ما هي انعكاسات زيارة أردوغان إلى روسيا؟

بعد أقل من شهر على انعقاد قمة أستانة في طهران بين روسيا وتركيا وإيران، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي الروسية في الخامس من شهر أغسطس الجاري، في محاولة لاستغلال نجاح بلاده في التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا لاستئناف تصدير الحبوب من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود للحد من أزمة الغذاء التي يشهدها العالم في الفترة الأخيرة منذ بدء الحرب الأوكرانية. كما جاءت الزيارة في توقيت لافت في ظل تأكيد عدد من المسئولين الأتراك على ضرورة شن عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري ضد حزب العمال الكردستاني.

وفي هذا الإطار، يتطرق هذا التحليل إلى رصد أهم الملفات التي من المفترض أنه تمت مناقشتها خلال قمة سوتشي بين بوتين وأردوغان، وما الذي يريده الجانب التركي في هذا الشأن ؟، والموقف الروسي حيالها.

زيارة للترضية:

ذهب البعض إلى اعتبار أن زيارة أردوغان إلى بوتين، وما سبقها من مبادرات إيجابية من قبل أنقرة، مثل الجهود التركية لتوقيع اتفاقية إعادة تصدير الحبوب قبل الزيارة في ٢٢ يوليو الماضي، بمثابة ترضية للجانب الروسي، بعدما وافقت أنقرة في وقت سابق على ضم فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، في خطوة أثارت امتعاض الجانب الروسي، ولنفس الهدف تقريبا وافقت تركيا على دفع جزء من قيمة واردات الغاز الروسية إلى تركيا بالروبل الروسي، وبذلك سيضمن أردوغان استمرار تدفق إمدادات الطاقة الروسية إلى بلاده حال قطعت روسيا الغاز عن الدول الأوروبية، وهو بذلك سيكون خارج اللعبة الأوروبية الخطرة في وقت لا ينقص بلاده المزيد من الأزمات الاقتصادية، خاصة مع قدوم فصل الشتاء.

كما استضاف أردوغان قبل توجهه إلى مدينة سوتشي الروسية رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي الليبي خالد المشري ونائبه عبدالله اللافي، في خطوة اعتبرها البعض رغبة في تقريب وجهات النظر مع الجانب الروسي الداعم للشرق الليبي بقوة (حفتر وعقيلة صالح)، بالإضافة إلى الرغبة في توسيع وتنويع نفوذها في ليبيا حال أجريت انتخابات، بحيث لا يقتصر على الغرب فقط، خاصة بعدما أصبح موقف حكومة الدبيبة غير محسوم حتى الآن في ظل وجود حكومة جديدة برئاسة باشاغا.

ملفات عالقة:

بالتأكيد محاولات أردوغان الجارية في الوقت الراهن لاسترضاء روسيا، لا تهدف فقط إلى تجنب جمود العلاقات بين البلدين فقط، بل ومن أجل استئناف الحديث ومحاولة وضع النقاط على الحروف في عدة ملفات مشتركة للتعاون، وأهمها:

(*) الملف الأوكراني: يحاول أردوغان الاستفادة بأقصى درجة من الأزمة الأوكرانية، ومن نجاحه في إنهاء اتفاقية الحبوب، ومن ثم يحاول تصدر المشهد الأوكراني بصورة أكبر لفتح باب للمفاوضات بين موسكو وكييف، من خلال تنظيم لقاء بين بوتين وزيلنسكي، من أجل الاتفاق على هدنة أو وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، وهو ما أكده وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو عقب الاجتماع الذي جمعه بنظيره الروسي سيرجي لافروف قبل يومين فقط من زيارة أردوغان إلى روسيا، بأنهما ” ناقشا ما إذا كان اتفاق الحبوب يمكن أن يكون فرصة لوقف إطلاق النار في أوكرانيا “.

خاصة، إذا قابل الوساطة التركية ضغط صيني على روسيا في هذا الشأن، بعد مناشدة زيلنسكي الصين لاستخدام نفوذها السياسي والاقتصادي على موسكو، واستغلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن أيضا للتدخل لإنهاء الحرب. وهي خطوة قد تستغلها الصين لأنها ستكون بمثابة اختراق للغرب إذا نجحت في هذه المهمة، في ظل تذبذب الثقة الأوروبية في الشريك الأمريكي، لأن طلب زيلنسكي في حد ذاته يعد مؤشرا على تضاؤل الثقة في الحلفاء الغربيين في قدرتهم على إيجاد حل نهائي للحرب في بلاده، والمستمرة منذ ستة أشهر تقريبا.

(*) الملف السوري: حيث من المفترض أن يكون الملف السوري حاضرا بقوة على طاولة المباحثات بين بوتين وأردوغان، حيث يسعي أردوغان إلى ضمان الموافقة الروسية على العملية العسكرية التي تنوي أنقرة شنها في شمال سوريا، بهدف إنشاء المنطقة الأمنية التي لطالما طمحت إلى إنشائها، وتعتبر الفترة الحالية فرصة كبيرة من أجل تركيا لتنفيذ هذا المخطط، مستغلة حفاوة الغرب بالدور التركي منذ بدء الحرب الأوكرانية، وتراجع السياسة المتشددة لواشنطن تجاه تركيا، وتقدير روسيا نفسها للدور التركي المتوازن في الحرب رغم عضويتها في حلف الناتو.

لذا اعتبر عدد من المحللين أن أخذ موافقة روسيا على العملية العسكرية في شمال سوريا هي الهدف الأساسي من الزيارة، حيث تشير الزيارة إلى أن قمة طهران لم تسفر عن أية تفاهمات روسية تركية حول سوريا، وفي ظل تأكيدات المسئولين الأتراك مرارا على تنفيذها، حتى تتفادى بذلك أي خلافات أو تطورات قد تعرقل من سير العملية كما تريدها أنقرة. ومن المفارقة أن مدينة سوتشي الروسية نفسها كانت قد شهدت في وقت سابق من عام ٢٠١٩ تفاهمات خاصة بالشأن السوري سارية حتى الآن بين أنقرة وموسكو.

فبالتأكيد تركيا تود حسم مسألة عمليتها العسكرية الجديدة في شمال سوريا ( تل رفعت ومنبج ) في الفترة المقبلة مع الجانب الروسي، من أجل التفرغ لإقناع الجانب الأميركي بالمسألة، لأن تركيا في حال تمكنها من الحصول على تفاهمات مع روسيا بشأن العمليات العسكرية الجديدة فإنها ستوجه أنظارها إلى الكونغرس الأميركي، لأن تركيا لا تفضل الدخول في أية خلافات مع واشنطن، في ظل وجود نقاشات داخل الكونجرس بشأن إعطائها مقاتلات إف ١٦.

ولكن على ما يبدو أن بوتين لم يوافق على شن عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري، وبالرغم من تأكيد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في نفس يوم الزيارة أن ” مخاوف أنقرة الأمنية بشأن سوريا مشروعة، وأن روسيا ستأخذها بعين الاعتبار “، والتي قد تشير إلى احتمالية وجود فرصة للمساومات في هذا الشأن، حال قدمت تركيا مغريات أكثر إلى روسيا، خاصة وأن تنفيذ عملية عسكرية جديدة من أجل الانتهاء من إنشاء منطقة آمنة لتركيا من الممكن أن يمهد السبل لتسوية بين النظام السوري والأكراد. ولكن حتى الآن لا توجد مؤشرات صريحة وواضحة حول موافقة موسكو على العملية.

ما المقابل؟:

من الواضح أن الاتفاق على هدنة أو وقف لإطلاق النار في أوكرانيا من المبكر الحديث بشأنه في الوقت الحالي، كما يبدو أن هناك خلافات بين تركيا وروسيا حول العملية العسكرية التي تنوي الأخيرة تنفيذها في شمال سوريا، لذا ذهب البعض على سبيل المثال إلى أن روسيا قد تطلب مقابلا من تركيا جراء موافقتها على العملية، وقد يكون هذا سبب هرولة أردوغان إلى روسيا. فمن غير المعروف إذا كان التلكؤ الروسي في إعطاء الضوء الأخضر للعملية العسكرية التركية في شمال سوريا هذه المرة سببه لعبة التوازنات في سوريا والخلافات بين البلدين بشأن سوريا، ام أن روسيا تبحث عن مقابل لذلك، وهناك تلميحات باحتمالية أن يكون المقابل حصول بوتين على المسيرات التركية ” بيرقدار تي بي ٢ “، التي أثبتت فاعليتها ضد الدبابات الروسية في أوكرانيا وفقا لخبراء، وما يدعم هذه الفرضية نقل أردوغان بنفسه بعد عودته من قمة أستانة في طهران طلبا من بوتين في هذا الخصوص، بعد أن زار وفدا روسيا أيضا إيران في وقت سابق لطلب شراء مئات الطائرات المسيرة، وفقا لما ذكره مسئولون أمريكيون، مما يشير إلى حاجة روسيا بالفعل إلى طائرات مسيرة. إلا أن  ذلك يبدو غير كافي بالنسبة إلى روسيا، في ظل وجود بدائل للمسيرات التركية مثل التي تمتلكها إيران.

كما دعم البعض افتراضا آخر، يتمثل في رغبة روسيا في أن تعيد تركيا توجيه دفة دعمها في سوريا، من خلال استعادة علاقاتها ببشار الأسد، وهناك مؤشرات تقارب تؤكد ذلك بالفعل مؤخرا من الطرفين، بالذات بعد حضور وزير الخارجية السوري لقمة طهران، وحينما سؤل عن الوجود التركي لم يصفه ب ” الاحتلال ” كما اعتدنا. كما تجد مستجدات الموقف التركي حيال نظام الأسد صداها في تقارير عدد من سائل الإعلام التركية، والتي أسهبت مؤخرا في الحديث عن احتمالية عودة العلاقات مع نظام بشار الأسد، كما حصل بين تركيا ودول أخرى، مثل السعودية والإمارات، وأن أنقرة تجري عملية تقييم لتعاملها مع الملف السوري بغية وضع خياراتها قبل موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وتصريحات وزير الخارجية التركي غير المسبوقة والمؤيدة لحق النظام السوري في إخراج قوات قسد والتابعة للأكراد من المناطق الشمالية، ودعوته الأخيرة أيضا للمصالحة بين الأسد والمعارضة السورية. أو تغيير توجهات تعامل الساسة الأتراك في ليبيا كما ذكرنا.

ولكن رغم ذلك، لا توجد أية تأكيدات في هذا الشأن، ومع استمرار الرفض الروسي والتحذيرات الغربية من شن تركيا لعملية عسكرية جديدة، لا تتضح أيضا ردة الفعل التركية، هل ستستجيب لتلك التحذيرات وتعلن تأجيل أو إلغاء العملية من الأساس، أم أنها ستقدم علي تنفيذها بالفعل متجاهلة تلك التحذيرات، وفقا لما أعلنه وزير الخارجية التركي بأن بلاده ” لن تطلب إذنا من أحد “، مستغلا استحسان المجتمع الدولي لدوره في الأزمة الأوكرانية، والدور التركي الذي أصبح رقما صعبا في معادلة التوازنات في الأزمة.

وبوجه عام، ومع عدم القدرة على الجزم بنتائج أو أسباب فعلية للزيارة، إلا أن الدعوة إلى عقد قمة جديدة في سوتشي بين بوتين وأردوغان، وهما من الأساس خرجا للتو من قمة طهران قبل أيام، ويوحي بأنه توجد مستجدات وتطورات هامة تخص البلدين، على الأقل فيما يخص الملف السوري، لكنها ما زالت مجهولة. فلماذا يأتي أردوغان من أجل طلب متأكد من أنه مرفوض من جانب روسيا، إلا إذا كان هناك نافذة للتفاوض؟.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى