تداعيات تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا

شهدت السنوات الأخيرة صعودا قويا لليمين الراديكالي المتطرف في جميع أنحاء أوروبا، ليس على مستوى الخطاب والتوجه فحسب، بل وصل الأمر إلى حصول أحزاب اليمين المتطرف على مقاعد في البرلمانات الوطنية في بعض العواصم، بل والوصول إلى السلطة في البعض الآخر، وتجاوز ذلك أيضا حتى وصل إلى داخل البرلمان الأوروبي، إذ أصبح اليمين الراديكالي يشكل ما يقارب ثلث أعضائه، الأمر الذي ضاعف الشكوك حول استمرارية التكامل الأوروبي.

وقد يعتبر انتقاد رئيس المفوضية الأوروبية السابق جون كلود للأفكار القومية في ٢٠١٨، ووصفه لها بـ ” القومية غير الصحية، ومليئة بالخداع ” في الدول الأوروبية، إشارة واضحة لتلون المشهد السياسي في أوروبا.

وبناءا على ذلك، يتناول هذا التحليل فكرة تصاعد الأحزاب اليمينية، وأسباب تلك الظاهرة، وتداعياتها، مع رصد لأهم الدول التي سيطرت عليها الأفكار اليمينية.

تصاعد لافت:

الأفكار القومية واليمينية كانت حاضرة دائما في السياسة الأوروبية، ولكن خلال السنوات الأخيرة أصبحت الأحزاب اليمينية صاحبة الأفكار الشعبوية تحظى بتأييد كبير وملحوظ، بما يمثل اتجاها واسعا لتكبيع الظاهرة في دول القارة الأوروبية بوجه عام، وأبرزها:

(*) ففي إيطاليا؛ أصبحت جورجيا ميلوني زعيمة حزب إخوة إيطاليا اليميني المتطرف في إيطاليا أول سيدة تحكم البلاد بعد أن فاز التحالف الذي تقوده في الانتخابات في سبتمبر الماضي، في أحدث مؤشر على أن اليمين بات يهيمن على الساحة الأوروبية، وهي نتيجة لم يكن يتمانها الكثير من المسئولين الغربيين عموما، وفي إيطاليا بالذات، حيث اعتبر البعض أن تصاعد اليمين في إيطاليا سيكون بمثابة تصاعد للفاشية مرة أخرى في روما.

(*) وفي السويد أيضا؛ حقق تيار اليمين المتطرف الذي يمثله حزب الديمقراطيين القومي اليميني المتطرف انتصارا مفاجئا في النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي أجريت في أغسطس الماضي، حتى أن رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها مجدالينا أندرسون اعترفت بهزيمة حزبها بعد أن حكم البلاد منذ ٢٠١٤.وجاء انتصار اليمين المتطرف نتيجة طبيعية لتصاعد ملحوظ في السنوات الأخيرة، وتزايد في نسبة الأصوات منذ انتخابات ٢٠١٠ و ٢٠١٨، انتهى به إلى الفوز أخيرا.

(*) هذا بالإضافة إلى المجر، حيث ينتمي رئيس وزرائها الحالي فيكتور أوربان لليمين المتطرف الشعبوي، الذي دوما ما ينتقد فكرة الاختلاط بين الأوروبيين وغير الأوروبيين، فيما يعرف بفكرة ” خلط الأعراق “.

(*) وبريطانيا، التي تحكمها رئيسة وزراء يمينية أيضا، وبولندا التي تسببت العقليات اليمينية لمسئوليها بأزمة إنسانية كبيرة للاجئين على الحدود مع بيلاروسيا أواخر العام المنصرم. وغيرها كثير من الأمثلة الأوروبية.

كذلك ألمانيا، بعدما صعد حزب البديل من أجل ألمانيا المنتمي للتيار اليميني نفسه ليصبح رقماً صعباً في الانتخابات الألمانية السابقة وقبل السابقة.

(*) أما فرنسا، فقد كان الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون على شفا حفرة من هزيمة كانت مرجحة بشكل كبير أمام اليمين المتطرف، بعد أن كادت مارين لوبان زعيمة اليمين أن تصل إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية في أبريل المنصرم، قبل أن تخسر أمام ماكرون بفارق ضئيل. كما أن لوبان لم تكن المرشحة الوحيدة التي تمثل اليمين في الانتخابات الرئاسية، حيث شهد السباق الانتخابي منافسه العديد من المرشحين اليمينيين، أمثال إيريك زمور. كما حقق تكتل لوبان اليميني نتيجة تاريخية في الانتخابات البرلمانية في يونيو الماضي، بعدما فاز بأكثر من 100 مقعد للمرة الأولى في تاريخ فرنسا.

تداعيات محتملة:

من المتفق عليه في أروقة السياسة أن السمة الرئيسية الغالبة على الجماعات والأحزاب المنضوية تحت لواء اليمين بشكل عام، سواء أكانت أحزاباً داخل السلطة أم أخرى معارضة لها، هي تلك الأبواق التي تتحدث دوما عن وجود تهديد عرقي أو ثقافي ضد العرق الأوروبي، والقادم من قبل مجموعات تصفها بأنها ” دخيلة ” على المجتمع، وعن ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية، ومن ثم تأتي سياسة اليمين المتطرف التي تعارض الهجرة والمهاجرين بشدة.

أضف إلى ذلك سياسة التحيزات الدينية؛ إذ تعتبر الأحزاب اليمينية نفسها موكلة بالدفاع عن الديانة والقيم المسيحية في مواجهة الديانات الأخرى، الأمر الذي يثير صراعات وانتقادات للديانات الأخرى ومعتنقيها، وخاصة الدين الإسلامي، ومن ثم يستمر الترويج لفكرة أنهم يشكلون بؤرا للإرهاب، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في مختلف أرجاء أوروبا أكثر وأكثر، خاصة وأن بروز اليمين المتطرف في أوروبا تزامن مع ظهور الإسلاموفوبيا في المجتمعات الأوروبية في السنوات الأخيرة.

وقد يضاعف من مخاوف الجاليات المسلمة في أوروبا، أو المهاجرين عامة، سعي بعض الحكومات الأوروبية في ظل تصاعد الأحزاب اليمينة، واتساع القاعدة الشعبية المؤيدة لها يوما بعد يوم بشكل ملحوظ،  للمزايدة على ما تطرحه أحزاب اليمين المتطرف، عبر تبني خطاب يتماهى مع خطاب تلك الأحزاب، بهدف استعادة الأصوات الانتخابية التي استحوذ عليها اليمين مؤخرا، الأمر الذي قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ خطوات ضد الجاليات المسلمة لتعزيز موقعها في الشارع الانتخابي. ويعتبر تصريح سابق للرئيس الفرنسي في أواخر ٢٠٢٠ إشارة مقلقة حيال هذا الأمر، حينما قال أن مسلمي فرنسا يشكلون ” مجتمعا مضادا “، وأن الإسلام يواجه ” أزمة في مختلف دول العالم. علما بأن عدد مسلمي فرنسا تجاوز ٦ مليون مواطن وفقا للبيانات الرسمية.

وبعدما وصل صعود اليمين الراديكالي الاتحاد والبرلمان الأوروبي، اعتبر مراقبون أن هذا الأمر بمثابة تهديد محتمل لتماسك التكتل الأوروبي، كما من شأنه زيادة النزعة المتطرفة في الأوساط السياسية في أوروبا بوجه عام، خاصة في ظل التنسيق المتبادل بين التكتلات اليمينية في مختلف أنحاء القارة، كما هو حاصل بين بولندا وإيطاليا والمجر، فقد سبق وأعربت جورجيا ميلوني ( رئيسة وزراء إيطاليا ) عن تقديرها الكبير لسياسة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

استغلال للفرص:

خلال السنوات الأخيرة، استمر زحف اليمين السياسي المتطرف في أوروبا، ونجح في تشكيل بقعة اتسعت مع الوقت في كل استحقاق انتخابي، وهو ما أثار التساؤلات حول أسباب هذا النجاح الذي طال عدد من العواصم الأوروبية الهامة، ويتمثل أهمها في:

استغلال الأحزاب اليمينية خلال الفترة الأخيرة لعثرات الحكومات القائمة، والعمل على انتقادها، واستغلال مشاعر السخط لدى الرأي العام المحلي تجاه سياسة تلك الحكومات لصالحها، وتزامن هذا التكتيك مع سوء الأوضاع الاقتصادية في الدول الأوروبية.وهي نفس الاستراتيجية التي اتبعتها الأحزاب اليمينية في بولندا وإيطاليا وفرنسا، خاصة بعد التداعيات السلبية التي سببها فيروس كورونا.

كما استفادت الأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا بشكل كبير من المخاوف الأمنية والثقافية والاقتصادية بين الأوروبيين بسبب موجات الهجرة المتكررة منذ عام 2015، حتى أصبح نتيجة التعبئة السياسية التي انتهجتها الأحزاب اليمينية طيلة الفترة الماضية، هو ظهور توجه جديد في الشارع الأوروبي رافض لسياسات اللجوء والهجرة التي تتبعها عدد من دول أوروبا، بما يتواءم مع برامج الأحزاب اليمينية المعادية بالطبع للمهاجرين. وليس أدل على ذلك من الأزمة الأخيرة بين بيلاروسيا وبولندا، بعدما رفضت الأخيرة استقبال المهاجرين على الحدود بين البلدين.

وأيضا فقدان الشارع الأوروبي للثقة في الحكومات القائمة، والتابعة لما يسمي بتيار الوسط واليسار على مدار العقود الماضية، نتيجة عدم قدرتها على حل المشكلات التي بدأت تقتحم القارة بشكل عام، وخاصة المشكلات الاقتصادية، وأصبح المواطن الأوروبي هو من يدفع الفواتير نتيجة لسياسات الحكومة. خاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في عام 2008، وما أعقبها من دعوات للمواطنين بالتقشف.

وفي العامين الأخيرين، استغلت الأحزاب اليمينية أزمة فيروس كورونا لتأجيج المشاعر الساخطة لدى المواطنين، بسبب عدم استجابة الحكومة لوباء كورونا، والانتشار الواسع للمعلومات المضللة، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتي وفرت مساحة أوسع للأفكار السياسية اليمينية المتطرفة والمحافظة التي تنم عن كره الأجانب، واستغلت تلك النقطة لترويج الأفكار المعادية للمهاجرين، باعتبارهم ناقلين للعدوى. وهو ما بدى أثره سريعا في إيطاليا بعد أول انتخابات منذ أزمة كورونا.

وحاليا ساعدت الحرب الأوكرانية في تنامي الشعور القومي والهوياتي لدى قطاع كبير من الأوروبيين. وهو عامل رئيس في تفاقم الوضع، وانتقال عدوى اليمين إلى دول مثل السويد وإيطاليا.

كما تكمن قوة الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، والآخذة في التزايد، في استراتيجيات التعبئة الناجحة حتى الآن عبر التضخيم من أخطاء الحكومات، كما يعتبرها البعض أكثر مرونة في التنظيم، ونخبها أكثر حساسية للتغيرات الاجتماعية الحالية، ولديها قدرة كبيرة على التكيف مع تلك التغيرات. كما فعلت مارين لوبان في فرنسا بعد خسارتها انتخابات ٢٠١٧، وعزلت والدها عن رئاسة الحزب، وأعلنت عن عدم تأييدها لسياسته، وكانت النتيجة أن أصبحت ندا قويا في الانتخابات الأخيرة.

وعليه، نجح اليمين المتطرف في تبني خطاب يربط المشكلات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي ظهرت في أوروبا منذ عام 2008، بالمشكلات الأمنية والتهديدات الإرهابية، وخاصة تلك الناتجة عن الهجرة وتدفق اللاجئين، مع الترويج بعزمه إيجاد حلول لتلك المشكلات.

وقد أدى مجمل ما سبق إلى اتساع القاعدة الشعبية للأحزاب اليمينية في أهم دول القارة الأوروبية.

استفادة روسية:

يرتبط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعلاقات وثيقة مع ممثلي اليمين المتطرف في أوروبا، تتضمن الدعم السياسي والإعلامي والمالي، في مقابل دعم وتأييد سياساته، بما يسّهل عليه عملية اختراق القارة الأوروبية شيئا فشيئا، حتى يؤدي في الأخير إلى زعزعة الوحدة الأوروبية، وتزايد التهديدات الأمنية الداخلية الناتجة عن النزعة المتطرفة، التي باتت تسيطر على المواطنين. ومن خلال بعض الأمثلة يتضح المقصود من الاستفادة الروسية من تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا:

  1. حينما سُئل اليميني المتطرف الفرنسي والمرشح الرئاسي السابق إريك زمور عن موقفه من الحرب الروسية على أوكرانيا، كان موقفه مؤيد لبوتين، وكان رده أن “بوتين يدافع عن مصالحه؛ هو رجل وطني، ومن الشرعي أن يدافع على مصالح بلاده”. كما رفضت أيضا مارين لوبان الإدانة الصريحة لروسيا أو بوتين، وهي معروفة أيضا بعلاقاتها الوطيدة مع الرئيس بوتين، حتى وإن حاولت التملص من علاقاتها بروسيا قبل الانتخابات، إلا أن ذلك قد يكون في إطار الدعاية الانتخابية. كما سبق لها وأن أيدت ضم روسيا للقرم، ووصفت تلك الخطوة بـ ” المشروعة، لأن القرم معروفة تاريخيا بأنها روسية “.
  2. ووفقا لتقارير إعلامية في ألمانيا، فإن عددا كبير أمن نواب حزب ” البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف على علاقات وثيقة بروسيا. وفي بريطانيا أيضا، بعدما أيد زعيم حزب بريكست الدور الروسي في ليبيا وسوريا، واعتبره قادرا على ” ثني الغرب ” الذي شارك في سفك الدماء بعد دعمه للثورات في ليبيا وسوريا. ناهيك عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو من أشد مؤيدي بوتين، حتى في خضم الحرب الأوكرانية.
  3. كما يبدو أن زعيم حزب ” رابطة الشمال ” ماتيو سالفيني في إيطاليا يُكن إعجابا متناهيا لبوتين، لدرجة أنه نشر في وقت سابق صورة شخصية مرتديا فيها قميصاً عليه وجه بوتين مرفقاً به عبارة “جيش روسيا “. كما يعتبر المستشار النمساوي السابق سيباستيان كورتس صديقا مقربا لبوتين، حيث دعا لتطبيع العلاقات مع روسيا، ورفض العقوبات الأوروبية عليها، ووصفها ب ” البائسة “.

فما يجمع اليمين المتطرف الأوروبي وروسيا؛ هو العداء المشترك للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لأنهم يشتركون في النزعة القومية، كما يرى اليمينيون الأوروبيون في بوتين ذلك القائد الذي يدافع عن سيادة وطنه والقيم المحافظة، ويتحدى الهيمنة الأمريكية وفكرة الاتحاد ووحدة القرار الأوروبي، واتضح هذا الانقسام فعليا خلال الأزمة الأوكرانية، ومن المرجح أن يستمر بوتين في دعم اليمين الأوروبي لتوسيع نفوذه داخل القارة، وتوسيع نطاق مؤيديه أيضا، بما يعرقل القارات الغربية المعادية لروسيا.

وأخيرا، فإن صعود تيار اليمين المتطرف الشعبوي في البلدان الأوروبية قد لا يتوقف عند حدود إيطاليا والمجر وفرنسا وألمانيا وهولندا، فهناك دول أخرى مرشحة للسقوط في قبضة التيار اليميني، أبرزها رومانيا والنمسا وإسبانيا، وهو ما قد يترك انعكاسات خطيرة على الأوضاع في القارة الأوروبية والعالم أجمع، كما سيترك تداعياته على ملفات بعينها، أبرزها الهجرة والجاليات المسلمة.

وردة عبد الرازق

باحثة في الشئون الأوروبية و الأمريكية، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى