لماذا تفشل دعوات “الإخوان” للتظاهر في مصر؟

منذ أسابيع أطلق عدد من المصريين الهاربين خارج البلاد، الذين ارتكبوا جرائم دماء بعد ثورة الـ 30 من يونيو عام 2013- دعوة للتظاهر بمصر في يوم الـ 11 من نوفمبر المقبل، تزامناً مع موعد عقد قمة المناخ التي تستضيفه مصر في ذات التاريخ.

رصد ومتابعة صفحات التواصل الاجتماعي للجماعة الإرهابية، يشير إلى محاولة استغلالهم للانعكاسات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصري، كغيره من دول العالم المتأثرة- حيث تحاول عناصر الجماعة الإرهابية، الحشد عبر منصاتها وقنواتها الإعلامية، بهدف حدوث اضطرابات، التي في تقديرنا أصبحت مستحيلة الحدوث في هذا التوقيت، نظرا لوعي الشعب بالأهداف القذرة للإخوان.

تأسيسا على ما سبق، يبقى السؤال، وهو: ما هي الجبهة الداعمة للتظاهرات داخل جماعة الإخوان؟، وما هي الترتيبات التي قامت بها هذه الجبهة لتحقيق هدفها؟، وما مدى استجابة المصريين لدعوات الجماعة في هذا التوقيت؟.

دعوات حشد فاشلة:

لم تكن تلك الدعوة التي تدعوا لها جماعة الإخوان الإرهابية والمتحالفين معها في هذا التوقيت، هي الأولى منذ سقوط الجماعة، بل سبق تلك الدعوة، عشرات من الدعوات الفاشلة منذ إزاحة الجماعة عن الحكم في مصر ٢٠١٣، كان أبرزها دعوة للتظاهر أعلنت عنها الجماعة عقب سقوطها في ٢٢ يناير٢٠١٤، التي رفض الشعب الاستجابة لها، تلتها دعوة في ذكري ٣٠ يونيو من نفس العام، ودعوة ١١ نوفمبر ٢٠١٦ تزامنا مع بداية إجراءات تخفيض الدعم وأطلقت عليها الجماعة مظاهرات الغلابة، إلي أن انطلقت أولي الدعوات في ٢٠ سبتمبر٢٠١٩ علي يد المقاول المصري الهارب في اسبانيا محمد علي بالتحالف مع جماعة الإخوان الإرهابية، وآخرها دعوة أطلقتها الجماعة في مارس الماضي باسم ثورة الغلابة أيضا.

بناء على ما سبق؛ يمكن التأكيد على فشل كل محاولات الجماعة للحشد أو إحداث أي تأثير يذكر في الشارع المصري، لأسباب أهمها، أن جماعة الإخوان الإرهابية لم يعد لها وزن أو أنصار حقيقيين على الأرض، بل أصبح حدود تأثيرها لا يتعدى الواقع الافتراضي عبر السوشيال ميديا. أما السبب الأخر، فهو: أن الشعب المصري حريص على الاستقرار، وما تزال في ذاكرته أحداث الفوضى التي ارتكبتها الجماعة منذ يونيو 2013، والتي استمرت لسنوات، وتسببت في مزيد من التعسر الاقتصادي وسوء الأوضاع المعيشية.

جهات فوضوية وجماعة عنف:

بتتبع ورصد الصفحات والمداخلات عبر قنوات الإخوان التي تدعو إلي التظاهر يوم ١١ نوفمبر، نجد أن ٩٠٪ من الذين يروجون لها، هم عناصر تابعة للجماعة الإرهابية، ويتضح ذلك من طبيعة المفردات المستخدمة التي لا يتلفظ بها بشكل تلقائي سوي أعضاء الجماعة مثل (العسكر، دم رابعة، الرئيس المسلم، الانقلاب.. وغيرها)، بالإضافة إلي بعض من الشخصيات المستقلة غير المحسوبة على تيار بعينه، التي تعمل منذ سنوات على إسقاط الدولة المصرية لوجود خصومة شخصية مع بعض مؤسسات الدولة، بسبب إصدار أحكام قضائية ضدهم في قضايا مخلة بالشرف وفيديوهات إباحية، مما منعهم من العودة إلي مصر طوال سنوات ماضية لسوء السمعة، وفشلهم في تحقيق أي نجاح.

تأسيسا على ما تقدم؛ قد تحاول الجماعة الإرهابية تصدير بعض عناصرها إلى الشارع، بهدف إثارة المصريين للتظاهر، وهذا ما تأكده  مخرجات وثيقة أصدرها التيار الثالث (أنصار القيادي محمد كمال الذي قتل منذ سنوات) تحت عنوان ” الإصدار السياسي لتيار التغيير” التي تعد بمثابة إشارة مشفرة لعناصر الإخوان للقيام بموجة عنف جديدة، وهناك مجوعة مؤشرات تشير إلى أن الدعوات مقتصرة على الجماعة الإرهابية، هي كالتالي:

(*) تتصدر العناصر التي تدعوا لتلك التظاهرات، الميلشيات المسلحة مثل “حركة حسم، ولواء الثورة” التي عقدت مؤتمرها العلني بتركيا مدينة إسطنبول يناير الماضي، فاستغلت هذه الجماعات الانقسام داخل التنظيم بين جبهة إبراهيم منير ومحمود حسين، الذي يسعا أحد أطرافه للتصالح مع النظام المصري بين الحين والآخر، وجمعوا بعض الشباب الإخواني حولهم استغلال لهذه الخلافات داخل الجماعة تحت شعار “الجهاد ومقاومة السلطة في مصر”.

(*) تأسست في يناير مطلع العام الجاري جمعية اخوانية جديدة تحت اسم “ميدان” عن طريق القيادي الإخواني رضا فهمي، تستهدف القيام بعمليات إرهابية في مصر وبعض الدول العربية الأخرى، مستغلة الأوضاع الاقتصادية الصعبة بسبب الحرب الأوكرانية، وأعلنت أهدافها لإحداث عنف من خلال مؤتمر تحت عنوان “شباب التغيير.. عقد من النضال وخطوة للمستقبل”، وأعلن فهمي أن التيار الثوري فقد كل أدواته، لذا سيعود إلي العمل المسلح.

(*) بث فيديوهات وإذاعة أخبار كاذبة من خلال حلفاء الجماعة، تروج كذباً بوجود دعم داخلي للتظاهر، والرغبة في أحداث فوضى يوم ١١ نوفمبر، كمحاولة لكسب قطاع متأثر بغلاء الأسعار، الذي يحرص على الاستقرار، خاصة وأنه لديه إدراك بأن دعوات الجماعة الإرهابية، وعدم الاستقرار يزيد من الضغوط الاقتصادية.

انفصال حزبي عن دعوات الإخوان:

قراءة وتحليل المشهد المصري في الوقت الراهن، يشير إلى انفصال كامل بين جماعة الإخوان التي تدعوا للتظاهر وغيرها من الأحزاب المصرية والقوى المدنية، حيث تلاحظ رفض كل القوى السياسية والحزبية، بما فيها حزب النور السلفي لدعوات الإخوان، بل اعتبروها غير مؤثرة، هو ما يؤكد أن جماعة الإخوان الإرهابية، هي الجهة الوحيدة التي تدعو إلي تظاهرات في ١١ سبتمبر. بالتالي، الواقع يشير إلى غياب أي بوادر أو رغبة في المشاركة لدى أي من الأحزاب القوى المدنية المصرية، وهذا يؤكده قبول أغلب الأحزاب والتيارات السياسية لدعوة الحوار الوطني فيما عدا بعض عناصر اليسار الموجودين خارج مصر، والذين لم يؤيدوا أو يستنكروا دعوات الإخوان للتظاهر حتى تاريخه.

 بقراءة وتحليل حسابات محسوبة على بعض الفصائل كالجماعة الإسلامية والدعوة السلفية باستثناء السلفية الجهادية، نجد أنه لا أحد يدعو إلي الخروج والتظاهر أو يؤيد تلك الدعوات، بالإضافة إلي أن رصد المداخلات عبر قنوات الجماعة، يؤكد أنها قادمة من عناصر إخوانية فقط، مستخدمة انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الأوضاع الاقتصادية للناس، مشوهين أراء بعض المدخلات التليفزيونية التي ترفض التظاهر، حيث يطلقون علي أصحابها فور انتهاء المداخلة بـ “لجان أمنية” للتشويه والتقليل من رأيهم.

إدراك خاطئ لأهمية التوقيت:

اختارت الجماعة هذه المرة إطلاق دعوات التظاهر في توقيت تحتفي فيه الدولة المصرية بجميع رؤساء العالم، معتقدة خطأ أنه توقيت يمكن استغلاله، وذلك على النحو التالي:

(&) سوء تقدير تعودت عليه الجماعة الإرهابية، لدى الإخوان تصور مغلوط بأن اختيار ١١ نوفمبر، وهو يوم انعقاد مؤتمر المناخ، قد يساعد على توصيل رسالتها، وبالتالي إفشال فعاليات المؤتمر من جهة أخري.

(&) تصور خاطئ: تحرص الجماعة على محاولة تشبيك المتأثرين من غلاء الأسعار المنعكس عالميا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فهي لديها تصور خاطئ وفقا لرصدها المزعوم لبعض صفحات التواصل الاجتماعي، بأن هناك حالة من الغضب في الشارع المصري، ربما ينجح في خروج الأعداد المطلوبة من غيرهم كغطاء للجماعة للقيام بأعمال عنف.

(&) ظروف مغايرة وقياس مغلوط: تظل جماعة الإخوان تقيس الأمور بمنظور مغلوط، حيث لديها تصور خاطئ أن خروج مظاهرات في تونس من أنصار حركة النهضة، قد يساعد على إثارة الشعب المصري، فهي تروج لذلك عبر فضائياتها الشريرة.

من مجمل ما سبق؛ أن جماعة الإخوان تظل مغيبة عن الواقع، فهي تتصرف قياساً على واقع الدولة المصرية شعباً ومؤسسات قبل 2011، فهي تحاول إنكار التغير الذي حدث في شأن مؤسسات الدولة والمواطن، وعليه فإن الفشل يظل ملازم لدعواتها بالتظاهر التي تطرق أبوابه بين الحين والآخر منذ عام 2014.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في القانون الدولي. - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى