الصين تهدد باستخدام القوة في كتابها الأبيض حول تايوان.. (ترجمة كتاب)

في الـ 11 من أغسطس، استضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية وانغ ون بين، مؤتمرا صحفيا ناقش الكتاب الأبيض المتعلق بالقضية التايوانية، الذي أصدره مكتب شؤون تايوان التابع لمجلس الدولة والمكتب الإعلامي لمجلس الدولة في ١٠ أغسطس. لقد رد وانغ ون، المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الصينية، على سؤال من أحد الصحافيين حول الكتاب الأبيض قائلا: “إن أي شخص أو أي قوة تريد التدخل في الشؤون الداخلية للصين وعرقلة القضية الكبرى لإعادة توحيد الصين سيواجه بالتأكيد حمام دم في مواجهة سور الصين العظيم الفولاذي المصنوع من اللحم والدم من قبل أكثر من 1.4 مليار صيني.”

الجدير بالذكر، أن هذا الكتاب يعتبر الإصدار الثالث للقيادة المركزية في بكين، والذي يتعلق بالقضية التايوانية، فقد سبق نشر إصداران في أغسطس 1993 وفبراير 2000، عرضا بشكل شامل ومنهجي المبادئ الأساسية والسياسات ذات الصلة لحل قضية تايوان.

تناول الإصدار الحديث تاريخ تايوان والاكتشافات والبحوث الأثرية الجديدة التي تؤكد لروابط التاريخية والثقافية العميقة بين جانبي مضيق تايوان، والتي تعود إلى عام 230 بعد الميلاد، بالإضافة إلى تاريخ تأسيس جمهورية الصين الشعبية والحرب الأهلية التي تسببت في انفصال المضيق عن البر الرئيسي وصولا إلى مرحلة الكفاح لقيادات الحزب الشيوعي للحصول على الاعتراف الدولي لشرعية البر الرئيسي على الصين، وأيضا نزع مقعد تايوان في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لصالح البر الرئيسي، وصولا إلى الوضع الحالي وتمسك الصين بمبدأ ” دولة واحدة ونظامان”.

 لقد ذكر الكتاب أيضا جميع المعاهدات الدولية بين البر الرئيسي والدول الغربية والولايات المتحدة، التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، بالإضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758، والذي تعتبره القيادة الصينية وثيقة سياسة قانونية تجسد مبدأ ” دولة واحدة ونظامان”. وتؤكد القيادة الصينية بأن هناك إجماع عام للمجتمع الدولي على هذا المبدأ، وهذا ينعكس في أقامت ١٨١ دولة علاقات دبلوماسية مع الصين على أساس هذا المبدأ.

الموقف الصيني تجاه الأزمة التايوانية:

في أكتوبر 2017، وضع المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الاستراتيجية الأساسية للالتزام بـ “دولة واحدة ونظامان” وتعزيز إعادة توحيد الوطن الأم، والتي تتركز على تقويض الحركات أو الأنشطة التي تدعو إلى الانفصال في تايوان. في يناير 2019، ألقى الأمين العام شي جين بينغ خطابًا هامًا في الذكرى الأربعين لـ” رسالة إلى المواطنين في تايوان “، وقدم رسميًا اقتراحًا سياسيًا رئيسيًا لتعزيز التنمية السلمية للعلاقات عبر المضيق وإعادة التوحيد السلمي للعلاقات عبر المضيق. وقد تركز على تنمية العلاقات عبر المضيق وتعزيز عملية التوحيد.

ركزت الصين على القوى الناعمة من خلال مفهومها الخاص ” السلام التنموي” والذي يتركز على التنمية السلمية والتنمية المتكاملة للعلاقات عبر المضيق. وأطلقت مفهوم “”أسرة واحدة عبر المضيق” من أجل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البر الرئيسي وتايوان ومن خلاله تعزيز النفوذ الاقتصادية والسياسية للصين في تايوان وعرقلة الأنشطة الانفصالية وتدخلات القوى الخارجية. على سبيل المثال، في عام 1978، كان حجم التجارة عبر المضيق 46 مليون دولار أمريكي فقط، وفي عام 2021 وصل إلى 328.34 مليار دولار أمريكي، بزيادة أكثر من 7000 مرة.

ربط الإصدار الجديد للكتاب الأبيض المتعلق بقضية تايوان، قضية التوحيد (والذي يعتبرها الحزب الشيوعي مهمة تاريخية ثابتة) بالحلم الصيني المتعلق بتجديد شباب الأمة الصينية. فالحلم الصيني متمثل في بناء دولة اشتراكية قوية وحديثة، وهذا يتمثل في القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية للصين والتي يندرج تحتها أهداف يتمثل جزء منها في استراتيجية “الحزام والطريق” التي تتركز على الحزام الاقتصادي والطريق البحري، وأيضا مواصلة تحقيق الاستراتيجيات الوطنية والدولية للصين المتعلقة بالتنمية الاقتصادية المستدامة والتي يعتبرها القيادة الصينية جزء على لا يتجزأ من امن النظام والاستقرار الاجتماعي للصين. فالقضية التايوانية، هي مصالح حيوية للصين تتعلق بالسيادة الوطنية والأمن ومصالح التنمية لبكين. وتحقيق التوحيد يُمكن بكين من الوصول إلى الحلم الصيني، فبالنسبة لها قضية تايوان منبثقة عن الضعف والفوضى على الصعيد الوطني وسوف يتم حلها من خلال تجديد شباب الأمة. وقد تحقق جزء كبير من عملية التجديد خلال الإنجازات الإصلاح والانفتاح والتحديث على مدى السنوات الأربعين الماضية، والتي تعتبرها القيادة في بكين قد أثرت بشكل كبير على المهمة التاريخية لحل قضية تايوان. فوفقا للإحصائيات، في عام 1980، كان الناتج المحلي الإجمالي للبر الرئيسي حوالي 303 مليار دولار أمريكي ، وكان الناتج المحلي الإجمالي لتايوان حوالي 42.3 مليار دولار أمريكي؛ وفي عام 2021، وصل الناتج المحلي الإجمالي للبر الرئيسي إلى حوالي 17.458 تريليون دولار أمريكي، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لتايوان حوالي 789.5 مليار دولار أمريكي- أي 22.1 ضعف نظيره في تايوان. لذلك، تعتبر الصين بناء قوتها الاقتصادية وقوتها العلمية والتكنولوجية والدفاع الوطني يعزز قضية التوحيد ويقوض الأنشطة الانفصالية لـ “استقلال تايوان” وتدخل القوى الخارجية ويوفر أيضًا مساحة واسعة للقيادة الصينية لتعزيز قوتها السياسية والاقتصادية في تايوان من خلال فرص التنمية التي تقلل من صورة الصين لدى التايوانيين كحم ديكتاتوري من خلال مفهوم “ديمقراطية عبر التنمية”.

عكس الكتاب أيضا الجانب الأيديولوجي ” الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” بإصرار القيادة في بكين على حل القضية بالطرق السلمية كجانب من التسامح والحرص على التنمية والاستقرار على جانبي المضيق. كما أكد الجانب الأيديولوجي على أن التوحيد السلمي لن يعيق تايوان في تنفيذ نظام اجتماعي يختلف عن نظام الوطن الأم، مع درجة عالية من الاستقلالية وفقًا للقانون. الجدير بالذكر، أن بعض الأكاديميين التايوانيين يعتبرون الصين لم تفي بوعودها في خلق نظام ديمقراطي في ماكاو وهونج كونج، الأمر الذي أدى إلى الفوضى المناهضة للصين في هونغ كونغ منذ ٢٠٢٠ تنادي بإصلاحات ديمقراطية وترفض الفكر الأيديولوجي للقيادة المركزية.

وهذا يشير أيضا إلى أن أحدى العقبات التي تواجها الصين في القضية، والتي تتعلق بالنظم الاجتماعية والأيديولوجيات المختلفة بين البر الرئيسي وتايوان. لذلك تركز الصين جهودها منذ قدوم شي جين بينغ إلى السلطة على إظهار الديمقراطية في الصين وفقا لأيديولوجية القيادة المركزية والتي تتمثل في ديمقراطية عبر التنمية، وهذا ينعكس في حملة القضاء على الفساد والانتصار على الفقر وهوية الدولة المسئولة وغيرها. تضمن الكتاب في هذا الجانب أيضا بعض الليونة في الخطاب الصيني، فيما يتعلق بالخلافات السياسية بين البر الرئيسي والصين وأكد بأن بكين على استعداد لمواصلة تعزيز المشاورات الديمقراطية من قبل ممثلين من مختلف الأحزاب السياسية وجميع مناحي الحياة على جانبي المضيق، بالإضافة إلى تأكيد الكتاب على السماح لتايوان ممارسة درجة عالية من الحكم الذاتي كمنطقة إدارية خاصة، واحترام النظام الاجتماعي وأسلوب الحياة لمواطني تايوان احترامًا كاملاً، وضمان الملكية الخاصة والمعتقدات الدينية والحقوق والمصالح المشروعة لمواطني تايوان بشكل كامل.

ملامح السياسات الصينية الجديدة:

كما أكد الكتاب على سياسة الصين القادمة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فبالرغم من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها بكين على تايوان عقب زيارة بيلوسي، إلا أن الكتاب يوضح بان الصين في المرحلة القادمة ستواصل الاستمرار تعزيز التبادلات التجارية في إطار استراتيجية “الحزام والطريق”، ودعم مواطني تايوان والشركات التايوانية في الاستثمار في البر الرئيسي من خلال تسهيل القوانين والإجراءات. وركزت بشكل كبير على الشباب التايواني لجذبه إلى البر الرئيسي من خلال الدراسة العمل لتعزيز الجانب الأيديولوجي للحوكمة للحزب الشيوعي وتعميق التفاهم المتبادل وتعزيز الثقة والاعتراف المتبادلين وتحقيق الانسجام الروحي تدريجياً.

استخدام الكتاب أيضا لهجة التهديد من خلال إبراز قوة الصين العسكرية والاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي، والإجراءات الصارم التي ستتخذها الصين لتقويض القوة الانفصالية “استقلال تايوان” في تايوان وبان بكين تضع إجراءات القوة كخيار أخير ولكن تجاوز الخط الأحمر المتعلق بالمصالح الجوهرية للصين سيدفعها إلى اتخاذ الرد القوي. وأظهرت بكين بأن التدخلات الأمريكية في تايوان والاستمرار في سياسية عقلية الحرب البارد سيدفع العلاقات الأمريكية الصينية إلى مزيد من التدهور، الذي يؤثر على المصالح الأمريكية بشكل كبير.

باختصار، يوضح هذا الكتاب السياسية القادمة للصين تجاه تايوان، والتي تتركز بشكل كبير على استعادة تايوان بشكل سلمي من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي لمزيد من النفوذ الصينية على هذا الجانب وتوطيد الأيديولوجيات المتعلقة بـ “الديمقراطية عبر التنمية” والتركيز على جذب الشباب التايواني إلى البر الرئيسي لحل معضلة الخلافات السياسية المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها. وفيما يتعلق بالتدخلات الأمريكية، ستتخذ الصين سياسات غير مباشرة تهدد المصالح الأمريكية في مناطق نفوذها الفترة القادمة من خلال الأدوات الاقتصادية والسياسية للصين. حرص الكتاب أيضا على التوازن بين لغة التنمية والقوة مع جذب القومية الصينية ومحاولة إظهار بان القضية تتمثل في خلافات سياسية بين البر الرئيسي وتايوان حول بعض الأيديولوجيات الخاصة بالحوكمة والتي يمكن إزالتها من خلال التشاور والمفاوضات ومواصلة التنمية المشتركة وتعزيز التبادلات الثقافية. وفي النهاية التدريبات العسكرية التي تقوم بها الصين خلال هذه الأيام ما هو إلا استعراض للقوة وحفاظا لماء الوجه ويخدم الأجندة السياسية للحزب الحاكم المتمثل “الحلم الصيني” وهو مواصلة بناء دولة اشتراكية قوية عسكريا واقتصاديا، وما ناحية أخرى يواجه الرئيس الصيني شي معارضة داخلية كبيرة بسبب التحولات الكبيرة في سياسة الصين الخارجية من إخفاء الأنظار إلى اظهار القوة. ففي الشهر المقبل، ستعقد الجلسة الكاملة السادسة، وهو اجتماع مهم سيناقش فيه كبار أعضاء الحزب ويبنون توافقًا في الآراء بشأن تشكيل قائمة مختصرة بحكم الأمر الواقع للجيل القادم من قيادة الحزب (سيتم تنصيبها في أواخر عام 2022). ومن ناحية أخرى، حزب المعارضة الرئيسي في تايوان، الكومينتانغ (KMT) ، انتخب مؤخرا زعيمًا جديدًا بعد حملة حزبية ركزت بشكل أساسي على سياسة تايوان تجاه الصين. حقق الرئيس الجديد ، إريك تشو، الذي خاض الانتخابات يعتمد برنامجها على تعزيز السياسة الخارجية مع الولايات المتحدة، فوزًا متواضعًا بنسبة 45٪ من الأصوات في سباق رباعي ضيق. وقد وعد تشو منذ ذلك الحين بأن يكون موحدًا يستمع إلى أصوات أخرى في حزبه، وتعهد باستئناف المحادثات المتوقفة مع الصين.على هذا النحو ، لدى بكين سبب وجيه لفرض ضغط عسكري في هذه اللحظة على أمل دفع سياسة حزب الكومينتانغ الجديدة في الاتجاه المفضل لبكين.

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، و هي باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجة الدكتوراه والماجستير في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى