فرص وتحديات صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر

من منطلق اتجاه جميع الدول إلى استخدام مصادر الطاقة المتجددة على مستوى واسع لتقليل الانبعاثات الكربونية التي تسبب تلوث المناخ، وكذلك الاحتباس الحراري، يأتي الهيدروجين الأخضر على رأس اهتمامات الدول، بل وتتسابق الدول في إنتاج هذا المصدر المهم من مصادر الطاقة، حيث يحتوي على ثلاثة أضعاف الطاقة الموجودة في الوقود الأحفوري، كما ينتج عن احتراقه طاقة صفرية الكربون، مما يعد حريق صديق للبيئة، وهو هدف عام لجميع الدول الساعية لتحقيق الاقتصاد الأخضر، لذلك تسعى مصر جاهدة لزيادة إنتاجها منه مع محاولات جادة لتهيئة البيئة المناسبة لإنتاجه.

في ضوء ما سبق، يحاول التحليل إلى الإجابة على سؤال: هل تعتبر مصر بيئة مناسبة للتوسع فى إنتاج الهيدروجين الأخضر؟ وذلك من خلال التعرف على  الفرص التي تمتلكها مصر لإنتاجه، والتحديات التي تواجه الإنتاج، ومعرفة دور القطاع الخاص في تحفيز الإنتاج، مع توضيح الاتفاقيات والاستثمارات المختلفة في هذا الصدد.

الواقع الحالي:

لدى الدولة المصرية خطط استراتيجية للتوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث تطمح أن تكون على رأس الدول المنتجة له باعتباره وقود المستقبل، وقد قامت بدمجه في استراتيجية الطاقة 2035، وفى سبيل تحقيق هذا الهدف فالدولة لديها العديد من الفرص وبعض التحديات في إنتاجه، فعلى مستوى الفرص:

يعتمد الهيدروجين الأخضر في إنتاجه على مصادر الطاقة المتجددة، حيث أن الغاز الطبيعي هو المصدر الأساسي لإنتاجه، حيث 6 % من الغاز الطبيعي ينتج عالميًا نحو 75 %، أو 70 مليون طن منه، ويأتي في المرتبة الثانية الفحم، ومن هنا فإن زيادة الطلب عليه يترتب عليها زيادة الطلب على الطاقة المتجددة، ومصر لديها إمكانات واسعة في مجال الطاقة المتجددة، وحققت فرص جمة من خلال المشروعات التى تبنتها في هذا الشأن، ومنها:

(*) إذا نظرنا لوضع مصر من الطاقة المتجددة التي يوضحها الشكل رقم (1)، نجد أنها تتصدر إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بمعدلات إنتاج 3.5 جيجا وات، وتليها الإمارات بمعدل إنتاج 2.6 جيغا وات، فمصر مع زيادة إنتاجها من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يصبح لديها القدرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر بطريقة تنافسية بين الدول.

(*) انتاج متزايد من الغاز الطبيعي: قد أدى إنتاج مصر لحقل ظهر للغاز الطبيعي عام 2017 إلى إحداث الطفرة في إنتاج الغاز الطبيعي التي يوضحها الشكل (2)، حيث زاد الإنتاج من 41.6 مليار متر مكعب في 2015/2016 إلى 69.2 مليار متر مكعب في 2021/2202، فالزيادة في الإنتاج ساعدت في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وزيادة الصادرات من 0.6 مليار دولار في عام 2014/2015 إلى 8 مليارات في 2021/2022، فهذه الزيادة ستمكن مصر أن تكون من الدول الأكثر انتاجاً للهيدروجين الأخضر.

(*) مصر لديها مواقع تتميز بإمكانات رياح ساحلية يمكن استغلالها لدعم طموحات الطاقة المتجددة، خاصة طول خليج السويس الذي يتميز بسرعات رياح قوية، فتساعد طاقة الرياح العملاقة على التوسع فى إنتاج الهيدروجين المتجدد، ويوضح الشكل رقم (3) التوسع في طاقة الرياح المنتجة، حيث قدرت بـ 31 جيجا واط في مناطق شرق وغرب الدلتا، و144 جيجا واط في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تتركز فيها معظم مشروعات الهيدروجين الأخضر.

(*) الموقع الجغرافي لمصر الذي يطل على البحر المتوسط بساحل طوله 995 كم، والبحر الأحمر بساحل يبلغ طوله 1941 كم، لذا يمكنها الاستفادة من هذه المساحات الكبرى من المياه، حيث يتم إنتاج الهيدروجين الأخضر عن طريق التحليل الكهربائي، فـ 0.1 % من إنتاج الهيدروجين العالمي يأتي من التحليل الكهربائي للماء، فنظرًا لانخفاض تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر بهذه التقنية؛ مصر لديها فرصة للاهتمام المتزايد لإنتاج الهيدروجين من التحليل الكهربائي للمياه.

ثمار مؤتمر المناخ:

ـ خلق مؤتمر المناخ cop27 العديد من الفرص داخل البيئة المصرية، تجعلها من الدول الرائدة في اتخاذ خطوات جادة في إنتاج الهيدروجين الأخضر، ومنها:

(#) إطلاق مصر المرحلة الأولى من أول محطة للهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناه السويس على هامش الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف، على أن يبدأ إنتاجه في النصف الأول من 2026، حيث وقع صندوق مصر السيادي 9 بروتوكولات تعاون في قطاع الطاقة المتجددة لإنتاجه باستثمارات تصل إلى 83 مليار دولار، وتتضمن هذه المنطقة محطة الأمونيا الخضراء ومحللات كهربائية ومصانع وميناء مما يجعلها محطة لتصدير الهيدروجين الأخضر حيث أن الهيدروجين المنتج سيتم تصديره بأكمله للخارج حتى يصل إلى سعر مناسب فيتم استهلاكه محلياً.

(#) كما بدأ التشغيل التجريبي لمصنع للهيدروجين الأخضر فى العين السخنة بتعاون صندوق مصر السيادي مع شركة سكاتك النرويجية وشركة فيرتيجلوب لإنتاج الأمونيا وأوراسكوم كونستراكشون، بطاقة إنتاجية 100 ميجا واط  سيستخدم فى إنتاج الأمونيا الخضراء التي تستخدم كوقود آخر في النقل البحري والجوي، ويبدأ تشغيل المشروع بحلول 2024 مما يدل على أن جني ثمار التحالفات في صناعة الهيدروجين الأخضر سيكون قريبًا.

نلاحظ مما سبق، أن مؤتمر المناخ وفر فرصة جذب مجموعة كبيرة من الاستثمارات لمصر في مجال الهيدروجين الأخضر، ويوضح الشكل رقم 4 استثمارات المرحلة التجريبية التي يصل مجموعها إلى 7.4 مليار دولار، والتي توزعت بين مجموعة من الشركات الرائدة في مجالات التكنولوجيا.

تحديات:

هناك مجموعة من التحديات قد تواجه البلاد خلال التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، تتمثل في:

(-) ارتفاع التكاليف: إن ارتفاع تكاليف إنتاجه يضع تحدى أمام الدولة المصرية، حيث تصل تكلفة إنتاجه من 4 إلى 6 مليارات للكيلوجرام ، كما أن ارتفاع التكاليف الرأسمالية من منشآت ومعدات يضع تحدى فى استمرار التوسع فى صناعته.

* مشكلة سد النهضة: هذه المشكلة تضع تحدى أمام الدولة المصرية فى توفير المياه المطلوبة لإنتاج الهيدروجين الأخضر حيث أن إنتاجه يتطلب ما يقرب من 9 لترات من الماء، وسيخفض سد النهضة من حصة مصر فى نهر النيل من 55.5 مليار متر مكعب حالياً إلى 34 مليار متر مكعب بعد الانتهاء من ملء السد، وتعتبر حلول مصر البديلة في تحلية مياه البحر ومحطات الصرف الصحى المعالج حلول جيدة في هذا الإطار، ولكن تكلفتها عالية على الدولة.

*الاعباء الإدارية على المستثمرين: البيروقراطية في الإجراءات الإدارية سيثبط من دافع المستثمرين من الاستثمار في مصر، والأهم من وضع القانون تفعليه بالشكل الأمثل حتى يؤتى ثماره، فجذب الاستثمار يحتاج إلى تسهيل في القوانين والإجراءات الإدارية للمستثمر.

دور البنوك والقطاع الخاص:

ـ يبدو أن البنوك ستتوسع بشكل كبير في تمويل مشروعات الهيدروجين الأخضر، باعتباره تمويل مربح، حيث أن هذا المجال هو الصناعة المستقبلية التي سيتنجذب إليها الاستثمارات المحلية والأجنبية مما يوحى بتعاظم العائد على الإقراض، كما أن توسع البنوك في إتاحة التمويل لهذه المشروعات يأتي من إلزام البنك المركزي للبنوك على دعم وتمويل التحول نحو الاقتصاد الأخضر، ومن البنوك المبادرة بدعم صناعة الهيدروجين الأخضر، هي:

يوضح الشكل السابق أن البنوك أصبحت لديها استراتيجية واضحة لتمويل مشروعات الهيدروجين الأخضر، مما سيكون له كبير الأثر على تسهيل توطين هذه الصناعة في، مصر، وهو ما سيؤدي بدوره إلى خلق ميزة تنافسية مصرية في هذا المجال.

 ـ بدأ القطاع الخاص يتزايد دوره في تحفيز الشراكات في مجالات صناعة الهيدروجين الأخضر، حيث أن صناعته تحتاج إلى مشاركة فاعلين متعددين لإنجاح هذه المنظومة الصناعية، ومن هؤلاء الفاعلين:

(*) مؤسسة السويدي: تعاونت مؤسسة السويدي مع شركة “رينيو باور” الهندية لإنتاج 1.1 مليون طن أمونيا خضراء سنوياً، و220 ألف طن هيدروجين أخضر سنوياً، ويأتي التنفيذ لهذا المشروع تدريجياً، حيث أن المرحلة الأولى بطاقة أولية بطاقة مستهدفة 20 ألف طن منه ومشتقاته سنويًا، فيما تستهدف المرحلة التالية إنتاج 200 ألف طن سنويًا، وهو ما يدل على أن شركة السويدي تهتم اهتمام شديد بصناعته وزيادة نسبة الاستثمارات فيه، وتعمل على توطين الصناعات المغذية والمكملة لإنتاجه.

(*) شركة زيرو ويست: تتعاون شركة زيرو ويست مع “إى دى أف رينيوابلز” لإنتاج 350 ألف طن من الوقود الأخضر باستثمارات تبلغ 3 مليارات دولار، حيث تزويد المشروع بالهيدروجين الأخضر من مياه البحر المحلاه والطاقة المتجددة التى يتم توليدها في هذه المواقع.

(*) شركة “إنارة كابيتال “: عقدت شركة إنارة كابيتال مع شركة ” توتال الفرنسية ” لإنتاج 300 ألف طن من الأمونيا الخضراء بمنطقة السخنة حيث تصل الطاقة الإنتاجية للمشروع إلى مليون ونصف المليون طن سنوياً مما يعمل على توسيع الطاقة الإنتاجية لمشروعات الهيدروجين الأخضر داخل مصر.

التوصيات:


ـ محاولة التوصل إلى حل سياسي في مشكلة سد النهضة للحفاظ على حصة مصر من المياه، حتى لا تعاني مصر من قلة مائية تعوق كل مساعي التنمية، ومساعيها في التوسع فى صناعة الهيدروجين الأخضر.

ـ إعادة النظر في قانون الاستثمار مع تخفيف الإجراءات التشريعية والقانونية على المستثمر، حيث أن الاستثمار في صناعة جديدة كصناعة الهيدروجين الأخضر يساعد على تنميتها وتوسعها، مما يتطلب ضرورة إزالة العوائق التي تواجه الاستثمار فيه بكل السبل.

ـ توفير التمويل لمشروعات الهيدروجين الأخضر من خلال عائدات صادرات الغاز الطبيعي التى توسعت بها مصر توسعاً كبيراً فى الفترة الأخيرة، مع فتح أسواق تصديرية جديدة تدر عائدًا قويًا يستخدم في تمويل المشروعات القومية، خاصة مشروعات الهيدروجين الأخضر.

ـ الاستفادة من وفورات الحجم الكبير، حيث أن ارتفاع التكاليف يمكن أن يُعالج من خلال التوسع فى الصناعة مع التوسع فى الصناعات المغذية لها، بحيث يزيد الدخل عليها، ويغطي جزءًا كبيرًا من تكاليفها المرتفعة.

ختاماً، مما سبق يتضح لنا أن مصر تتخذ خطوات جادة للتوسع في صناعة الهيدروجين الأخضر، نظراً لتطلعها إلى أن تكون مركزاً إقليمياً لتصديره، مما له من عوائد مرتفعة على الاقتصاد المصري، وقد أتيحت لها فرص عديدة إضافة إلى استضافتها مؤتمر المناخ، وهذه الفرص تجعل مصر بيئة مناسبة للتوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، ولكن لابد من النظر إلى التحديات التي تواجهها في هذه الصناعة ووضع حلول جادة وفاعلة لها.

رضوى محمد سعيد

رئيس برنامج دراسات السياسات العامة، الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى