هل تنقذ «COP 27» العرب من كارثة الخزان اليمني صافر؟

من الآثار المدمرة لحرب الحوثي ضد الشرعية في اليمن، احتجاز عائمة محملة بأكثر من 100 مليون برميل نفط بالقرب من ميناء الحديدة، والذي يشكل احتجازها مع عدم خضوعها لأعمال صيانة منذ العام 2015 خطرًا يهدد أمن المنطقة العربية بأكملها، وينذر بكارثة بيئية أثارها واسعة النطاق، وشديدة الحدة، وطويلة الأمد في البحر الأحمر، الذي تطل عليه مدينة تتجه أنظار العالم إليها منذ السادس من نوفمبر 2022، وهي شرم الشيخ التي تستضيف فيها مصر قمة المناخ 27 COP، وتناقش خلالها وفود أكثر من 190 دولة مقترحات إنقاذ الكوكب من تداعيات الظواهر المناخية المتفاقمة.

على ما سبق، ومن منطلق أن قضية الخزان اليمني صافر تعد أحد القضايا المهمة التي يناقشها مؤتمر المناخ في مصر، وفي ظل إنذار هذه الكارثة بتداعيات بيئية وإنسانية خطيرة على النطاق المحلي والإقليمي والدولي، وسط تكتيكات التسويف والمماطلة الدولية، والدفع نحو تأجيل الحلول مما يؤجج الوضع وعواقبه الوخيمة على المنطقة، يجب هذا التحليل على السؤال الأهم، وهو: ما هي المخاطر التي تشكلها العائمة؟ والسيناريوهات المحتملة لموقفها الحالي؟ والعوائق المحلية والدولية التي تمنع إنقاذها؟ وهل ستنقذ قمة المناخ بمصر المنطقة العربية من هذه الكارثة؟ وتنفذ الأمم المتحدة خططتها في خزان صافر؟

قنبلة موقوتة:

باتت السفينة صافر التي اشترتها الحكومة اليمنية منذ 30 عاماً، قنبلة موقوتة تهدد بكارثة بيئية في البحر الأحمر، كونها منتهية الصلاحية حيث مر على إنشائها حوالي 40 عامًا، وقد أصبحت متهالكة ويتعرض جسمها للتآكل، وتواجه خطر الانفجار أو الغرق أو تسرب الحمولة  التي تقدر بأكثر من مليون برميل نفط، أي ما يزيد على 140 ألف طن من نفط مأرب الخام الخفيف.

ووفق تقديرات عالمية، من المتوقع أن  يشكل هذا الحدث حال حصوله واحدة من أضخم كوارث تسرب النفط في التاريخ، ويتسبب في أضرار بيئية جسيمة على نطاق واسع، كما يفاقم الأزمة الإنسانية المستمرة في اليمن.

ويرسو الخزان على بعد 8 كم متر من الساحل اليمني، حيث بنيت السفينة كناقلة نفط خام فائقة الضخامة مؤلفة من بدن واحد في العام 1976 لصالح شركة إكسون، ويبلغ طولها 360 مترًا وعرضها 70 مترًا، وتم تحويلها إلى خزان عائم في العام 1998، ولكنها لم تخضع للمعاينة أو الصيانة منذ العام 2015، كما أنها لم تعد مؤمنة أو تستوفي مواصفات البناء أو الصيانة المطلوبة.

وبسبب عدم خضوع السفينة لأعمال صيانة، أصبح النفط الخام، والغازات المتصاعدة تمثل تهديدا خطيرًا للمنطقة، حيث أكدت الأمم المتحدة أن السفينة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، بعد أن أظهرت صور من أقمار صناعية مؤخراً، بدء حدوث تسرب نفطي من السفينة.

وأجمع خبراء الشحن البحري أن خزان صافر العائم لم يعد قابلًا للإصلاح، وقد حدث تسرب في مايو من العام 2020 في غرفة المحرك، ولم يتم إصلاحه إلا جزئيًا، ويسبب غياب الصيانة أضرارًا في جسم الخزان تتزايد مع الوقت، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية على الصعيد الإنساني والبيئي والاقتصادي، وفقًا للمنظمة البحرية الدولية.

سيناريوهات محتملة:

يؤدي عدم إنجاز مهمة التخلص من أزمة خزان صافر العائم بميناء رأس عيسى في محافظة الحديدة، إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة، وهي:

(*) التسرب البطئ والمتواصل للنفظ: فالضرر اللاحق بجسم السفينة بفعل العوامل الجوية أو الصدأ قد يؤدي إلى حدوث تسرب نفطي، يؤثر سلبًا خلال أسابيع قليلة على كل من اليمن والسعودية وإريتريا بدرجات متفاوتة، بفعل انجراف النفط الخام إلى الشواطئ، وعرقلته لعمليات المرافئ ومحطات تحلية المياه، وتلويث المياه الإقليمية، وقد ينتشر التسرب شمالًا إلى وسط البحر الأحمر، ويتوسع جنوبًا نحو خليج عدن والساحل اليمني الجنوبي في الصيف.

(*) الانفجار: ويسببه تراكم الغاز القابل للاشتعال على متن السفينة، أو في حال أصيبت السفينة بصاروخ إما عن قصد أو غير قصد، ويشكل النفط المحترق تلوثًا خطيرًا للهواء من آثار الدخان الذي من المتوقع أن يطال جنوب غرب السعودية، ويؤدي إلى عواقب صحية وخيمة منها الإصابة بالأمراض التنفسية الخطيرة.

وتساعد الدراسات التي أجريت عن حوادث التسرب النفطي السابقة في توقع الآثار المحتملة للحريق على متن خزان صافر العائم، حيث أنه في أعقاب تسرب النفط في منصة «ديب واتر هورايزن» التابعة لشركة «بريتيش بتروليوم» في العام 2010 أبلغ العاملون الذين كانوا يحاولون التخفيف من انتشار حرائق النفط الخام في خليج المكسيك عن مشاكل خطيرة منها ضيق الصدر والتنفس، والحكة والسيلان في الأنف والحلق لمدة ثلاثة أيام بعد التعرض للدخان.

(*) غرق السفينة: وبالتالي انسكاب حمولتها من النفط الخام في البحر، ووفق ما بينته نماذج سيناريوهات تسرب النفط أو انسكابه في مياه البحر التي قامت بها شركات عالمية، فإن النفط سيؤثر سلبًا على إريتريا والسعودية واليمن في جميع فصول السنة، مع تأثر جيبوتي والصومال خلال جزء من السنة، ويتوقع أن يطال انتشار النفط في المحيط وصولًا إلى مسافة 300 كم، مع وجود كثيف ومعتدل للنفط، وربما بعض الانتشار الخفيف باتجاه عدن عند مسافة 500 كم جنوبًا، وفي جميع السيناريوهات يتوقع أن يصل النفط إلى ساحل اليمن خلال 3 أو 4 ساعات من لحظة وقوع الانسكاب.

آثارٌ كارثية:

وفقًا للدراسات العديدة التي تصدرها مراكز أبحاث عالمية متخصصة في المجال البيئي، فإن أي تسرّب نفطي أو انفجار أو غرق للسفينة يمكن أن يؤدي إلى الآتي:

(#) التأثر البيئي، والذي يتمثل فيضرب النظم الإيكلوجية البحرية في البحر الأحمر، وخاصة الشعاب المرجانية الجنوبية، وتهديد الحياة البشرية والحيوانية والنباتية في المدن الساحلية بدولة اليمن والدول المجاورة لها بآثار متفاوتة.

(#) تدمير الصحة العامة، نتيجة تراجع القدرة على الوصول إلى المساعدات الغذائية والمياه العذبة والمحروقات، فضلًا عن تلوث الهواء في اليمن والمناطق المجاورة من جراء الانفجار المحتمل، حيث يحتوي النفط الخام على مواد كيميائية سامة ومسببة للسرطان.

(#) ضرب الاقتصاد، إضافة إلى ميناء الحديدة والموانئ اليمنية الأخرى المطلة على البحر الأحمر سيتم عرقلة عمليات الشحن العالمية عبر قناة السويس، وإغلاق مفارخ الأسماك، وتعطيل قطاع السياحة.

كما يمتد تأثير الكارثة إلى ترك آثار شديدة الخطورة محليًا وإقليميًا ودوليًا، تتمثل في:

(-) محليًا (اليمن): عرقلة العمليات في مرافئ الحديدة والصليف، التي يدخل عبرها أكثر من 60 % من المساعدات، وعرقلة إمدادات المعونة الغذائية التي يستفيد منها أكثر من 8 ملايين مواطن، كما قد تتأثر محطات تحلية المياه في الحديدة والصليف وعدن على الساحل اليمني، وقد يؤدي تسريب نفطي إلى إغلاق تام لمفارخ الأسماك اليمنية التي تعيل قرابة المليوني مواطن.

(-) إقليميًا (البحر الأحمر): يتوقع في حالة التسرب النفطي أن يتأثر كل من اليمن والسعودية وإريتريا بفعل انجراف النفط إلى الشواطئ، وعرقلته لعمليات المرافئ ومحطات تحلية المياه، ولا شك أن التعرض للنفط يسفر عن أضرار بيئية جسيمة ويقضي، إضافة إلى القضاء على الكثير من الثروات الحيوانية والنباتية المطلة على السواحل في هذه الدول.

(-) دوليًا (عرقلة مسارات الشحن عبر قناة السويس): ومن المعروف أن قناة السويس هي المعبر الرئيسي لحركة التجارة العالمية، حيث ينقل من خلالها 20 % من نفط وتجارة العالم، وسيكون هذا المعبر الدولي المهم عرضة للتوقف بفعل انتشار بقع النفط الناتجة عن التسرب، كما سيؤثر ذلك سلبا على النشاط السياحي بالمنتجعات والمدن السياحة المطلة على البحر الأحمر في دول المنطقة وعلى رأسها مصر.

الحلول والعرقلة الدولية:

أعدت الأمم المتحدة خطة لإنهاء أزمة السفينة على مسارين، الأول: تركيب سفينة بديلة على المدى الطويل للخزان خلال فترة مستهدفة تمتد لـ 18 شهرا، والثاني: تنفيذ عملية طارئة لمدة أربعة أشهر من قبل شركة إنقاذ بحري عالمية من أجل القضاء على التهديد المباشر من نقل النفط من على متن ناقلة صافر إلى سفينة مؤقتة آمنة، وستبقى الناقلتان في مكانهما حتى يتم نقل النفط إلى الناقلة البديلة الدائمة وعندئذ سيتم سحب ناقلة صافر إلى ساحة ويتم بيعها لإعادة تدويرها.

وعلى الرغم من توقيع اتفاق مطلع العام الجاري، بين الأمم المتحدة ومليشيا الحوثي، لتفريغ الناقلة ، وإعلان مارتن غريفيث رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، أن هناك اتفاقًا من حيث المبدأ لنقل النفط من الناقلة صافر إلى ناقلة أخرى، دون تحديد موعد للتنفيذ، إلا أن المليشيا الحوثية انقلبت على هذا الاتفاق، وظلت الناقلة عالقة دون تحرك دولي آخر لإنقاذ الوضع الذي استمر منذ أكثر من ست سنوات، وسط إجراءات لم تتخطى التحذيرات من الأمم المتحدة من أن الناقلة يمكن أن يتسرب منها أربعة أمثال النفط الذي تسرب في كارثة إكسون فالديز قبالة ألاسكا في عام 1989.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه الكثيرون أن العوائق التي تمنع إنجاز مهمة التخلص من أزمة الناقلة صافر عوائق تقنية أو تمويلية، يؤكد سياسيون وخبراء دوليين أن ثمة عوائق سياسية هي السبب الحقيقي خلف هذه الأزمة، وأن التقنيات والخبرات اللازمة لنقل النفط إلى حاملات أخرى متوفرة، ولكن لا يزال المجتمع الدولي يراوح مكانه بعد كل المفاوضات الفاشلة مع مليشيا،فيما تستمرّ حالة خزّان «صافر» بالتدهور، وينذر بكارثة تحتاج إلى تدخل سريع وخطوات جادة من الدول الكبرى والكفّ عن تعريض الناس والنُظُم الإيكولوجية الخلّابة، كالبحر الأحمر، للخطر.

ويؤكد الخبراء أن دول مثل المملكة المتّحدة وفرنسا وألمانيا والنرويج وهولندا، إضافة إلى بعض دول منطقتنا العربية، تمتلك معدّات باستطاعتها التصدي للتسرّبات النفطية، لكن أحدًا لم يتحرك أو يرسل أية معدات تحسّبًا لأي تسرّب، في إطار تنسيق أممي، كما أن المبلغ المحدد لعملية الإنقاذ والذي يتزايد بشكل مستمر حتى وصل إلى 140 مليون دولار تقريبًا لا يشكل عائقًا أمام هذه الدول، وأمام المخصصات المالية العظيمة وصناديق العالم كـ «الصندوق الأخضر للمناخ» و«صندوق البيئة العالميّة».

 ونظرًا إلى السياق السياسي والنزاع الدائر في اليمن، من الضروري أن تتحرّك الأمم المتّحدة والمجتمع الدولي لتفادي وقوع كارثة بيئية وإنسانية وضمان إعطاء الأولوية لهذه المسألة في المفاوضات.

مماطلة حوثية:

عرقلت مليشيا الحوثي المدعومة من إيران لسنوات أي وصول أممي إلى متن الناقلة المتهالكة، لغرض صيانتها وتفادي كارثة تسرب أكثر من مليون برميل من النفط إلى المياه، واستمرت في مراوغات القبول بتفريغ الخزان، دون تبني أي موقف أخلاقي تجاه حماية بيئة البحر الأحمر، والبيئة اليمنية التي أنهكتها الحرب، وأثرت على مواردها الطبيعية، وتنصلت من تعهداتها ضمن اتفاق مع الأمم المتحدة لصيانة الناقلة،بل نشرت ألغاما بحرية في محيط الخزان النفطي، ووضعت اشتراطات في الوصول إلى الخزان، وخطط لوجيستية في عراقيل دائمة حولت الخزان إلى قنبلة موقوتة لابتزاز المجتمع المحلي والدولي.

ورجحت تقديرات عالمية، أن الميليشيا تستخدم خزان صافر، كورقة للضغط على الحكومة ومكتب المبعوث الأممي، بهدف إلغاء معايير الفحص الفني على سفن الوقود إلى الموانئ الخاضعة لسيطرتها والاستمرار في استقبال شحنات النفط الإيراني.

اليمن في قمة المناخ: 

خلال كلمته في قمة المناخ.. الرئيس العليمي: الممارسات التدميرية للحو-ثي حولت اليمن إلى أكبر حقل

أثارت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، في قمة المناخ المنعقدة في شرم الشيخ حاليًا، اهتمام العالم عندما ركز على خزان صافر باعتباره الكارثة الأكبر التي تهدد أمن اليمن والإقليم، حيث حذر من التداعيات الخطيرة من استمرار فرض مليشيا الحوثي سيطرتها على العائمة صافر، ورغبتها في تحويل البلاد إلى أكبر حقل للألغام منذ الحرب العالمية الثانية، قائلًا إن الانسكاب النفطي من خزان صافر، يهدد بأعظم كارثة بيئية في العالم.

ووجه الاتهامات إلى المليشيا لوضعها العوائق أمام جهود السلام، ورفضتها تمديد الهدنة، واستهدافها المنشآت النفطية، وتوسيعها الهجمات في قلب الممرات التجارية الرئيسة في العالم، مؤكدًا أن القرارات المتخذة في قمة المناخ من الممكن أن تؤثر إيجابًا على حياة ملايين المواطنين اليمنيين، والذين فقدوا نصف ناتجهم خلال الـ8 سنوات الماضية.

بناء علي ما سبق، فإن مخاطر كبيرة ستضرب الإقليم حال تفاقم أزمة العائمة صافر، تعرقل على المدى القريب عمل محطات تحلية المياه، ومسارات الشحن في قناة السويس، وإغلاق مفارخ الأسماك، وتلوث الهواء، فضلًا عن تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن نتيجة غياب القدرة على الوصول إلى المساعدات واللوازم الطبية، والأضرار البيئية الجسيمة التي قد تصيب الشعاب المرجانية والأراضي الرطبة الساحلية بالأخص في اليمن والسعودية وإريتريا، كذلك.

وعلى المدى البعيد، ستتلوث الأسماك والشواطئ بالمكونات الكيميائية السامة في النفط الخام، بالإضافة إلى الأضرار البيئية الجسيمة التي قد تصيب الشعاب المرجانية والنظم البيئية الساحلية الأخر، والتي من المحتمل أن تدوم لسنوات عدة كما لوحظ في الكثير من حوادث التسرب النفطي السابقة، حيث ظلت آثار التلوث النفطي الناجم عن تسرب النفط من ناقلة (إم في بريستيج) إلى المحيط الأطلسي في العام 2002 مستمرة لمدة ثلاثة أعوام بعد تحطم الناقلة وانسكاب حمولتها.

من مجمل ما تم طرحه، يمكن القول إن هناك اختبار نهائي لجدية المجتمع الدولي في إنهاء أزمة صافر، وإنقاذ منطقتنا العربية من خطر التلوث البيئي الدائم، حيث قدتم توفير المبلغ المطلوب لتنفيذ خطة الأمم المتحدة المشار إليها سابقًا، وبقي التعنت الحوثي، فهل يخضع المجتمع الدولي لجماعة الحوثي، أم أن المجتمع الدولي سيتخذ إجراءات عقابية فورية ضد هذه الجماعة وتنفيذ خطط الأمم المتحدة في خزان صافر؟.

على عبد الجواد

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي.. مهتم بدراسة شئون اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى