خطوة مشروطة: متى تدخل الرياض اتفاقية إبراهام لسلام الشرق الأوسط؟

شيماء حسن على 

بعد إقامة الإمارات العربية المتحدة في أغسطس الفائت علاقات كاملة مع إسرائيل، جاءت التصريحات الأمريكية من مسئولين في إدارة الرئيس المنتهية ولايته “ترامب” باحتمالية انضمام مزيد من الدول الخليج لاتفاقات التطبيع مع إسرائيل.

وتحدثت التقارير في ذلك الوقت عن المملكة السعودية، وبعد فوز “بايدن” برئاسة الولايات المتحدة، وقبيل مغادرة ترامب للبيت البيض، عقدت قمة العلا الخليجية في السعودية مطلع يناير الحالي، والتي أنهت المقاطعة الخليجية لقطر، والتي دامت لثلاث سنوات، ومن ثم استعادت قطر لعلاقاتها بالدول العربية مرة اخرى.

وقد ألمحت التصريحات والتقارير الإعلامية الإسرائيلية والغربية، إلى إمكانية الاستناد إلى المصالحة الخليجية، كمدخل لإقامة علاقات خليجية كاملة مع إسرائيل، في ظل تتابع التصريحات الإسرائيلية حول وجود اتصالات مع دول خليجية وإسلامية لتوقيع اتفاقات سلام مع إسرائيل، فهل يمكن للسعودية أن تكون من تلك الدول التي تحذو حذو الإمارات تجاه شكل العلاقات مع إسرائيل؟

مواقف متباينة :

تشير التكهنات إلى عدم وجود موقف موحد بشأن قضية التطبيع مع اسرائيل في ظل تضارب التصريحات من مسئولين سابقين وحاليين حول هذا الموضوع، ففي حين صرح ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”: بأن هناك الكثير من المصالح التي نتقاسمها مع إسرائيل، جاءت تصريحات العاهل السعودي “سلمان بن عبد العزيز” بأن المملكة تدعم الحل الشامل والعادل للقضية الفلسطينية وهو ما أعاد وأكد علية الأمير “فيصل بن فرحان” وزير الخارجية السعودي، ويمكن القول بأن تصريحات ولي العهد السعودي تزامنت مع تصريحات الرئيس المنتهية ولايته ترامب، والذي أكد في تصريحات سابقة إن خمس أو ستَّ دول عربية وإسلامية أخرى، ستحذو حذو الإمارات والبحرين “قريباً”، إلا أنه لابد وأن تفهم تلك التصريحات في سياقها الحقيقي والظروف المصاحبة لها.

وإذا كان رأي العاهل السعودي يمثل الموقف السعودي التقليدي المحافظ، والذي لطالما كان عاكسا لوجهة النظر السعودية الرسمية، يمكن اعتبار تصريحات ولي العهد، ووزير الخارجية السعودي، تأتي في إطار طرح الأمر للنقاش من دون تحمل تبعاته، حفاظا على مساحة كافية للمناورة، تمكنها من التراجع أو المضي قدما في إقامة تلك العلاقات.

مؤشرات عاكسة:

يمكن رصد عدد من المؤشرات التي تعكس النية السعودية لاتخاذ خطوات أقرب مع إسرائيل، وهي:

• دعوات التطبيع التي قادها عدد من الشخصيات السعودية والخليجية وظهور شخصيات سياسية ودبلوماسية سعودية في الاعلام الاسرائيلي، فضلاً عن خطبة الجمعة في سبتمبر الفائت والتي دعا فيها إمام الحرم المكي المسلمون “لنبذ الانفعالات العاطفية والحماسة النارية تجاه اليهود”.

• تصرح وزير الخارجية السعودي الأمير “فيصل بن فرحان” مؤخرا “أن إقامة العلاقات بين البلدين أمر لا مفر منه”، وأن المملكة لا تزال تشترط إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بحل القضية الفلسطينية على أساس مبادرة السلام العربية2002.

• مباركة ورعاية السلطات السعودية لاتفاقات السلام بين الإمارات والبحرين والمغرب، مع إسرائيل، والتغطية الإعلامية الإيجابية التي صاحبت ذلك في وسائل الاعلام السعودية .

• السماح للطائرات الإسرائيلية بالمرور داخل المجال الجوي السعودي بعد اقامة العلاقات الشاملة بعض دول الخليج.

• السماح للفرق الرياضية الاسرائيلية بالمشاركة في المسابقات الرياضية وآخرها مسابقة رالي داركار السعودي خلال يناير الحالي.

فرص وتحديات:  

على جانب آخر يمكن رصد عده فرص يمكن أن تحققها السعودية من جراء إقامة علاقات سلام مع اسرائيل، يأتي أبرزها:

• ترى “الرياض” أن الاتفاق مع “تل أبيب”، يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل وصول “بايدن” للبيت الأبيض، والمعروف بمواقفه المتشددة ضد الحرب التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

• أن القلق السعودي المتزايد بشأن السلوك الإيراني في المنطقة، يعد دافعا لتحرك المملكة باتجاه التقارب مع إسرائيل، بإعتبار الخطر الإيراني يمثل قضية مشتركة بين المملكة واسرائيل، مما يجعل واشنطن أكثر التزامًا وحساسية تجاه اما يتعلق بلمصالح السعودية والإسرائيلية، لا سيما فيما يتعلق بإيران.

• يمكن للرياض تحقيق عدة امتيازات من جراء عقد تلك الاتفاقات مع اسرائيل، أبرزها الوصول للتكنولوجيا الاسرائيلية، وابرام مشروعات استثمارية كبيرة تتفق مع رؤية 2030 التي وضعها العاهل السعودي “محمد بن سلمان” مثل مشروع “نيوم” .

• أما ما يخص القضية الفلسطينية، فمن المرجح أن تكون المطالب السعودية من إسرائيل، أعلى من المطالب الاماراتية المتعلقة بهذه القضية، فمن المرجح أن يكون تمسك الرياض ببنود مبادرة السلام العربية، كأساس للمفاوضات مع إسرائيل، شرط أساسي ومدخل لتحسين العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

• يمكن للرياض المطالبة بمزيد من صفقات الأسلحة، على غرار تلك التي طالبت بها الإمارات، مثل شراء مقاتلات f35″” الأمريكية، وقد تصل المطالب إلى الحصول على تقنيات في المجال النووي، بما يساعد على إحداث التوازن الإستراتيجي بين الرياض وطهران، خاصة وأن الرياض لديها النية في الدخول للمجال النووي وهنا يمكن الاستفادة من الخبرة الاسرائيلية في هذا المجال .

لكن الطريق إلى إقامة علاقات سلام شامل مع إسرائيل، ليس مفروش بالورود كما يمكن أن يتخيله بعض المراقبين، فهناك الكثير من التحديات الموجودة بالفعل، والتي يمكن أن تساهم في تأخير اتمام هذا الملف أو إرحائه إلى أجل غير مسمى، ومن تلك العوامل:

• رده فعل الشعب السعودي تجاه العلاقات الكاملة مع إسرائيل- على الأقل في الوقت الحالي- فعلى الرغم من دعوات التطبيع المنتشرة في الإعلام السعودي، إلا أن الشعب السعودي لا يشعر بالارتياح من هذا الموقف، ولعل ما حدث في البحرين عقب إعلان التوقيع على اتفاق سلام مع إسرائب، والذي أدى إلى اندلاع مظاهرات رافضة لهذا التطبيع- وإن استطاعت السلطات البحرينية إخمادها- إلا أن تلك التظاهرات انتقلت بدورها إلى الفضاء الالكتروني، وتم رصد هاشتاغ “التطبيع خيانة”، كرد فعل معاكس للتوجه الرسمي نحو التطبيع مع إسرائيل، وإذا كانت السلطات السعودية لديها القدرة على السيطرة الواسعة على الخطاب السعودي العام، إلا أنه يمكن تغيير وجهات النظر حول تلك المسألة في أي وقت.

• أيضا المكانة الدينية التي تتمتغ بها السعودية بين الشعوب العربية والاسلامية، تجعل إقدام المملكة على إتخاذ مثل هذه الخطوة، مسألة بالغة الحساسية، حيث تدرك السعودية مدى تأثير هذا الأمر على نظرة العالم الإسلامي للسعودية، باعتبارها بلاد الحرمين الشريفين، وتضم الأماكن الإسلامية المقدسة، ولا ينبغي أن توقع على اتفاقية “تطبيع” مع من يحتل الأقصى وفلسطين.

وبالتالي لا يمكن أن تغامر المملكة بالمضي قدماً في اتجاه ملف التطبيع مع إسرائيل، قبل ضمان انضمام دول إسلامية أخرى، وهو ما أشارت إليه تصريحات اإسرائيلية مؤخرا، والتي تتحدث عن إقدام عدد من الدول الإسلامية من جهة الشرق- من المرجح أن تكون ماليزيا أو أندونيسيا- نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

أيضا من شأن إعلان المملكة الانضمام إلى مثل تلك الاتفاقات، أن يفتح المجال أمام إيران – العدو اللدود للسعودية- للمطالبة بالحق في السيطرة على المقدسات الإسلامية بالمملكة، وخطوة مثل هذه، تصب بالطبع في صالح محور المقاومة، التي تدعي “إيران” أنها حاملة لوائها، فضلاً عن ردة فعل “فاعلين آخرين” من غير الدول، كالجماعات المسلحة والتنظيمات الارهابية على غرار داعش والقاعدة والحوثيين.

اجمالاً، فإن السعودية، قد تتخذ خطوات تدريجية تجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل في ضوء كذا الموازنة بين الفرص والتحديات التي يمكن أن تتحقق جراء متل هكذا خطوة، وبالتالي من الصعب تحديد متى وتحت أي ظروف يمكن أن تتجه المملكة للانضمام إلى اتفاقيات التطبيع؟ وبشكل عام، ستسعى المملكة العربية السعودية إلى اختبار معيارين رئيسيين، هما: مدى نجاح وتوسيع اتفاقيات التطبيع لتشمل دول أخرى، وتحسن العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.

ويبقى عامل آخر، له أهميته في هذه القضية وهو موقف الملك “سلمان” نفسه، المتمسك بربط أي محاولات للتطبيع، بتنفيذ بنود المبادرة العربية، وإن كان ذلك يأتي على خلاف مع ولي العهد “محمد بن سلمان”، الذي أبدى مرونة فيما يتعلق بهذا الملف، والذي من المنتظر أن يكون ورقة بيده ليتفاوض بها مع ساكن البيت الابيض الجديد!.

 

 

 

 

 

شيماء حسن علي

باحثة مشارك بالمركز، -حاصلة على ماجستير العلوم السياسية. -حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية جامعة قناة السويس. -كاتب وباحث في عدة مراكز دراسات عربية وخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى