انعكاسات سريعة: كيف تدفع مبادرة البنك الزراعى المصرى إلى تحسين المجتمعات الريفية؟

في مواصلة لجهود الدولة المصرية لدعم وتنمية القطاع الزراعي، وتنفيذا لتوجيهات الرئيس “عبد الفتاح السيسي” بتعظيم المميزات التفضيلية التي يتمتع بها هذا القطاع بهدف تحقيق أقصى عائد ممكن من الإنتاج، أطلق البنك الزراعي المصري، في الرابع والعشرين من يناير 2021، مبادرة جديدة لتسوية ديون العملاء المتعثرين بالبنك، تتيح تسوية كاملة لمحفظة القروض المتعثرة، والتي تبلغ 6.3 مليار جنيه، بما يتيح للعملاء المتعثرين بالقطاع الزراعي من التعامل مجددًا مع القطاع المصري، وإعادتهم للعمل والإنتاج مرة أخرى.

نموذج منطقي:  

مع وجود 328 ألف عميل متعثر لدى البنك الزراعي المصري تتراوح مديونياتهم من 25 ألف أو أقل إلى 10 مليون جنيه، جاءت مبادرة البنك الزراعي لتسوية ديون هؤلاء العملاي، بهدف دعم القطاع الزراعي بمصر وعودة مئات الآلاف من الفلاحين والمنتجين الزراعيين إلى العمل والإنتاج مرة أخرى، حيث تتيح المبادرة إجراء تسوية كاملة لمحفظة القروض المتعثرة في البنك، والتي تبلغ نحو 6.3 مليار جنيه وتتضمن 3.9 مليار جنيه إجمالي أصل مديونيات ونحو 2.4 مليار جنيه إجمالي عوائد متراكمة، على أن تنتهي هذه المبادرة في 30 يونيو 2021، وسيحصل البنك ما قيمته 1.750 مليار جنيه من المبادرة ويعفى المزارعين من المبلغ المتبقي.

وتقسم هذه المبادرة العملاء المتعثرين إلى شريحتين، تتضمن الشريحة الأولى العملاء الذين يبلغ أصل مديونياتهم 25 ألف جنيه أو أقل فقط، ويستفيد منها نحو 307 آلاف عميل ومعظمهم من صغار المزارعين، ويبلغ إجمالي أصل المديونيات التي سيتم إسقاطها عن هؤلاء العملاء نحو 415 مليون جنيه، بالإضافة إلى العوائد التي تبلغ نحو 226 مليون جنيه، وسيتم التسوية في هذه الحالة بالإعدام النهائي لكامل المديونية، مع إسقاط كافة العوائد المتراكمة بعد التعثر، بالإضافة إلى الحذف من القوائم السلبية للبنك المركزي والشركة المصرية للاستعلام الائتماني I-Score، والتنازل عن جميع القضايا المتداولة بين البنك والعميل أو الأحكام إن وجدت.

أما الشريحة الثانية فتشمل العملاء الذين تتجاوز أصل مديونياتهم 25 ألف جنيه وحتى 10 ملايين جنيه سواء للأفراد أو الشركات، ويبلغ عددهم نحو 21 ألف عميل بإجمالي أصل مديونيات قيمتها نحو 3.5 مليار جنيه بالإضافة إلى العوائد التي تبلغ نحو 2.2 مليار جنيه، حيث سيقوم البنك في هذه الحالة بإسقاط 50% فقط من هذه الديون، بشرط سداد العميل 50% من أصل المديونية، مع إسقاط كافة العوائد، والتنازل عن جميع القضايا المتداولة، وإتاحة إعادة التعامل من جانب البنك مع العميل، وفقاً لدراسة كل حالة على حدة.

تأثيرات جادة ورصيد مستمر: 

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إنه على الرغم من الانعكاسات السريعة لمبادرة البنك الزراعي المصري في القطاع الاقتصادي الريفي، إلا أنها لها العديد من المكتسبات الاجتماعية، ويمكن توضيح ذلك، كما يلي:

– إنعاش الإنتاج الزراعي:

تُعد المبادرة بمثابة خطوة إيجابية لعلاج مشاكل المزارعين المتعثرين، وإعادتهم إلى الإنتاج والعمل مرة أخرى، وفتح أفاقا للتوسع في أعمالهم، وبالتالي زيادة الإنتاج الزراعي، لاسيما وأن النمو في الناتج الزراعي لا يتناسب مع الزيادة السكانية الكبيرة في مصر، والتي تعتبر أكبر دول الشرق الأوسط وثالث دولة أفريقية من حيث عدد السكان، فبتتبع عدد سكان مصر بالداخل منذ التعداد السكاني للعام 1966، نجد أن هناك تزايد مطرد ومستمر في هذا العدد، على الرغم من الجهود والخطط الحكومية المستمرة للحد من تلك الزيادة ومواجهة تفاقمها منذ السبعينيات، فبحسب نتائج تعدادى 1966 و2017 بالجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، ارتفع عدد سكان مصر بالداخل بنحو 46.5 مليون نسمة بنسبة زيادة قدرها 97.5%، والذى ارتفع من 29 مليون نسمة للعام 1966 إلى 94.8 مليون نسمة للعام 2017، وهو ما يفوق بكثير معدل النمو في مساحة الأراضى الزراعية والإنتاج الزراعى، بما يعنى تناقص نصيب الفرد من الإنتاج الزراعى والأراضى الزراعية في مصر.

_زيادة الدخل القومى:

يشكل نشاط الزراعة والصيد والغابات نحو 11.3% من الناتج المحلى الإجمالي للدولة، وبالتالي فإن التوسع في ناتج هذا النشاط الاقتصادي الحيوي، يساهم في زيادة الناتج المحلى الاجمالى لقطاع الزراعة، والذى بلغ 438725.7 مليون جنيه في العام المالى السابق 2019/2020 بحسب إحصائيات البنك المركزى المصرى، وبالتالي الناتج المحلى الإجمالى للدولة.

_زيادة إيرادات الموازنة العامة للدولة:

مع عودة العملاء المتعثرين الذين تشملهم المبادرة إلى عملهم وطبيعة الإنتاج التي كانوا عليها قبل التعثر أو زيادة إنتاجهم، ستستفيد الموازنة العامة للدولة من جراء ذلك، فى زيادة الإيرادات من خلال تحصيل الضرائب والتأمينات من الشركات التى تتخلص من عثرتها وتعود إلى العمل مرة آخري.

_تحسين الأوضاع المعيشية لصغار الفلاحين:

سيستفيد صغار الفلاحين، والذين تقل مديونياتهم عن 25 ألف جنيه، جراء هذه المبادرة من تسديد ديونهم المتراكمة من غير دفع الفوائد وتحرير كافة الضمانات، بما سينعكس على تحسين أوضاعهم المعيشية وتشجيعهم على العودة إلى التعامل مع البنوك مرة آخري.

_تحسين محفظة الائتمان لدى البنك الزراعى: 

لم تساعد هذه المبادرة على عودة الثقة وفكرة التعامل بين الدولة والمتعثرين والبنوك فقط، ولكن لها مردودها الإيجابي على محفظة الائتمان وتحسين المركز المالي للبنك الزراعى المصرى من خلال إعادة تشغيل مبالغ تلك الديون التى سيتم سدادها فى إطار المبادرة، بما يتيح الفرصة للبنك للتركيز على العملاء غير الجادين وكيفية التعامل معهم.

_خلق فرص عمل جديدة بالقطاع الزراعى:

فعودة عمل الأفراد أو الشركات المتعثرين بالقطاع الزراعى، سيساعد على خلق فرص جديدة بالقطاع، لاسيما بالشركات التي ستفتح لها تلك المبادرة أفاقا جديدة للتوسع في أعمالها، وهو ما له مردود إيجابى على معدل البطالة في مصر، فبحسب إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء، يعتبر نشاط الزراعة واستغلال الغابات وقطع الأشجار وصيد الاسماك، هو أعلى الأنشطة الاقتصادية المستحوذة على اكبر عدد من المشتغلين في مصر، وذلك بنسبة بلغت 19.4% من إجمالي المشتغلين في الربع الأول من العام السابق 2020.

تدخلات عاجلة ومراحل قيد التشكيل: 

على الرغم من المزايا التي تشملها مبادرة البنك الزراعي المصرى لتسوية ديون العملاء المتعثرين بالبنك، إلا أنها أغفلت عددا من النقاط، ربما تكون قيد دراسة البنك، وفي مراحل الدراسة، وهي:

ستواجه الشركات الزراعية المتعثرة، والتى تدخل ضمن الشريحة الثانية من العملاء المتعثرين بالمبادرة، مشكلة نقص السيولة لديها، بعد سداد 50% من أصل المديونية دفعة واحدة إلى البنك الزراعى، مما قد يجعل بعض الشركات تواجه مشكلة نقص السيولة الكافية لتلبية احتياجاتها من المواد الخام، وقد تلجأ إلى الاقتراض مرة أخرى.

تحصل جميع الشركات التى لا تتجاوز أرصدتها عن 10 ملايين جنيها على مزايا تلك المباردة من إسقاط الفوائد المتراكمة عليها، دون تمييز بين الشركات الأكثر تأثيرا على الاقتصاد المصرى وذات الأولوية، حتى لا يخسر البنك الكثير من العوائد التى تحصل عليها من سداد الديون (وهى الفائدة)، دون جدوى اقتصادية قوية.

لم يتم وضع حلول بديلة للشركات، التى يتراوح حجم مديونيتها بين 25 ألف جنيها و 10 ملايين جنيها، ولا تستطيع سداد 50% من أصل الدين كدفعة واحدة، مما يجعلها تبقى فى عثرتها.

اقتصرت المبادرة على المتعثرين من الأفراد والشركات بأرصدة تقل عن 10 ملايين جنيهاً، دون إيجاد حلول للعملاء الذين تزيد مديونيتهم عن ذلك المبلغ، ومن الممكن أن يكونوا ذو تأثير أقوى على الاقتصاد المصرى.

إجمالاً، من المؤكد أن تؤتى مبادرة البنك الزراعي المصرى لتسوية ديون العملاء المتعثرين، ممن لا تتجاوز مديونيتهم 10 ملايين جنيها، ثمارها وآثارها الإيجابية سريعًا، لتتفق مع استراتيجية الدولة لتعظيم الفرص الإنتاجية الكامنة في مجال استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي في رؤية مصر 2030، بما سينعش القطاع الزراعى المصرى، ويساعد على سد الفجوة في السوق المحلى ما بين الإنتاج والاستيراد.

 

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى