لماذا تكرر انقلاب بوركينا فاسو في أقل من عام؟

حققت بوركينا فاسو رقما قياسيا فى التغيير غير المشروع للسلطة عبر الانقلابات العسكرية، فللمرة التاسعة منذ استقلالها عام 1960، يتم الانقلاب على السلطة القائمة فى هذا البلد الحبيس القابع فى إقليم  الساحل شمال غرب أفريقيا، وقد شهد العام 2022، انقلابين متتاليين من هذه الانقلابات التسعة.

ففى يناير الماضى تمرد مجموعة من العسكريين بقيادة المقدم “بول هنري سانداوجو داميبا” Paul-Henri Sandaogo Damiba على الرئيس المنتخب “روش مارك كريستيان كابوري” Roch Marc Christian Kaboré، واعتقلوه مع عدد من رؤوس الدولة وكبار مسئوليها، وأعلنوا استيلائهم على السلطة، وقاموا بحل الحكومة، وحل الجمعية الوطنية، واتخذوا قراراً بتعطيل الدستور وإغلاق كافة حدود البلاد، كل ذلك يدفع بالتساؤل حول العوامل والأسباب التي دفعت بتكرار الانقلاب في بوركينا فاسو في أقل من عام؟، هذا ما يحاول هذا التحليل الإجابة عنه؟

انقلاب تراوري.. دوافع وأسباب:

فى يوم الجمعة الموافق 30 من سبتمبر2022، أى بعد ثمانية أشهر من انقلاب “داميبا” يناير الماضي، حيث استيقظت العاصمة “واجادوجو”  على دوى انفجارات وإطلاق نار، ما أدخل البلاد فى حالة من عدم اليقين لم تستمر سوى ساعات؛ بعدها أعلنت مجموعة من العسكريين فى بيان تلوه عبر التلفزيون الوطنى، أنهم بقيادة النقيب “إبراهيم تراوري” Ibrahim Traoré، قرروا عزل المقدم “داميبا” بسبب عدم قدرته على وقف التمرد الإرهابى المتنامي في شمال وشرق البلاد، والذي أدى إلى نزوح ما يقرب من مليوني شخص، كما تضمن بيان الإنقلاب أن “داميبا” أصبح مهتماً بالسياسة أكثر من الأمن، وأن اختياراته الخطرة أضعفت أمن البلاد تدريجيا، وأعلنوا تعليق العمل بالدستور والميثاق الانتقالي، وغلق الحدود، وحظر التجول ليلا([1]).

ووفقا لما أعلنه “قائدا الانقلابين” كل فى حينه، أن سبب انقلابه هو تردى الحالة الأمنية نتيجة إخفاق القائم على السلطة فى القضاء على، أو تحجيم الهجمات الإرهابية، وبخاصة فى شمال وشرق البلاد([2])، وفى سبيل الوقوف على الأسباب الحقيقية للانقلاب الأول بينا فى حينه جملة من الأسباب الداخلية، ويأتي من أهمها: ترسخ ثقافة الانتقال الراديكالى للسلطة، وتخلف التنمية الشاملة، والاستبداد السياسى، وتأبيد السلطة، وانتشار الجماعات المسلحة، وفقدان الأمن، والصراع على السلطة، والنزعات الفردية للعسكريين، وعدوى الانقلابات.

أما من حيث الأسباب الخارجية، هناك سبباً وحيدًا، بالغ الأهمية، يتمثل في استمرار مطامع القوى الدولية فى الاستيلاء على ثروات وموارد البلاد، واستغلال موقعها الاستراتيجى، وكنا قد انتهينا إلى أن المؤشرات والدلائل ترجح أن فرنسا ضالعة فى تدبير وتوجيه ودعم ذلك الانقلاب([3])، فكيف يمكن قراءة المشهد البوركينابي للوقوف على الأسباب الحقيقية للانقلاب الأخير؟ ومن يقف خلف هذا الانقلاب، ودبر له ودعمه؟

مؤشرات دالة:

تتطلب القراءة الجيدة للمشهد البوركينابى مراعاة التفاعلات التى تجرى فى السياق المصاحب له وأهمها:

(*) الصراع الدولى: تجمع الآراء على أن أفريقيا من أشد مناطق العالم تأثرا (سلبا وإيجابا) بالصراع الدولى الدائر بين معسكرى الشرق والغرب، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، ويعد إقليم الساحل شمال غرب أفريقيا من أكثر المناطق تأثرا بحرب النفوذ التى تخوضها روسيا والصين فى مناطق النفوذ الفرنسية التقليدية فى إقليم الساحل، ووسط، وغرب أفريقيا، ولقد طالت حرب النفوذ بوركينا فاسو، وتجلى ذلك فى تدبير وتوجيه ودعم فرنسا – وفقا لما رجحناه من قبل – لانقلاب يناير (داميبا)، ومن المرجح أن يكون انقلاب سبتمبر (تراورى) قد وقع فى إطار حرب النفوذ المذكورة.

(*) حياد فرنسا: تعد بوركينا فاسو من أهم مناطق النفوذ الفرنسى (مستعمرة فرنسية سابقة)، ولهذا يتواجد فيها عدد كبير من القوات والقواعد العسكرية الفرنسية، ولا شك أن المهمة الأولى لهذه القوات هي الوقاية من، ومنع كل ما يؤثر سلبا على المصالح الفرنسية، ولو كان أيا من انقلابى العام 2022 يضر بالمصالح الفرنسية لمنعته قبل أو حين وقوعه وهو أمر يسير يمكن للقوات الفرنسية المتواجدة فى العاصمة “واجادوجو” انجازه، وليس أدل على ذلك من سهولة حدوث الانقلابين نفسيهما دون خسائر فى الأرواح، إلا أن القوات الفرنسية لم تتدخل للوقاية أو المنع وفضلت الحياد.

(*) مناورة/مساعى “داميبا” وحكومته: وفق التصور الذى تبنيناه كان “داميبا” يعول كثيرا على دعم فرنسي كبير فى القضاء على، أو تحجيم الانفلات الأمنى الذى سيطر على المشهد البوركينابى فى عهد الرئبيس “كابوري”، إلا أن الإليزيه خذله بدرجة كبيرة بسبب انشغاله بالشئون الداخلية، وبصراع النفوذ الدولى الدائر، وبسبب عدم رغبته فى التورط بشكل كبير ومباشر فى الحرب على الإرهاب، وهو ما أعلنه صراحة الرئيس “إيمانويل ماكرون” Emmanuel Macron، فحاول “داميبا” استثارة فرنسا للحصول على مبتغاه الأمنى منها بالمناورة (أو السعي) شرقا، ملوحاً عبر بعض قادة الجيش بتنويع الشراكات من أجل إيجاد حلول فعالة في مواجهة خطر الإرهاب.

كما أعلن الوزير الأول في حكومة بوركينا فاسو الانتقالية “ألبيرت أوديراجو” Albert Ouédraogo فى نهاية شهر أغسطس الماضي أن بوركينا فاسو تحتفظ لنفسها بالحق في تنويع شركائها، حتى ولو كان ذلك قد يزعج الشركاء التاريخيين، ملمحا إلى فرنسا، بل أنه صرح قائلاً: “هنالك علامات استفهام على الشراكة التي تربطنا بفرنسا”، أما عن “داميبا” نفسه ففى أوائل سبتمبر كانت أولى زياراته الخارجية إلى مالى التى أفلتت من قبضة فرنسا ومدت جسور التعاون مع روسيا([4])، بعدها بقرابة أسبوعين التقى “داميبا” وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حينها أعلنت رئاسة بوركينا فاسو؛ أن الاجتماع خصص للتباحث حول آليات تعزيز التعاون بين البلدين، وأشارت الرئاسة البوركينية إلى سابقة التعاون بين البلدين والتى تعود لأكثر من 50 عاما مضت، وأضافت أننا اليوم نسعى لاستعادة وتعزيز ذلك التعاون من أجل مواجهة تحديات اللحظة الراهنة، كما أن وزيرة خارجية بوركينا فاسو “أوليفيا روامبا” Olivia Rouamba، التي حضرت المباحثات صرحت للصحافة قائلة “الآن، لدينا رغبة كبيرة في تعزيز هذا التعاون، ونقله إلى مستوى بحقق المكاسب للبلدين”([5]).

موقف “إيكواس”:

على الرغم من إدانة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” Economic Community of West African “ECOWAS”؛ لانقلابي بوركينا فاسو، إلا أنها لم توقع عقوبات على بوركينا فاسو، كالتى وقعتها على مالى أو حتى على غينيا، وهو مؤشر ينبئ بأن فرنسا قد تكون مارست ضغوطا على “إيكوس” بشأن العقوبات فى حالة بوركينا فاسو([6]).

استنادا للدلائل والمؤشرات سالفة البيان، يمكننا القول بأن فرنسا بعدما رعت انقلاب يناير 2022 لم تكن قادرة ولا وراغبة فى حينه على تلبية تطلعات “داميبا”، نحو مجابهة حالة الفوضى والإنفلات الأمنى، الأمر الذى وضعه فى موقف حرج أمام النخب المعارضة، وعلى المستوى الشعبى، فقد حاول”داميبا”  المناورة، واتخذ خطوات فعلية شرقاً باتجاه روسيا، سيراً على خطى مالى، الأمر الذي يدفع بالقول، بأن انقلاب “تراورى”؛ يعد بمثابة رداً فرنسياً سريعاً وقاسياً على مناورة/مساعى “داميبا”، وما يدعم هذا الرأي، هو أن انقلاب “تراورى”، جاء بعد قرابة شهر من الحديث عن تنويع الشراكات الخارجية لـ “واجادوجو”، وبعد أيام فقط من لقاء “داميبا-لافروف”، وما يعزز هذا الاستنتاج أيضا؛ كون فرنسا المتضرر الأكبر أو الوحيد من تقارب “داميبا” المحتمل مع روسيا.

لكن نجاح “تراورى”، في الاستمرار في السلطة، وتفادي ما تعرض له سلفه، لا تزال مسألة خاضعة للتطورات السياسية الداخلية، وطبيعة أدوار الأطراف الخاجية، لا سيما فرنسا؛ التي لها مصالح كبيرة في بوركينا فاسو، وبالتالي من الممكن أن نشاهد انقلابات قادمة، إذا ما فشل “تراورى”، في معالجة أخطاء سابقيه!!

([1]) Rachel Chason, Borso Tall, “In Burkina Faso, a Coup within a Coup”, on Washington Post Website, Last Visit at 4 Oct. 2022, at 1:05 pm, at link:

https://www.washingtonpost.com/world/2022/10/01/burkina-faso-coup/

([2]) Ruth Maclean, Elian Peltier, “Military Officers Announce Coup in Burkina Faso”, on The New York Times Website, Last Visit at 4 Oct. 2022, at 1:10 pm, at link

https://www.nytimes.com/2022/09/30/world/africa/burkina-faso-coup.htm

([3]) لمزيد من التفاصيل يراجع :

– د. سعيد ندا، “ماذا ومن وراء انقلاب بوركينا فاسو؟” (لندن: المنتدى الإسلامي، ورقة تحليلية، فبراير 2022) ، منشورة على موقع قراءات أفريقية، تحققت آخر زيارة بتاريخ 4 أكتوبر 2022 الساعة 1:15 مساء، على الرابط:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/ماذا-ومن-وراء-انقلاب-بوركينا-فاسو

([4]) الهيئة العامة للاستعلامات، “بوركينافاسو: داميبا يبدأ جولة إقليمية تبدأ بمالي”، على موقع مصر وأفريقيا، تحققت آخر زيارة بتاريخ 4 أكتوبر 2022 الساعة 1:20 مساء، على الرابط:

https://bit.ly/3SLLKK6

([5]) الشيخ محمد، “هل تتحول بوركينا فاسو إلى موطئ قدم جديد لروسيا في غرب أفريقيا؟”، على الموقع الإلكترونى لجريدة الشرق الأوسط، تحققت آخر زيارة بتاريخ 4 أكتوبر 2022 الساعة 1:25 مساء، على الرابط:

https://bit.ly/3RBGA26

– North Africa Post, “Burkina Faso, Russia keen to strengthen mutually beneficial cooperation”, on North Africa Post Website, Last Visit at 4 Oct. 2022, at 1:30 pm, at link

https://northafricapost.com/61119-burkina-faso-russia-keen-to-strengthen-mutually-beneficial-cooperation.html

([6]) “سويس إنفو”، “دول غرب إفريقيا تمتنع عن فرض عقوبات على بوركينا فاسو”، على الموقع اإلكترونى سويس إنفو، تحققت آخر زيارة بتاريخ 4 أكتوبر 2022 الساعة 1:35 مساء، على الرابط:

https://bit.ly/3C5N03W

– Chiamaka Okafor, “ECOWAS condemns Burkina Faso coup”, on Premium Times Website, Last Visit at 4 Oct. 2022, at 1:40 pm, at link

https://www.premiumtimesng.com/news/top-news/557022-ecowas-condemns-burkina-faso-coup.html

د. سعيد ندا

د. سعيد ندا- رئيس برنامج الدراسات الأفريقية-، حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة - متخصص فى الشئون الأفريقية - مهتم بقضايا النظم السياسية، والنظم الانتخابية، وتحليل وتسوية الصراعات، وكاتب في العديد من المجلات العلمية ومراكز الفكر والدراسات والبحوث، صدر له عدة كتب وأبحاث ومقالات علمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى