تداعيات تفتيش منزل “ترامب” على المشهد السياسي الأمريكي

بعد قرابة عامين من معاناة الرئيس الأمريكي جو بايدن من تراجع شعبيته في الداخل والخارج، بسبب زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة بشكل غير مسبوق، وتراجع الثقة في إدارته على إثر تعامله مع الأزمة الأوكرانية والملف الأفغاني وغيره، وتزامن ذلك مع بزوغ نجم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مما زاد الوضع تعقيدا بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية الحالية، وأصبح مستقبل الديمقراطيين على المحك في انتخابات التجديد النصفي المقرر لها في نوفمبر القادم، وبالتبعية في انتخابات الرئاسة ٢٠٢٤.

حتى أتت حادثة تفتيش منزل ترامب في الثامن من الشهر الجاري في ولاية فلوريدا، من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ( إف بي آي )، وتحقيق وزارة العدل الأمريكية حاليا في اكتشاف صناديق سجلات تحتوي على معلومات سرية نقلت من البيت الأبيض إلى محل إقامة ترامب بعد انتهاء ولايته الرئاسية، رجح البعض أنها متعلقة بوثائق نووية.

وتأسيسا على ذلك، يناقش هذا التحليل ما إذا كانت حادثة تفتيش منزل ترامب ستصب في صالح الديمقراطيين، أم أنها ستأتي بنتائج عكسية لصالح ترامب ومعسكره الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي وانتخابات الرئاسة القادمة، ومدى تأثير تلك الحادثة في المشهد السياسي الأمريكي في الفترة المقبلة.

فرص متساوية:

سيحاول الديمقراطيون جاهدين طيلة الفترة القادمة أن يوظفوا ما حدث مع ترامب لصالحهم، واستغلال سيل الانتقادات التي وجهت للرئيس السابق، بهدف نزع الثقة عن ترامب، لأنه بذلك سيترسخ في الأذهان أنه شخص غير مسئول أمام الرأي العام الأمريكي ومناصريه في الإعلام والكونجرس وغيرهم، بالذات إذا تمت إدانته وثبت تورطه في الأخير في احتفاظه بوثائق سرية، خاصة إذا ثبت أنها مستندات لم ترفع عنها السرية كما ادعى ترامب. خاصة وأنها ليست القضية الأولى أو الوحيدة المتورط بها ترامب، فهناك عدة قضايا أخرى، مثل قضايا الاحتيال المالي، وأحداث اقتحام مبنى الكونجرس، وغيرها من المحاولات التي تورط فيها ترامب للتأثير في نتيجة الانتخابات. وبناءا على وجهة النظر تلك، يحلم الديمقراطيون بانتصار ” مفاجئ ” في انتخابات التجديد النصفي.

على الجهة المقابلة، ورغم سهام الانتقادات اللاذعة التي طالت ترامب بشأن اتهامه بحوزته لوثائق سرية من قبل الساسة والإعلاميين الأمريكان، إلا أنه سيحاول بشتى الطرق أن يستغل الحادثة لصالحه هو أيضا بمساعده أنصاره، وخاصة مؤيدي العنف،من خلال اتباع سياسة هي في الحقيقة لا تختلف كثيرا عما كان ينتهجها منذ رحيله عن البيت الأبيض.فقد أكثر الحديث منذ انتهاء ولايته خلال التجمعات التي كان يحضرها عن اضطهاده وظلمه من قبل الديمقراطيين والمؤسسات الأمريكية برمتها،وروج أن هذا الظلم كان المقصود به ترامب في حد ذاته كمرشح وكرئيس، والآن كرئيس سابق،وأن ما من ” زعيم سياسي ” تمت معاملته كما عومل هو، وهو ما تجلي في أحداث اقتحام الكونجرس التي نتجت عن شحن ترامب لمناصريه ضد نتيجة الانتخابات.

وبالتالي يتوقع أن يواصل ترامب الترويج بأن ما حدث هو توظيف سياسي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، كما قد يحاول أيضا أن يخلق تأثيرا تعبويا في صفوف مؤيديه بصورة واسعة بأنه يتم ملاحقتهم كما يفعلون معه الآن، كما سيواصل مناصروه الذين شبهوا ما حدث معه بما يحدث في العالم الثالث ” في الأنظمة الديكتاتورية الماركسية “دعمه. وقد يزيد الرواية الترامبية قوة هذه المرة،أنها المرة الأولي التي يداهم فيها منزل رئيس أمريكي سابق في تحقيقات جنائية. وحال تأزمت الأمور بالنسبة لترامب، قد يحاول وأعوانه البحث عن ” كبش فداء ” حتى تتم تبرئته من الاتهامات الموجهة إليه.

مشهد غير محسوم:

لا شك أن حادثة تفتيش منزل ترامب ستترك آثارها على المشهد السياسي بالكامل في الولايات المتحدة خلال الفترة القادمة، وبالتالي سيتوقف الأمر على مدى قدرة أي الفريقين ( الديمقراطيون والجمهوريون ) على توظيف ما حدث لصالح الحزب ومرشحه.

فمن ناحية قد تدفع مؤيدي ترامب إلى الإقبال بشدة على صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي. ووفقا لمراقبين، هناك بالفعل حملات لجمع تبرعات لصالح المرشحين الجمهوريين المدعومين من ترامب لدعم حملاتهم الانتخابية،الأمر الذي قد يدفع بعض المرشحين ممن عبروا عن خلافاتهم مع ترامب إلى الوقوف بجانبه في هذا التوقيت، كما فعل رون ديسانتيس حاكم ولاية فلوريدا، ووصف ما حدث مع ترامب بأنه ” عملية استخدام للوكالة الفيدرالية كسلاح ” ( هو ضمن المتوقع ترشحهم في الانتخابات الرئاسية القادمة في ٢٠٢٤ في حالة عدم ترشح ترامب ). وهذا قد يدعم ترامب بقوة في المشهد السياسي لاحقا، لأن ما يضعف من فرص ترامب من الأصل هو اختلاف الجمهوريين أنفسهم حوله.

ولهذا فقد يغتنم ترامب الفرصة ويعلن عن ترشحه رسميا في الانتخابات القادمة، أو أن يختار الانتظار حتى وقت أنسب من ذلك، لحين تبرئته على الأقل، خاصة بعد تولي الدفاع عنه درو فيندلينج، أشهر المحاميين في الولايات المتحدة، خاصةوأن بعض الجمهوريين لا يفضلون إعلان ترامب عن ترشحه في الوقت الحالي، لأنه لا يزال شخصية خلافية.

أضف إلى ذلك، أن بعض الديمقراطيين يرون أن ما حدث مع ترامب سيقوى من القاعدة الشعبية الداعمة له من الجمهوريين، بالإضافة إلى أنه سيجعل الرأي العام الأمريكي يتغاضى عن الانجازات التي حققها الديمقراطيون مؤخرا، والخاصة بالرعاية الصحية والتغير المناخي، وأيضا انخفاض أسعار الوقود بعد زيارة بايدن إلى السعودية وزيادة الإنتاج من قبل منظمة أوبك.

هذا فضلا عن الانتقادات الداخلية والخارجية الموجهة في الفترة الماضية إلى الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة بعد الأزمة الأوكرانية، مما ساهم في انخفاض شعبية بايدن بدرجة ملحوظة عما مضى.

ولكن هناك وجهة نظر أخرى تدعم الديمقراطيين، حيث يري بعض الديمقراطيين أن الحزب سيشهد إقبالا كبيرا من ناخبيه على التصويت في نوفمبر القادم، وذلك راجع في جزء منه إلى بعض الإصلاحات الداخلية التي تمت مؤخرا، مثل قرار المحكمة العليا بنقض الحق الدستوري في الإجهاض،وإقرار مجلس النواب الأمريكي خطة الرئيس بايدن للمناخ والصحة من خلال الموافقة على حزمة بقيمة 430 مليار دولار لمكافحة التضخم وتغيير المناخ وخفض أسعار الأدوية وتمديد دعم الرعاية الصحية واستثمار 370 مليارا في برامج المناخ والطاقة. كما منح مقتل زعيم القاعدة، أيمن الظواهري انتصارا مهما لبايدن كان يحتاج إليه لاسيما في ظل استمرار تراجع شعبيته. وقد ازدادت هذه القناعة لدى الديمقراطيين بعد تفتيش منزل ترامب.

وهناك من وضع احتمالا بأن الحادثة قد تؤدي إلى العنف في الولايات المتحدة، خاصة من قبل مؤيدي ترامب من ذوي الرؤى اليمينية المتطرفة، وهذا بدوره قد لا يصب في مصلحة ترامب والجمهوريين في المرحلة القادمة، خاصة بعد أحداث ٦ يناير ( اقتحام الكونجرس )، وهو منتشر بالفعل على وسائل التواصل الاجتماعي اليمينية المليئة بالدعوات إلى العنف وحمل السلاح. في ظل فشل الحزب الجمهوري في محاسبة زعيمه على أعمال الشغب التي وقعت في السادس من يناير 2021.

ويبدو أن الديمقراطيين واثقين إلى حد ما في نتيجة ما حدث مع ترامب بأنه سيأتي في صالحهم في الأخير، وبغض النظر عن نتيجته، فعلى المدى البعيد، يعتقد العديد من الديمقراطيين أن ترامب هو أفضل مرشح يواجهونه في الانتخابات الرئاسية 2024. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة فوكس نيوز في يونيو أن 55 ٪ من الناخبين ينظرون إليه نظرة غير إيجابية، فهو شخصية خلافية، ويعتقد الديمقراطيون أن تركيزه على الانتخابات الماضية لن يساعده في الانتخابات القادمة، ويعتقدون أنه كلما يظهر في الإعلام سيثير الجدل حوله أكثر،وذلك سيساعد الديمقراطيين في جميع أنحاء البلاد.

اتهامات للبيت الأبيض:

وجه ترامب الاتهامات للبيت الأبيض بأنه المحرض الأساسي على حادثة التفتيش، ولكن، رغم نفي البيت الأبيض ووزارة العدل الأمريكية نفسها، إلا أن حادثة كهذه، وفي هذا التوقيت لا يمكن في عالم السياسة اعتبارها بريئة أو من قبيل المصادفة.

فهل من البعيد أن يكون تفتيش منزل ترامب تم بناءا على تشجيع من الديمقراطيين لهز صورة ترامب أمام الرأي العام ومؤسسات الدولة، كما اتهمهم ترامب بالفعل؟ وبغض النظر عن صحة أو خطأ مثل هذا الطرح، فهل من الممكن أن يسمح بايدن والديمقراطيون بتنفيذ مكتب التحقيقات لمثل هذا الإجراء في هذا التوقيت إذا كانوا متيقنين من نتيجته ؟ أو إذا كانوا يتوقعون بعده زيادة شعبية وفرص ترامب؟ أو إمكانية تأثير تلك الحادثة على مستقبلهم في الكونجرس والبيت الأبيض ؟، وفي هذه الحالة، فهل لا يمكنهم أن يضغطوا لتأجيل هذا الإجراء على الأقل حتى إجراء انتخابات التجديد للكونجرس؟. أم أن المؤسسات الأمريكية أرادت أن تحجم ترامب قبل ترشحه رسميا للرئاسة، والذي كان دوما ما يتعمد التشكيك في شرعية ونزاهة المؤسسات الأمريكية، واعتاد التجاوزات حيالها أثناء وجوده في البيت الأبيض وبعد خروجه؟.

وإلى جانب ذلك كله، فالديمقراطيون قد يضغطوا لإطالة أمد القضية على الأقل، حال إذا لم يتم توجيه إدانة رسمية إلى ترامب، وبذلك قد تكون فرصتهم أكبر في الفوز في انتخابات نوفمبر القادم. وفي هذه الحالة يمكن القول أن الديمقراطيين كان لهم دور ما في توجيه أصابع الاتهام إلى ترامب، هذا إلى جانب إجراء بعض الإصلاحات الداخلية اللافتة للرأي العام أيضا، وقد يشير إلى ذلك دعم الديمقراطيين لقرار وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

أما إذا تبرأ ترامب قبل موعد الانتخابات التجديد النصفي، فهناك احتمال كبير أن تتحول أغلبية الكونجرس إلى الجمهوريين، بل ومن المرجح أن يصبح ترامب هو الرئيس الأمريكي القادم حال ترشحه.وفي هذه الحالة سيثار تساؤل آخر– وإن كان احتمال بعيد بعض الشئ _، فهل من الممكن أن تكون المؤسسات الأمريكية أو جماعات الضغط قد تكون استاءت من إدارة بايدن، فقررت العمل على زعزعة استقرار إدارته، وستكون البداية لذلك من الكونجرس، لأنه حال حصول الجمهوريين على الأغلبية خلال الفترة المتبقية من ولاية بايدن، فسيؤثر ذلك بشكل كبير على أجندته خلال العامين القادمين، وقدرته على الفوز بولاية أخرى، أيا كان المرشح الجمهوري ضده ؟.

وفي الختام، لا يسعنا القول سوى أنه ليس من الواضح ما إذا كان تفتيش منزل ترامب تم بناءا على تشجيع من الديمقراطيين، أم أنه قرار ذاتي من المؤسسات الأمريكية أيا كانت أهدافها، وهل سيكون ذلك تمهيدا لسيطرة الجمهوريين على الكونجرس أو التجديد للديمقراطيين ؟، ولا حتى تحديد هوية الرئيس القادم، فالأمر متوقف إلى حد ما على نتيجة التحقيقات، والتطورات المتلاحقة في الداخل والخارج.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى