لماذا يفشل المجتمع الدولي في التعامل مع ظاهرة تمويل الإرهاب؟

يتعرض المجتمع الدولي لقضايا تمويل إرهاب تمارس من قبل دول وأشخاص(اعتبارية أو طبيعية) يعجز أمامها عن القضاء علي ظاهرة الإرهاب، أخرها ثبوت تهمة تمويل ودعم شركة “لافارج” الفرنسية لتنظيم الدولة الإسلامية وهيئة تحرير الشام في سوريا، فضلا عن اتهامات لم تثبت بعد بالتواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مما يطرح الأسئلة البحثية عن؛ مدي قدرة التشريعات الدولية علي مكافحة جريمة تمويل الإرهاب؟، ومدي مصداقية المجتمع الدولي في الرغبة في القضاء عليه بتجرد علي تلك الجريمة؟، وما العوار التشريعي الذي يعوق تحقيق الردع العام الدولي في هذا الشأن؟

سجل من جرائم تمويل الإرهاب:

اعتمدت بعض الدول والأنظمة فضلا عن الشركات والجمعيات والأفراد، تمويل الإرهاب سياسة لها في التعامل مع النظام الدولي والتنظيمات الإرهابية التي باتت أحد أقطاب المعادلة الدولية، وذلك بهدف تحقيق مطامع سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية، فيما يلي بعض منها على سبيل المثال لا الحصر، منها ما يلي:

(*) تعد تركيا على رأس الدول التي ثبت بالوثائق دعم وتمويل التنظيمات الإرهابية بصور شتي؛ ففيما يتعلق بدعم الإرهاب؛ وفقا لتقارير نيويورك بوست فقد رصد مظاهر تسامح واستضافة لأشخاص تروج وتمارس وتمول الإرهاب، فحتى هذا التاريخ يتنقل إرهابيو داعش داخل الحدود التركية، وتترك لهم مساحات العمل للتجنيد والتدريب والعلاج داخل المستشفيات التركية، بفعل غض الطرف من قبل أجهزة إنفاذ القانون التركية عن عناصر على قوائم الإرهاب الأمريكي، وتتعامل المحاكم التركية مع المطلوبين للمحاكمة بكل تراخي ويتم إطلاق سراحهم في انتظار المحاكمة أو منحهم السراح المشروط.

(*) أما فيما يتعلق بتمويل الإرهاب؛ تظهر وثائق التحقيقات في سوريا ضلوع تركيا والفصائل المدعومة منها في تحويل مبالغ إلي النساء الداعشيات في مخيم الهول، فضلا على إرسال الأموال خارج النظام المصرفي من دول أوربية يتم جمعها من خلال حملات على تليجرام لمساعدة الداعشيات على الهرب من المخيم، كما تنشط بعض الجمعيات الخيرية في دول أوربية بالتعاون مع جمعيات تركية نشطه لنقل الأموال من هذه الدول إلي تركيا ثم إلي داعش في سوريا.

إضافة لما سبق؛ رصد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية شركات مالية وأشخاص في العراق وتركيا وبلجيكا تقوم بتحويل مبالغ مالية لدعم وتمويل تنظيم داعش مثل شركة تواصل والخالدي للصرافة والحرم للصرافة ومؤسسة نجاه للرعاية الاجتماعية ومقرها أفغانستان.

(*) اثبت استهداف زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري من قبل القوات الأمريكية منذ أشهر أن حركة طالبان تدعم تنظيم القاعدة من خلال توفير لعناصر التنظيم الملاذات الآمنة ووسائل التجنيد والتدريب وربما التمويل، رغم ذلك لم تتعرض حركة طالبان للمساءلة الدولية بسبب ذلك.

مما سبق يتضح؛ أن النماذج السابق ذكرها لدعم وتمويل الإرهاب، هو نقطة في بحر من جرائم تمارسها بعض الأنظمة والأفراد والمؤسسات دون أن تتعرض للمساءلة الدولية عن ارتكاب جريمة تشكل أهم أضلع الإرهاب في العالم، وإن تعرضت تلك الجهات للمساءلة فإنها لن تسفر إلا عن عقوبات اقتصادية بما تشكله من الجانب المدني للعقوبة، وعليه يمكن طرح السؤال، وهو: أين الجانب الجنائي إذن؟ فإذا كان الشق المدني يقع على عاتق الأشخاص الاعتبارية (الدول) فالشق الجنائي يقع على عاتق الأشخاص الطبيعية (الأنظمة) بما يحقق الردع العام.

إطار تشريعي قاصر:

قصرت التشريعات الدولية المساءلة عن جريمة تمويل الإرهاب على القضاء الوطني فوفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية:” تكفل كل دولة طرف على وجه الخصوص، إخضاع الأشخاص الاعتباريين الذين تلقي عليهم المسئولية وفقا لهذه المادة لجزاءات جنائية أو غير جنائية فعالة ومتناسبة ورادعة بما في ذلك الجزاءات النقدية، ولا تخل هذه المسئولية بالمسئولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين الذين ارتكبوا هذه الجرائم”

كما تؤكد الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب على نفس الاتجاه، وهو محاكمة المسئول عن جريمة تمويل الإرهاب أمام القضاء الوطني، مما يخفف من وقع وتأثير العقوبة على المتلقي بما يصطدم مع تحقيق الردع العام دوليا.

بناء على ما سبق؛ فتتعرض الشخصيات الاعتبارية الممولة للإرهاب لعقوبات مالية كما حدث في قضية الشركة الفرنسية لافارج دون التعرض لتوقيع عقوبات على الأشخاص المسئولين عن الشركة بصفتهم الشخصية، كما يسمح القانون الدولي لتعرض الدول لعقوبات اقتصادية كإيران مع عجز النظام الدولي لإخضاع الأشخاص أو الأنظمة للمساءلة أمام الجنائية الدولية عن جريمة تمويل ودعم الإرهاب لوجود معوقات تشريعية وسياسية تحول دون ذلك، يمكن توضيحها كالتالي:

(&) عدم التوافق الدولي حول تعريف موحد ومحدد للإرهاب وتمويله، فبعض الدول تصنف بعض التنظيمات إرهابية ودول تتعامل معها باعتبارها كيان مشروع أو هيئة تحرير وطنية أو جماعة معارضة، مما يقف حجر عثر أمام التكييف القانوني لجريمة الإرهاب وتمويله دوليا.

(&) ازدواجية المعايير التي تتعامل بها بعض الدول، فبعض الدول تتعامل وفقا لمعايير سياسية برجماتية بحتة بمعزل عن القوانين والأعراف الدولية، كتعامل الولايات المتحدة مع حركة طالبان في أمريكا، فالولايات المتحدة عقدت اتفاق الدوحة ٢٠٢٠ مع حركة طالبان، بموجبه استلمت الحركة السلطة في أفغانستان، حيث تركت القوات الأمريكية كثير من المعدات والأسلحة الأمريكية للحركة خلفها، بما يعد دعم وتمويل للإرهاب من قبل أمريكا للحركة التي مازالت مصنفة إرهابية على قوائم الإرهاب الأمريكية وكثير من الدول الأخرى حتى تاريخه.

(&) تراجع لجان المراجعة الأمريكية قوائم الإرهاب كل خمس سنوات وترفع وتضيف على قوائم الإرهاب جماعات، دون وجود معيار يعتمد على الوضوح والشفافية.

(&) وجود معوق تشريعي يحول دون محاكمة قادة الأنظمة والشخصيات الممولة والداعمة للإرهاب أمام المحكمة الجنائية الدولية (يتعلق بالاختصاص الموضوعي للمحكمة) بما يتوافق مع خطورة تلك الجريمة التي تودي إلي ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم عدوان نظرا لتطور طبيعة الجريمة ومنطلقاتها ووسائل وصور دعمها وتمويلها.

(&) عدم رغبة الدول الصناعية الكبرى في التوافق حول تعريف جريمة العدوان الذي من شأنه أن يضع داعمي الإرهاب في نطاق الاختصاص الموضوعي للجنائية الدولية، وذلك إذا تم اعتماد التعريف الذي اقره”مؤتمر كمبالا ٢٠١٠”، الذي اعتمد تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار ٣٣١٤ لعام ١٩٧٤ ، حيث نص في الفقرة السابعة كأحد أمثلة جريمة العدوان:”إرسال عصابات آو جماعات مسلحة آو قوات نظامية آو مرتزقة من جانب دولة ما آو باسمها تقوم ضد دولة أخري بأعمال من أعمال القوات المسلحة تكون من الخطورة ……أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك”.

نتيجة مظلمة:

نتيجة لوضع المنظومة الدولية السابق تفصيله، فشل المجتمع الدولي في التعامل الحاسم مع تمويل ودعم الإرهاب الذي يعد الرئة التي تستمد منها التنظيمات الإرهابية استمرارية نشاطها. بناء عليه؛ فشلت الاستراتيجيات الدولية لمكافحة الإرهاب فرغم القضاء على قيادات الكثير من التنظيمات الإرهابية وفصائلها وأفرعها حول العالم، إلا أن تلك التنظيمات مازالت تقوي كل يوم وتكسب ارض جديدة في كل مناطق تمركزها.

 فقد نجحت “هيئة تحرير الشام” التابع لتنظيم القاعدة سابقا السيطرة على مدينة عفرين في سوريا في الأيام القليلة الماضية، كما يرتكز داعش في ديالي غرب العراق محدثا عمليات ذات تأثير واسع في كافة أنحاء العراق، وتكسب داعش خراسان كل يوم مساحات جديدة داخل أفغانستان، فضلا عن ضياع بعض الدول بسبب أنها أصبحت مرتعا للتنظيمات الإرهابية بمختلف فصائلها ومسمياتها، مما يؤكد على أهمية قطع الطريق على وسائل تمويل ودعم تلك الجماعات، ومحاسبة الكيانات والدول الممولة والداعمة لتلك الجماعات دوليا بشكل مجرد.

أخيرا؛ من مجمل ما سبق يتضح ضرورة إدخال تعديلات جوهرية على المنظومة التشريعية الدولية، من أجل تحقيق الأمن والسلم الدوليين وتفعيل دور القانون الدولي باعتباره قواعد ملزمة وليست قواعد أدبية وإنسانية فحسب، تحقيقا لخواص القواعد القانونية باعتبارها قواعد عامة مجردة وتحقق الردع العام والردع الخاص على غرار القواعد القانونية الداخلية.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في القانون الدولي. - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى