أي فرص للغاز المصري في ظل استمرار الأزمة الروسية – الأوكرانية؟

في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في أواخر فبراير 2022، قرر الاتحاد الأوروبي حظر نحو 90 في المائة من واردات الغاز الروسي، كجزء من حزمة العقوبات التي فرضتها أوروبا على موسكو. وعليه، صرح دبلوماسيون أوروبيون بأنه “لا يتوقع أحداً في أوروبا نهاية فورية للصراع في أوكرانيا.. وأن العلاقات مع روسيا لن تعود كما كانت عليه، فقد أكد الاتحاد الأوروبي بأنه سيتحول إلى موردين بديلين، وينمي الطاقة المتجددة بشكل أسرع لتعويض النقص. الجدير بالذكر، أن الغاز الروسي كان الأرخص بالنسبة للأوروبيين، وكان يلبي مواصفات دولهم، بالإضافة إلى كونه كان متاح بسهولة ووفرة.

الواقع يشير إلى أن إسبانيا والبرتغال يتنافسان على أن يكونا مصدرًا بديلاً لتوريد الغاز الروسي، فميناء ميناء سانس، أكبر مواني البرتغال، يسعى إلى مضاعفة طاقة مصبه من الغاز في أقل من عامين، كما أن إسبانيا، لديها خط أنابيب غاز مع الجزائر ولديها محطات كبيرة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال. من ناحية تعلق أوروبا، آمالًا كبيرة على الغاز في شرق البحر المتوسط ​​للمساعدة في إنقاذها من أزمة طاقة من المرجح أن تتفاقم بحلول الشتاء.

فرصة الغاز المصري:

 من وجهة نظر الكثير، قد تصبح مصر قريبًا مصدرًا رئيسيًا للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي إذا كانت قادرة على تخفيف المشكلة الأوروبية إلى حد كبير عن طريق بيع الغاز الطبيعي المسال بكميات كبيرة إلى الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يشعر بعض الخبراء بأن هدف مصر أن تصبح موردًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي، هو هدف طويل الأجل سيتم تحديده من خلال متغيرات أخرى كثيرة، و ذلك لأن مصر ليس لديها خط أنابيب يربط مصر مع أوروبا. فالغاز المصري، يجد طريقه إلى أوروبا عبر الغاز الطبيعي المسال، ومصر تعتمد أكثر على السوق الآسيوية، التي تتلقى 78 في المائة من الغاز الطبيعي المسال. وتجدر الإشارة أن أكبر سوق منفرد لمصر هي باكستان (22 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال)، تليها المملكة المتحدة والصين (10 في المائة لكل منهما). وبالتالي، يُقترح أن تتبنى مصر استراتيجية بسيطة، وهي تصدير الغاز المسال وتعظيم أرباح صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، لأن الاتحاد الأوروبي يشتري بالفعل الغاز الطبيعي بأسعار عالية.

 تحاول مصر ترسيخ مكانتها كمركز للطاقة، والاستفادة من اكتشافات الغاز الكبيرة في السنوات الأخيرة، والأوضاع الحالية تعتبر بمثابة فرصة كبيرة لمصر لتحتل مركز الصدارة، حيث أن اكتشاف “حقل ظهر” العملاق للغاز في عام 2015 والدعم الحكومي لتسريع تطويره إلى تغيير وجهة نظرة  في مصر وأعادتها كمصدر صافٍ للغاز. حاليًا، من المتوقع أن تصدر مصر حوالي 11.5 مليار متر مكعب بحلول عام 2025. وهذا سيمثل نموًا بنسبة 60 في المائة عن عام ذروة التصدير لعام 2009 – وهو إنجاز كبير لبلد كان مستوردًا رئيسيًا قبل بضع سنوات فقط. علاوة على ذلك، تحتل مصر موقعًا مركزيًا في المنطقة سيسمح لها بتصدير الفائض المتوقع من الغاز في العامين المقبلين وأيضًا إمكانية أن تصبح مركزًا إقليميًا من خلال تصدير فائض الغاز إلى الدول المجاورة، من خلال محطتي تسييل تقعان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ​​في إدكو ودمياط.

من ناحية أخرى هدفت الجولة الأوروبية الأخيرة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي استغرقت ستة أيام، والتي زار خلالها ألمانيا وصربيا وفرنسا (17-22 يوليو)، إلى تعزيز صورة مصر ومكانتها كلاعب محوري على الساحة العالمية. ومعتزا من بحث أوروبا عن جميع مصادر الطاقة البديلة الممكنة لتعويض الانخفاض في صادرات الغاز الطبيعي الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا، تبرز مصر مؤقتًا كمورد محتمل في المستقبل.

كما تم الإشارة من قبل، نجحت مصر فى السنوات الماضية فى احتلال مكانة متميزة فى مجال إنتاج وتسييل وتصدير الغاز. لقد أصبحت مساعي مصر لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة وتحقيق طفرة في التصدير حقيقة واقعة. وقد أشارت دراسة حديثة أصدرتها منظمة الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك) بعنوان “تطورات الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين خلال الربع الرابع من عام 2021” إلى أن صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال زادت بنسبة 109٪ في الربع الرابع من عام 2021. مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وقد جعل هذا الازدهار مصر الدولة صاحبة أعلى معدل نمو في حجم صادرات الغاز مقارنة بالدول العربية الأخرى خلال ذلك الربع.

كما أكدت الدراسة أن هذا الازدهار في الصادرات يرجع إلى جهود مصر لإعادة تشغيل مجمع التسييل في ميناء دمياط في فبراير من العام الماضي، والذي تبلغ طاقته الإنتاجية 5 ملايين طن سنويًا، بعد توقف دام ثماني سنوات. هذا بالإضافة إلى تشغيل مجمع إدكو الذي تبلغ طاقته الإنتاجية حوالي 7.2 مليون طن سنويًا. ونتيجة لذلك، فإن قدرة سوق الغاز الطبيعي المصري على المساعدة في تخفيف الأزمة، وبالتالي تحقيق مكاسب فيما يتعلق بتعزيز مكانتها في أوروبا كمصدر للغاز الطبيعي المسال يسعى إلى تحقيق هوامش ربح أكبر يبدو أنه خيار واقعي وعملي بناءً على العناصر المذكورة أعلاه، فإن قدرة مصر على الاستفادة من الأزمة على المدى القصير والطويل تعتمد على اعتماد أوروبا على الدول الأفريقية المجاورة التي تؤثر على المناخ الاقتصادي والسياسي العام.

أزمة بابوا غينيا ومنافسة تصدير الغاز الطبيعي المسال:

قد يقلل النقص الحالي من اعتماد أوروبا على إمدادات بابوا غينيا الجديدة التي يحتمل أن تكون مضطربة لأسباب عديدة ، وضع الاتحاد الأوروبي خطة لزيادة اعتماده على الغاز الطبيعي المسال على حساب بابوا غينيا الجديدة. مما يسمح لمصر بأن تصبح أحد أكبر الموردين في القارة. يعتمد هذا على قدرة السلطات المصرية على زيادة الإنتاج ، وتوقيع المزيد من العقود المشتقة ، وتنفيذ برامج أكثر إبداعًا وكفاءة وجديدة لتعظيم قيمة فائض الطاقة ، مثل شحن فائض إنتاج الطاقة الكهربائية إلى الاتحاد الأوروبي.

كانت حقول الغاز ومحطات التسييل المصرية تنتج الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال بمعدلات قياسية ، وفقًا لمسئولين مصريين في يونيو 2021. قد تحقق مصر أقصى أرباح فورية لأنها تعتمد في الغالب على بيع إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال في السوق بأسعار فورية ثابتة مرتفعة جدًا مقارنة بالعقود الآجلة والتسعير المتوسط. ولكن، تتنافس مصر بشكل مباشر على صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر وعمان ، وكذلك والنرويج والجزائر ومنتجي الغاز الطبيعي التقليدي في الاتحاد الأوروبي. كما اقترح أحد خبراء الطاقة والاقتصاد، أن “مصر” تبذل قصارى جهدها لمحاولة إظهار للعالم أنه حتى في الأوقات الصعبة ، يمكن أن تكون صناعة النفط والغاز المصرية حلاً للبلدان المحيطة بنا وهذا سيساعد مصر في التخطيط لتكون مركزًا للغاز الآن وفي المستقبل أيضًا. من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء أن من غير المرجح أن تستفيد مصر من استعدادها لمحاولة حل هذه المشكلة إلى الحد الذي يدفع الاتحاد الأوروبي إلى إضافة مصر إلى قائمة موردي الغاز الرئيسيين.و نظرًا لغياب خطوط أنابيب الغاز التي تربط مصر بالاتحاد الأوروبي، يمكن أن تكون صادراتها فقط في شكل غاز طبيعي مسال، والذي قد لا تتمكن بعض الدول الأوروبية من التعامل معه نظرًا لنقص البنية التحتية.في كلتا الحالتين من المؤكد أن هناك خريطة جديدة للغاز الطبيعي حول العالم تم رسمها في ظل البحث عن مصادر جديدة للغاز، لكن الخبر السار هو أن مصر سبقت الجميع ولديها مكان فعلي على تلك الخريطة.

د.حنان بركات

د. حنان بركات: خبيرة في شؤون الدراسات الاقتصادية، وهي تعمل رئيساً لقسم التمويل و الاستثمار بالجامعة المصرية الصينية، حاصلة على درجة الدكتوراه في التمويل والاستثمار من جامعة عين شمس، الخبيرة مهتمة بالقضايا الاقتصادية و الاستثمارية في العالم, نشرت العديد من الأبحاث في مجال التمويل، كما عملت في بعض مراكز الفكر والدراسات العربية، وكتبت في العديد من المجلات المحكمة المتخصصة في الشئون الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى