الاقتصاد فى مواجهة الفجوة التمويلية

عبدالفتاح الجبالي

تمثل الفجوة التمويلية فى الاقتصاد المصرى إحدى القضايا الحاكمة للتطور وتمثل أيضا تحديا أساسيا لدى صانع القرار الاقتصادى، خاصة  بعد ازدياد خروج الأجانب من الاستثمار فى أوراق الدين العام الحكومى، وانخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل للبلاد جنبا إلى جنب مع حرص الحكومة المصرية على سداد جميع الالتزامات المستحقة فى مواعيدها دون تأخير. وكلها أمور أدت إلى تراجع الاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي لتصل إلى 33.1 مليار دولار. وتتطلب البحث عن مصادر تمويل تقليدية وغير تقليدية. وجدير بالذكر أن هناك العديد من النماذج التى تستخدم لتقدير هذه الفجوة منها نموذج الفجوتين والذى يقوم على أساس تقدير قيمة العجز بين الادخار والاستثمار، وكذلك بين الصادرات والواردات. وقد تطور هذا النموذج ليصبح ثلاث فجوات بعد أن أضيف عجز الموازنة كقيد ثالث، بالإضافة إلى فجوتى الادخار والتجارة الخارجية. وقد أجمعت جميع الدراسات العلمية على أن إحداث العملية التنموية المطلوبة لامتصاص البطالة والحد من الفقر يتطلب معدل نمو سنوى بما يتراوح بين 7 – 9% سنويا، وهو ما يحتاج إلى معدل استثمار يتراوح بين 25% و30%من الناتج المحلى، بينما بلغ معدل الاستثمار عام 2020/2021 نحو 12.2% من الناتج المحلى، فضلا عن ضعف معدل الادخار المحلى والذى وصل الى 3% فقط خلال نفس العام، وأدى ذلك إلى اتساع فجوة الموارد المحلية لتصل الى نحو 582 مليار جنيه فى العام المالى 2020/2021.حيث زادت فجوة الموارد المحلية من 4.1% عام 2010/2011 إلى 9.2% عام 2020/2021.  ومع تسليمنا الكامل بأن التراجع فى معدل الادخار المحلى، يرجع فى جانب كبير منه، إلى عجز الموازنة العامة للدولة. إذ تشير الإحصاءات الختامية لمصفوفة الإدخار والاستثمار إلى أن القطاع العائلى قد استطاع تعبئة مدخرات بلغت 560.3 مليار جنيه عام 2019/2020 إلا أنه استخدم منها 267.7 مليار لإقراض الحكومة لتمويل عجز الموازنة. وبالتالى فإن الزيادة المستمرة فى عجز الموازنة العامة للدولة تعد عنصرا أساسيا فى ضعف المدخرات المحلية وازدياد الفجوة التمويلية. وهنا يشير البيان المالى عن العام المالى 2022/2023 إلى أن الاحتياجات التمويلية للموازنة العامة للدولة (وهى عبارة عن العجز الكلى مضافا إليه سداد أقساط القروض) قد وصلت إلى 1532 مليار جنيه فى موازنة 2022/2023. وتم تمويلها بالاقتراض بأذون وسندات الخزانة بنحو 1510مليارات  جنيه والباقى اقتراض من مصادر خارجية. ويؤدى ذلك إلى تزايد رصيد حساب العجز العام بالبنك المركزى مما يؤدى إلى تزايد الأعباء التى تتحملها الموازنة العامة لتغطية هذا الرصيد. كما أن اللجوء إلى الجهاز المصرفى المحلى لتلبية الاحتياجات التمويلية يمكن أن يؤدى إلى أن تنتقل تبعات تعثر الدين السيادى إلى البنوك وأجزاء أخرى من الاقتصاد المحلى وتصبح السلامة المالية للبنوك مرتبطة بالسلامة المالية للمالية العامة.  عموما فقد أدى ذلك إلى اتساع فجوة الموارد المحلية والتى يتم تمويلها من صافى عوائد الدخل فى الخارج (خاصة تحويلات المصريين العاملين بالخارج)، وفجوة الموارد الخارجية (المتمثلة فى عجز الميزان الجارى بميزان المدفوعات). لذا أصبح ارتفاع عجز العمليات الجارية والذى بلغ 13.6 مليار دولار خلال الفترة (يوليو –مارس 2021/2022) العنصر الثانى فى الفجوة التمويلية.وذلك نتيجة لارتفاع عجز الميزان التجارى (غير البترولي) ليصل إلى 37.7 مليار دولار وذلك بعد أن ارتفعت المدفوعات عن الواردات السلعية غير البترولية لتسجل نحو 57.1 مليار دولار بينما سجلت الصادرات السلعية غير البترولية 19.3 مليار دولار. كما ارتفع عجز ميزان دخل الاستثمار ليسجل 11.8 مليار دولار خلال نفس الفترة.  وقد حد من هذه الآثار السلبية ارتفاع فائض الميزان الخدمى ليسجل 7.9 مليار دولار، بعد أن ارتفعت الإيرادات السياحية إلى 8.2 مليار وتحويلات المصريين العاملين بالخارج لتسجل 23.4 مليار دولار وكذلك تحسن الميزان التجارى البترولى ليسجل فائضا بنحو 4.1 مليار دولار خلال الفترة (يوليو –مارس 2021/2022)، نتيجة القفزة التى شهدتها الاستثمارات فى قطاع البترول والغاز مع توقف استيراد الغاز الطبيعى، الأمر الذى أدى لارتفاع قيمة الصادرات البترولية. ولا شك فى أن اتساع الفجوة التمويلية يزيد من المخاطر سواء على بنية الاقتصاد القومى، أو فيما يتعلق بالاستقرار المالى والنقدى القائم بالبلاد. الأمر الذى  يدفعنا  للتساؤل عن الكيفية التى يمكن بها الحد من هذه المسألة؟ فى هذا السياق تأتى أهمية دراسة  ووضع الحلول الدائمة لهذه المسألة لعدم تحميل الأجيال القادمة بأعباء الجيل الحالى. بمعنى آخر إذا كان الدين الخارجى يؤدى إلى تحويل الموارد الاقتصادية إلى الخارج، فإن الدين المحلى يتمثل فى إعادة توزيع الدخل بين المقيمين، فالاستخدام المتزايد لجانب من القروض العامة، فى الإنفاق على الاستهلاك العام، يعنى نقل العبء المالى لهذه المصروفات إلى الأجيال المقبلة، وتخفيف كامل العبء عن الجيل الحالي.  من هذا المنطلق فإنه يجب وضع حزمة من السياسات الاقتصادية بعضها يتم تنفيذها على المدى القصير والبعض الآخر على المدين البعيد والمتوسط.وذلك عن طريق إدارة التدفقات النقدية إدارة تضع نصب أعينها عدة شروط أهمها تدبير التمويل من القطاع غير الحكومى لتغطية احتياجات اقتراض الحكومة. مع تخفيض تكلفة الاقتراض إلى أدنى حد، أخذا بالحسبان التنسيق مع السياسة النقدية. والحرص على ألا تتجاوز الديون العامة نسبة معينة من الدخل القومي، تتلاءم مع الأعباء المترتبة عليها.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى