في حلقة نقاشية بـ “رع”.. هل يعود الشرق مؤثرًا على النظام الدولي؟

 بدأ الدكتور عبد القادر دندن أستاذ العلوم السياسية الجزائري، كلامه في ندوة عُقدت بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، تحت عنوان ” عالم ما بعد الغرب.. دلالات عودة الشرق وانعكاساتها على النظام الدولي”- قائلًا إن الفترة التاريخية الحالية، ستكون شاهدة على تبدل في ميزان القوى العالمي؛ لأن الهيمنة الأحادية الأمريكية لم تستمر على العالم. في مقابل أن الساحة الدولية تشهد من صعود لعدد من القوى من بينها الصين، التي تمتلك ما يؤهلها بتشكيل تصورها الخاص على النظام الدولي، فيما يمكنها من منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق نفوذها ووزنها في المؤسسات الدولية كمجلس الأمن وصندوق النقد الدولي وغيرها.

وأضاف دندن، أن الغرب لديه مخاوف من تراجع الغرب؛ لذا درسوا هذه المواضيع للحفاظ على مكانته، مشيرًا أن هناك تياران لتفسير هذا، أولًا التيار (التشاؤم التاريخي): يشير هذا التيار إلى مزايا الحضارة الغربية، وكل قوى معادية للغرب وقيمه. ومن بين تلك القوى (الصين، أو روسيا، حتى الجماعات المتطرفة.

أما التيار الثاني (التشاؤم الثقافية): هذا التيار يرى أن مشكلة الغرب ليس في العدو الأخر، بل تكمن في داخلها -أي تكون في الغرب من الداخل، وليس من الخارج-؛ متمثلة في الحالة الاقتصادية ومشاكل التراجع  الاقتصادي الغربي بما يواجه الرأسمالية. يشكل هذان التياران خطر على الغرب في التراجع الاقتصادي، الذي يترتب عليه فقد السيطرة والهيمنة السياسية.

وفقًا لقواعد الرأسمالية التي تعاقبت خلالها أزمات اقتصادية ومنها: الأزمة العالمية في عام 2008، والأزمة المالية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والانعكاسات الناتجة عن جائحة كورونا. علاوة على ما سبق،  تطرق أستاذ العلاقات الدولية، إلى المجال السياسي الغربي، موضحًا أن هناك تخوف من سقوط رمزية الديمقراطية الغربية، خاصة بعدما دخول الغرب الأزمة الديمقراطية في الانتخابات الأمريكية، وعدم قبول هذه الانتخابات للأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة. وأيضًا محاولة الانقلاب في ألمانيا التي كان وراءها شخصيات سياسية مرموقة.

يذكر دندن، فيما يتعلق بالجانب القيمي، أن الغرب يواجه العديد من المشاكل، خاصة أنه متعدد العرقيات واللاجئين، حيث أنه تراجع في التسامح مقابل تزايد التطرف والعنصرية والكراهية بين الأجناس المختلفة بداخل المجتمع. وتزايد عدد هجمات الإرهاب الأبيض، وفي ذلك قال الرئيس الأمريكي: ” إن الإرهاب الأبيض أكثر خطورة من الإرهاب الأصولي. وأن عدد الضحايا الناتجة عن الإرهاب الأبيض أكثر من القضايا التي خلقها الإرهاب الأُصولي”. وهذا يشير إلى التفكك الاجتماعي في المجتمعات الغربية وانحدار القيم نحو المثالية التي تنافي الطبيعة البشرية، وأيضا تفكك كيان الأسرة.

عليه، فإن الغرب يتراجع في جميع المجالات سواء (اقتصادية، واجتماعية، سياسية)، مقابل صعود وعودة  الشرق من جديد في تلك المجالات؛ باعتبار أن الشرق ليس حديث في الحضارة في الوقت الذي كانت فيه أوروبا في الكهوف. ومن بين تلك الحضارات الشرقية (حضارة الفرعونية، وبلاد الرافدين، الهند، الصين). لذا أصبح الغرب باعتباره يصف نفسه أنه حامل الديمقراطية محل تساؤل: (كيف تسعى دول الغرب إلى النداء بالديمقراطية لدى الدول الأخرى، وهي تفتقد الديمقراطية وتعيش تلك المشاكل)؟.

وعدد دندن، مؤشرات على صعود الشرق مقابل تراجع الغرب، محددا أهمها فيما يلي:

(*) المؤشر الأول (عدد السكان): في بداية العقد الأول من القرن العشرين، تشير المؤشرات المتعلقة بصعود الشرق وتفوقها على الغرب، فيما يلي: أن 60 % من السكان في قارة آسيا، حيث تميزوا بالإبداع والحيوية، بينما وصل عدد سكان بأوروبا وأمريكا في الستينات إلى 20 % من سكان العالم، إلا أن هذه النسبة انخفضت في بداية القرن الحادي والعشرين إلى 12 %. كما من المنتظر أن تنخفض هذه النسبة إلى 9% أو أقل من ذلك في منتصف هذا القرن مثل إيطاليا.

(*) المؤشر الثاني (التكنولوجيا والاختراع)، خلال عام 2010 إلى 2020 ارتكزت التكنولوجيا والإبداع في معظم الشركات المهمة بقارة آسيا. كما تذكر المؤشرات أن معظم نمو الشركات في العالم تكون آسيوية، حيث تصل تلك النسبة إلى 52%. ونسبة نمو الشركات الناشئة بآسيا تصل إلى 43%، أما براءة الاختراع معظمها آسيوية فتل إلى  7 ملايين بالمئة.

(*) المؤشر الثالث (الاقتصادي)، في مطلع القرن الحادي والعشرين آسيا مثلت 25 % من مجموع الناتج الاقتصادية العام. ومن المتوقع تصاعد هذه النسبة إلى 50% في سنة 2050؛  فحسب التوقعات اتجاه نصيب أوروبا هناك انخفاض من السوق العالمية يصل إلى 15 %، وذلك من نسب القوى الاقتصادية لكل من (الصين والهند)، وهذا بعد ما كان نصيب أوروبا في هذا الجانب خلال الحرب العالمية الأولى ثلاث أضعاف نصب الهند والصين. وبالنسبة للناتج المحلي للاتحاد الأوروبي اتجاه العالم لعام 2050، هناك توقعات بانخفاضه ليصل إلى 10 %، وبالتالي يكون أقل من نصيب الهند، وبذلك تتفوق الهند على دول الاتحاد  الأوروبي في الاقتصاد. كذلك انخفض نصيب أمريكا من الصادرات العالمية إلى 50%، بالوقت التي أصبحت الصين أكبر مصدر عالمي بالسلع والخدمات ليصل نصيبها من التجارة العالمية 10% سنوية.

ويذكر دندن، أن هناك توقعات بين سنة 2035 لسنة 2050، أن تصبح الصين أكبر دولة اقتصاديًا في العالم. وأيضًا من المتوقع في هذه الفترة أن تصبح الصين أقوى دولة اقتصاديًا من بين خمس دول شرقية وبالترتيب ( الصين، الهند، الولايات المتحدة الأمريكية، أندونيسيا، اليابان). موضحًا أن روسيا تعتبر دولة شرقية، وليست غربية. كما أن الصين وتايون مسيطران على أكثر من نصف إنتاج العالم فيما يخص أشبال الموصلات التي تعتبر ضرورية في إنتاج التكنولوجيا، خاصة أن شركات تلك الدول تقدم خدمات للجيل الخامس بأسعار أقل مما تقدمه الشركات الغربية. أما بالنسبة للهند التي تقع في الترتيب الثاني من بين أقوى الدول الخامسة الشرقية في الاقتصاد، يصفها الخبراء بأنها دولة المستقبل للتكنولوجيا العالمية، باعتبارها أكثر مدينة عالمية لتكنولوجيا.

عليه، يتبين وفقا لدندن أن دول الغرب تنكمش وتشيخ، في المقابل تقدم الشرق خاصة الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين. وذلك يعود لعدة أسباب منها: أن هذه الدول الآسيوية تعمل لكي تكون في المستقبل دول قائدة، وليس تابعة، حيث ضرب دندن مثال على ذلك بـ (الصين) التي لديها القدرة على التحدي والبعث من جديد وخروجها من تابعيات القرن أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعدما قررت الصين لأول مرة أن تتخلى على وصف نفسها بأنها (دولة نامية) وتبدل ذلك بوصف نفسها أنها (قوى عالمية). هذا ما يخوف الغرب من دول آسيا، لذلك يحاولوا منذ زمن تحطيمها من خلال الاستعمار البريطاني الذي استمر لمائتين عام للهند، وأيضًا من خلال ما عاشته الصين في الحرب العالمية الأولى.

وفي ذات السياق، أكد دندن أنه مع التحولات الكبرى لدى الصين في مجال الاقتصاد والعسكري، علاوة على ذلك صعود الهند منذ اتباع الانفتاح الاقتصادي وتطويرها، بالإضافة إلى هذا إعادة توجيه وتشكيل اليابان لسياستها الداخلية والأمنية من خلال مراجعة دستورها وتشكيل جيش ياباني- أي أن الدول الآسيوية أنشأت مؤسسات بديلة من المؤسسات الغربية؛ لذا تتراجع الولايات المتحدة الأمريكية تراجعًا نسبيًا في عديد من المجالات وفقدان سيطرتها على الدول الآسيوية، حيث اعترف الغربيين أنفسهم بأن القرن الحادي والعشرين ليس لأمريكا، بل لآسيا، حيث يوصف هذا القرن بـ (القرن الآسيوي)؛ وذلك نتيجة عودة الشرق مقابل تراجع الغرب.

ويطرح أستاذ العلاقات الدولية، تسأل فيما يتعلق بموقع العرب من هذا التطورات في المجالات الاقتصادية والعسكرية والقيم الاجتماعية؟ وكيف يمكن أن تتمركز الدول العربية من هذه التحولات في تلك المجالات التي ذكرت سلفًا؟ مجيبًا عن تساؤله، أن بعض الدول العربية لها علاقات وطيدة اتجاه الدول القوى الاقتصادية الخمسة الآسيوية، باعتبار أن القيم العربية متشابهة مع القيم الآسيوية (الدول الشرقية) على عكس القيم الرأسمالية الغربية؛ فمن الممكن أن يستغل الدول العربية هذه العلاقات مع انفتاح ثقافتها على باقية ثقافات الدول؛ ليتحسن وضعها وسيادتها. وذلك نظرًا أن الدول الخمسة التي تتصف بالقوى الاقتصادية لم تسيطر إلى الآن على باقية الدول ولم تفرض هيمنتها، وهذا على عكس الدول الغربية التي تضع الشروط والهيمنة بالسياسة. لذلك يجب أن تسعى الدول العربية لسيادة الاقتصادية بدلًا من استبدال سيادة الدول القوى الآسيوية مكان الدول الغربية.

الجدير بالذكر، أن دندن له العديد من المؤلفات، ومنها: (الحرية.. قرابين على مذبح الأمن، ومتلازمة “توفالوا”..”أطلانتس” لم تعد أسطورة، وعلى خطى “زينغ هي”.. زمان الوصل بجوهانسبورغ، ومتوسط المتناقضات.. معضلة التنافر وحتمية التعايش، وتسليع الثقافة.. الوداع للقيم، وعلى أعتاب الرحيل.. إرث الرجل الأسود في البيت الأبيض، وموسم ستيرلينغ.. الدستور يستنفر القطيع، وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.. هل ينهي يونيو عقودًا من الحلم؟ ، وما بعد النفط.. الفرص من رحم الخطر؟، وقمة مالطا حول الهجرة: بحر أبيض.. موج أسود. والمحطات الكبرى في الفكر السياسي.. نحو جينالوجيا علم السياسة، والأدوار الإقليمية للقوى الصاعدة في العلاقات الدولية، وجيوبوليتيك النزاعات في قارة آسيا، والصعود الصيني والتحدي الطاقوي.

رباب الحكيم

مسئول الاتصال والعلاقات العامة بالمركز، باحثة في برنامج الإرهاب والتطرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى