدم التدخل بين الرئيسين، بينما شنت محطة ‏‏”ان بي ان” الوثيقة الصلة برئيس مجلس النواب نبيه بري، هجوما حادا على الرئيس عون مباشرة على خلفية ‏كلامه أمام مجلس القضاء الأعلى فسألت: “من يا فخامة الرئيس عطل التشكيلات القضائية ‏ولمصلحة من؟”، من يريد أن يصيب الجسم القضائي بالشلل…؟” العجب كل العجب ممن يتحدث بلغة ‏الحريص فيما هو نفسه من سطر مضبطة إعدام القضاء”.

بل وذهبت المحطة إلى أبعد من ذلك في الشأن الحكومي، ‏متهمة رئيس الجمهورية “بالتمييع والمماطلة لتحقيق مكاسب ضيقة.” وكأن الناس ما زالت تستطيع ‏ان تتحمل المزيد من المغامرات‎.

من جانب آخر أشارت معلومات حول اللقاء الأخير بين عون والحريري، عرض الأخير تشكيلته الموزعة على الطوائف، ‏على أن يزوده الرئيس بأسماء الوزراء الموزعين على الحقائب، ولو أنه تم التوافق بالأساس على هذا التوزيع، ما تم الحديث عن استمرار الخلاف حول بعض الحقائب الأساسية، كالداخلية والطاقة والاتصالات.

وثمة شكوك في أن يقبل رئيس الجمهورية أي تشكيلة لا تلحظ الثلث المعطل له ‏ولـ”التيار الوطني الحر” من خلال أكثرية الوزراء المسيحيين كما الحقائب التي سيتمسك بها، ومن شأنه أن يعكس ثمة انطباعات إيجابية حيال أي اختراق وشيك باتجاه تحريك “الحريري” للمشاورات مع ‏”عون”، فضلاً عن إعلان الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” اعتزامه زيارة لبنان هذا الشهر، مما ‏يشكل عاملي رهان لدى جهات سياسية مطلعة على امكانية إحداث اختراقا حقيقيا للمشهد اللبناني الخطير.

ملف الدعم والخطوط الحمر:

أما ما يتصل بملف الدعم الذي شغل الداخل اللبناني لليوم الثاني توالياً، فشهدت السرايا ‏الحكومية سلسلة اجتماعات متواصلة طوال النهار امتدادا حتى الليل في ورشة شاركت فيها كل ‏الوزارات والقطاعات المعنية بالدعم على السلع والمواد الاستهلاكية الأساسية .

وجاء انعقاد هذه ‏الورشة بعدما رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال “حسان دياب” تكراراً عقد جلسة لمجلس الوزراء ‏الحكومة المستقيلة تحت حجة الظروف الاستثنائية خشية تحميله والحكومة المستقيلة وزر مخالفة ‏الدستور وتبعاتها. وأوضح “دياب” في الاجتماعات المتلاحقة التي رأسها أن نية حكومة تصريف الأعمال ‏لم تكن رفع الدعم، بل كانت تستهدف ترشيده، مشددا على أن الأمور الحياتية الأساسية ‏للمواطن اللبناني كالدواء والطحين هي خط احمر.

واختتمت الورشة باجتماع حضره الوزراء وحاكم ‏مصرف لبنان “رياض سلامة” صدرت على أثره “رؤية المجتمعين” متضمنة جملة نقاط منها: عدم المس ‏بسعر رغيف الخبز، دعم الأدوية الأساسية وأدوية الأمراض المزمنة، الإبقاء على دعم المواد الغذائية ‏الأساسية، دراسة آلية تخفيض الفاتورة النفطية، وتسريع دراسة بطاقة الدعم التمويلي، على أن يتم ‏وضع صيغة متكاملة خلال أسبوع.

وقد كان يستوجب على حكومة تصريف الأعمال، إجراء مسح جغرافي لمعرفة نسبة الفقراء وكيفية توزيعهم وانتشارهم في لبنان مناطقياً، حتى يمكن لسياسة الترشيد- التي أعلنت عنها- تحقيق الأهداف المبتغاة منها، والوصول بالدعم إلى الفئة المستحقة له على نحو أفضل، بدلا من استمرار سياسات التعميم، التي تسببت في جزء ليس بالقليل مما يعاني منه اللبنانيين معيشياً.

‎‎

بالختام، يتضع أن استمرار ضغوطات الوضع الداخلي في لبنان، قد يدفع باتجاه اقرار التشكيل المقترح للحكومة، سيما وأن المبادرة الفرنسية التي تحث على الإسراع في عملية التشكيل، قد تلقت مزيداً من الدفع بعدما أبدى الاتحاد “قلقه المتزايد من الأزمة ‏المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة التي استمرت في التفاقم”، في لبنان، والذي دعا “القيادة ‏السياسية في لبنان إلى الإصغاء إلى الناس وهم يعبرون بوضوح عن طموحاتهم ومخاوفهم وحاجاتهم، وأن تنفذ ‏الإصلاحات من دون مزيد من التأخير”.

كما شدد الاتحاد الأوربي في خلاصاته على ضرورة استئناف المحادثات ‏الفاعلة مع صندوق النقد الدولي في أقرب وقت وتنفيذ أولويات مثل اعتماد قانون كابيتال كونترول، ‏واجراء التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، ودعا القوى السياسية اللبنانية الى “دعم التشكيل العاجل ‏لحكومة تتمتع بالصدقية، وخاضعة للمساءلة وقادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة”.

وتبقي إمكانية استجابة الفرقاء السياسيين اللبنانيين لهذه الضغوطات، برسم الانتظار وما تسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات. ‎

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى