المشهد السياسي المُحتمل فى السنغال بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة

تنعقد فى الحادي والثلاثين من يوليو الجاري الانتخابات البرلمانية في السنغال، التي تعد نقطة فاصلة فى مستقبل الائتلاف الحاكم بقيادة الرئيس الحالي “ماكى سال”. وعلى الرغم من سيطرة الائتلاف الحاكم في تلك الدولة، على الأغلبية المريحة في الجمعية الوطنية السنغالية، التي تعادل 125 من أصل 165 مقعدا- إلا أن القراءة المتأنية للمشهد الانتخابي فى السنغال تنبئ عن أن شعبية الائتلاف الحاكم بدأت تتآكل لصالح الائتلافات المعارضة، وعليه يُطرح السؤال، وهو: هل تغير الانتخابات البرلمانية المقبلة المشهد السياسي في السنغال؟.

حدود الأهمية لـ “ماكى سال”:

تجرى الانتخابات فى السنغال، كل خمس سنوات بطريقة مجمعة، تبدأ بالمحلية يليها البرلمانية وتنتهي بالرئاسية، فقد تقرر إجراء الأولى في  يناير المقبل، والثانية فى يوليو من نفس العام، أما الأخيرة فتعقد فى فبراير القادم– أي بعد  عام ونصف من إجراء المحليات.

ويقضى الرئيس السنغالي الحالي “ماكى سال” ولايته الثانية والتي تنتهى في فبراير عام 2024، ويحق له دستوريا الترشح لولاية ثالثة، ولا يوجد مانع دستوري من هذا الترشح، وفقاً للتعديلات الدستورية التي أجريت في عام 2016 إبان ولايته الأولى، وعلى الرغم من عدم صدور تصريح بالإيجاب أو نفى من الرئيس “سال” نفسه، إلا أن المؤشرات تنبئ عن أنه عازم على الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024.

غير أن مانعا عمليا قد يحول دون ترشحه، وهو ما يعرف في النظم الرئاسية بـ “الطريق المسدود”، ويتحقق الطريق المسدود حينما يفقد الرئيس وحزبه أو ائتلافه الأغلبية في البرلمان، ولا يتمكن من تكوين تحالف مؤيد له، وفى هذه الحالة ولو فاز – جدلا – فى الانتخابات الرئاسية المقبلة لا يمكنه إدارة الدولة مع برلمان تستحوذ المعارضة على الأغلبية فيه.

تحالف محتمل:

مع اقتراب الانتخابات المحلية التى عقدت فى يناير من هذا العام 2022، ونظرا لرغبة المعارضة السنغالية فى الحيلولة مستقبلا دون فوز الرئيس “سال” بولاية ثالثة، ائتلف جانب كبير من المعارضة السنغالية تحت اسم “يوي أسكان وي” “حرروا الشعب” بلغة الولوف، وتشكل هذا الائتلاف من أكثر من 20 حزبا وحركة سياسية، يقوده المرشح الرئاسى السابق وعمدة مدينة “زيجينيشور” الحالى”عثمان سونكو”.

وقد جاءت نتائج هذه الانتخابات المحلية السابقة مبشرة للمعارضة، حيث تمكن ذلك الائتلاف المعارض من اقتناص الفوز من الائتلاف الحاكم”بينو بوك ياكار” “معا للوصول إلى المأمول”الذى يقوده الرئيس “سال” وحزبه “التحالف من أجل الجمهورية” فى أهم مدينتين سنغاليتين، وهما: مدينة “داكار” العاصمة السنغالية والتي صوتت لصالح “بارتيليمي دياس”، وهو حليف للمعارض”خليفة سال” عمدة داكار الأسبق، ومدينة “زيجينيشور” عاصمة إقليم كازامانس” التى تعانى من صراع مسلح منذ 40 عاما، والتي صوتت لصالح “سونكو”.([1])

وقد كانت هذه النتائج المبشرة حافزا قويا للمعارضة السنغالية على الاستمرار  فى الائتلاف، وبذل المزيد من الجهد من أجل إزاحة الائتلاف الحاكم “، وهو ما شجع ائتلاف “يوي أسكان وي” المعارض على الاستمرار ، بل وضم مكونات سياسية جديدة فى تحد واضح لائتلاف “بينو بوك ياكار”الحاكم.

غير أن جانبا لا بأس به من المعارضة، لم يدخل فى هذا الائتلاف المعارض القوى، وفضل أن يخوض الانتخابات منقسما إلى 6 ائتلافات أخرى معارضة، لكنها ائتلافات ضعيفة نسبيا على المستوى الوطني، وأقواها ائتلاف “والو السنغال” “إنقاذ السنغال”، الذى يقوده الرئيس السنغالي السابق “عبد الله واد”.  لكن “واد” رفض دمج ائتلافه فى ائتلاف “سونكو”

ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية واحتدام المنافسة والحشد ووقوع احتجاجات أسفرت عن قتلى وجرحى نتيجة استبعاد بعض قوائم المعارضة اضطر ائتلاف “سونكو” “يوي أسكان وي” إلى عقد اتفاق انتخابي مع ائتلاف “واد” “والو السنغال”.([2])

وبعد اجتماعات ومشاورات مطولة اتفق الزعيمين المعارضين “سونكو” و “واد” على دعم ائتلاف كل منهما للآخر فى مناطق نفوذ كل منهما بحيثيقوي كل ائتلاف الآخر في قسم يكون فيه في موقع قوة بشكل ملموس على المستوى المحلي، فيقود القائمة المرشح الذي فاز بآخر انتخابات محلية بحيث يكون في وضع أفضل للفوز، إذ المنتظر أن يصوت أنصار الائتلافين لصالح المرشح الأقوى أو القائمة التي يتصدرها مرشح قوى، بغض النظر عن كون هذا الأقوى يتبع هذا الائتلاف أو ذاك، فلا تتشتت أصوات الائتلافين بينهما، وذلك لحصد أكبر قدر من الأصوات فى محاولة لاقتناص المقعد من مرشح الائتلاف الحاكم، أما على المستوى الوطنى فيقدم كل ائتلاف قائمته الخاصة به، ولا تعارض فى ذلك؛ فعدد المقاعد كبير، وبهذا تتمكن القائمتان المتحالفتان من حصد أكبر عدد من المقاعد.

وفى النهاية، يمكن القول إن شعبية ائتلاف “بينو بوك ياكار” الحاكم بدأت فى التآكل بالفعل لصالح المعارضة، وسوف يزيد من هذا التآكل تحالف ائتلافي المعارضة الأكثر تأثيرا ائتلاف “عثمان سونكو” “يوي أسكان وي” وائتلاف “عبد الله واد” “والو السنغال”، لكن ولئن كانت المعارضة ستحصد عدد مقاعد أكبر من المرات السابقة، إلا أن هذا لن يصل لدرجة أن بفقد الائتلاف الحاكم الأغلبية فى الجمعية الوطنية، نظرا لوجود تشتت نسبى فى الأصوات بسبب وجود خمسة ائتلافات معارضة أخرى لم تتحالف مع ائتلافي “سونكو– واد”.

_______________________________________________________________________

([1]) Reuters Website, Last Visit at 21July 2022, at 1:05 pm, at link:

https://www.reuters.com/world/africa/senegals-ruling-party-loses-key-cities-local-elections-2022-01-24/

– Euro News Website, Last Visit at 21 July 2022, at 1:10 pm, at link:

https://www.euronews.com/2022/01/23/us-senegal-elections

– The Africa Report Website, Last Visit at 21 July 2022, at 1:15 pm, at link:

https://www.theafricareport.com/169945/senegal-oppositionist-ousmane-sonko-celebrates-his-election-victory-in-ziguinchor/

– Voa News Website, Last Visit at 21 July 2022, at 1:20 pm, at link:

https://www.voanews.com/a/senegal-votes-for-mayors-in-litmus-test-for-president-/6408787.html

– Africa News Website,Last Visit at 21 July 2022, at 1:25 pm, at link:

https://www.africanews.com/2021/09/03/senegal-opposition-coalition-led-by-ousmane-sonko-launched-for-local-elections/

([2])Publié le, “Les coalitions WalluSénégal et YewwiAskan Wi s’unissent pour les législatives”,  rfi Website, Last Visit at 21 July 2022, at 1:30 pm, at link:

https://www.rfi.fr/fr/afrique/20220509-les-coalitions-wallu-s%C3%A9n%C3%A9gal-et-yewwi-askan-wi-s-unissent-pour-les-l%C3%A9gislatives

د. سعيد ندا

د. سعيد ندا- رئيس وحدة الدراسات الدولية-، حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة - متخصص فى الشئون الأفريقية - مهتم بقضايا النظم السياسية، والنظم الانتخابية، وتحليل وتسوية الصراعات، وكاتب في العديد من المجلات العلمية ومراكز الفكر والدراسات والبحوث، صدر له عدة كتب وأبحاث ومقالات علمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى