هل حققت زيارة “بايدن” إلى السعودية أهدافها؟

في منتصف يوليو الجاري، عُقدت “قمة جدة” بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى مصر والأردن والعراق، وكان الهدف من تلك القمة، هو تسليط الضوء على الملفات الملحة في الساحة الدولية والإقليمية، خاصة وأن جولة “بايدن” بالمنطقة، جاءت  في توقيت يشهد فيه العالم متغيرات عدة تتعلق بصياغة التحالفات الإقليمية والدولية، وتداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا على قطاع الطاقة، وارتفاع مستوى التوترات في الشرق الأوسط بين إسرائيل وإيران، في أجواء من احتمالات فشل مفاوضات الملف النووي.

وفي هذا الإطار، يحاول هذا التحليل رصد أهم الأهداف التي حققتها زيارة الرئيس الأمريكي للأراضي السعودية، وأهم الأهداف التي أخفقت القمة في تحقيقها، وتأثير القمة على العلاقات السعودية الأمريكية في الفترة القادمة، مع توضيح ما إذا كانت هناك ردة فعل روسية أو إيرانية على ما تم تداوله خلال القمة.

أهداف “واشنطن”:

 المؤكد أن تلك الزيارة قد تمت بناءا على أهداف محددة، اضطرت إليها الإدارة الأمريكية، ويأتي على رأس تلك الأهداف:

(*) أهداف معنوية واستراتيجية: ففي وقت سابق تعهد الرئيس الأمريكي بمعاقبة ولي العهد السعودي وتحويل السعودية إلى جزيرة منبوذة، كما تعهد حال زيارته للملكة بعدم لقاءه ولي العهد، هذا فضلا عن إعلانه أن منطقة الشرق الأوسط، خارج أولوياته. وهو ما حدث خلافه تماما من خلال الزيارة، فالرئيس الأمريكي بادر أولا بزيارة السعودية، والتقي ولي العهد، بل وتعهد بالدفاع عن المنطقة واستعادة التعاون معها. وبذلك سيتم إعادة تقييم العلاقات السعودية الأمريكية، والتحالفات والدور الأمريكي في المنطقة في المستقبل، وفي نفس الوقت إبعادالصين وروسا عن المنطقة.

(*) التنسيق بشأن التهديدات الإقليمية: فقد أثيرت الأقاويل في الأوساط السياسية قبيل الزيارة عن عزم الرئيس الأمريكي بالاتفاق مع الدول الحاضرة للاجتماع، بالإصافة إلى تركيا وإسرائيل في مواجهة التهديدات الإيرانية في المنطقة، في إطار رسمي تعاقدي أكثر، فيما تم تداوله باسم ” الناتو العربي”، ولكن بغض النظر عن تشكيل التحالف بشكل رسمي أم لا، فإن الزيارة تحوي إشارات إيجابية عن دعم واشنطن لدول المنطقة في مواجهة التهديدات الإيرانية، خاصة بعدما فشلت حتى الآن محاولات إتمام الاتفاق النووي. كما يرغب بايدن أيضا في تثبيت الهدنة في اليمن.

(*) التطبيع بين السعودية وإسرائيل: فمن ضمن الأهداف أو المبررات المعلنة من قبل الرئيس الأمريكي للزيارة أمام الرأي العام الأمريكي، هو حماية أمن ومصالح إسرائيل، وبالتالي جاءت الزيارة استجابة لتنفيذ هدف بايدن المعلن، وذلك من خلال دمج إسرائيل في كافة ملفات وتحركات دول المنطقة، ومحاولة تطبيع العلاقات مع السعودية على غرار جارتيها الإمارات والبحرين.

(*) حل أزمة الطاقة: وهو الهدف الرئيس من الزيارة، والذي دفع بايدن وإدارته إلى التراجع عن موافقه المتشددة إزاء السعودية ودول المنطقة عموما، وغامر بانتقادات الإعلام والكونجرس الأمريكيين، ولكن تحديات الحرب الأوكرانية وضعت الإدارة الأمريكية في وضع أشبه بالأمر الواقع، بعدما آلت إليه من موجة ارتفاع غير مسبوقة في أسعار الطاقة، أثرت أيضا على الداخل الأمريكي، بعدما رفضت الدول الخليجية زيادة انتاجها من النفط، وأعلنت التزامها باتفاق أوبك +. الأمر الذي أثار تخوف الديمقراطيين عموما من خسارة انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم.

نتائج متواضعة:

نجحت زيارة بايدن في تحقيق بعض أهدافها، ولكنها أخفقت في البعض الآخر، فعلي سبيل المثال:

  1. نجحت في انجاز الهدف المعنوي والاستراتيجي في نفس الوقت، والذي يتمثل في ترميم العلاقات مع السعودية، وتمت إزالة الحساسيات في التعامل بين المسئولين الأمريكان والسعوديين، خاصة مع ولي العهد السعودي، حتى ولو على المستوى الظاهري، باعتبار أن تنفيذ الزيارة كان هو الخطوة الأهم والأكثر صعوبة وحساسية. الأمر الذي قد يؤخر من التقارب السعودي مع روسيا والصين على مستوى أوسع. لكن وحتى هذا الهدف لم يكتمل بشكل تام حتى الآن، مع عودةسياسة التلاسن التي بدأت عقب انتهاء القمة بين مسئولين سعوديين وأمريكان، فقد سبق وأنكر وزير الخارجية السعودي عادل الجبيرانتقاد بايدنللسعودية خلال القمة بخصوص قضية خاشقجي، حتى عاد بايدن وعقد مؤتمر صحفي في البيت الأبيض عقب العودة من جدة ينفي فيها تصريحات الجبير. كما تمت إثارة قضية الجواسيس السعوديين في هذا التوقيت، مما يدل على استمرار سياسة التلاسن والانتقادات بين واشنطن والرياض، كما يشير إلى أن قمة جدة لم تكلل بالنجاحات المتوقعة حتى يتم إثارة كل هذه البلبلة.
  2. لكنها فشلت على الجانب الآخر في دمج إسرائيل رسميا في المنطقة من خلال إنشاء ناتو عربي لمواجهة إيران؛ فمصر على سبيل المثال لن تتورط في حرب ضد إيران. كما أن الأردن عبرت من خلال وزير خارجيتها عن أن إيران ليست عدوا لها، بل أبدت استعدادها للتعاون معها وبدء مرحلة جديدة.وسبقت ذلك كله الإمارات، بعد إرسال سفيرها إلى طهران لتوثيق العلاقات معها عشية قمة جدة، في تأكيد لطهران بأن أبوظبي لن تدخل في مواجهة مسلحة ضدها، وأن حضورها لقمة جدةمع بايدن ليس موجها لها. أصف إلى ذلك، ان السعودية نفسها قد تسعي لعلاقات مستقرة مع إيران بوساطة عراقية على سبيل المثال، وهو ما سيصب في مصلحة الجانبين، كما لم يصدر عنها أي تأييد رسمي لإعلان القدس بين واشنطن وتل أبيب بخصوص النووي الإيراني. كما أن قطر والكويت وعمان أيضا على علاقات مستقرة بإيران. ولكن، قد تكون هذه المواقف في هذا الشأن ليست استرضاءا لإيران في حد ذاتها، لأن توتر العلاقات بين إيران ودول المنطقة مسألة مفروغ منها، بقدر ما هو تحدي وابتزاز وضغط على الإدارة الأمريكية، التي أصبحت شريكا غير موثوقا في الفترة الأخيرة من جهة. ومن جهة أخرى، قد تكون مجرد تحركات دبلوماسية لإنكار وجود تنسيق عسكري ضد إيران يتسبب في إثارتها أكثر، لكنه بالفعل قد يكون هناك تنسيقات جماعية ضد الطموحات الإيرانية شهدت عليها عدة اجتماعات، منها قمة شرم الشيخ على سبيل المثال.
  3. وبخصوص ملف التطبيع بين السعودية وإسرائيل، فيبدو أنه لم يتم إنجازه أيضا حتى الآن، أو أن الأمر قوبل برفض سعودي، ولكن مع ذلك لا يمكن إنكار أنها المرة الأولى التي تفتح فيها الأجواء السعودية للطائرات القادمة من وإلي إسرائيل، بعد سفر بايدن مباشرة من إسرائيل إلى جدة.
  4. أما الهدف الأهم، وهو زيادة انتاج النفط، فقد أعلن ولي العهد السعودي في بيانه خلال القمة عزم بلاده زيادة انتاج النفط حتى ١٣ مليون برميل يوميا، وهو الحد الأقصى، مما يشير إلى رفض السعودية طلب بايدن، على الأقل في الوقت الراهن، مما يؤكد أن أزمة الطاقة الحالية مستمرة حتى إشعار آخر من قبل الدول المعنية، خاصة بعد أن عاد وأكد أن الزيادة المذكورة ستتم بحلول ٢٠٢٧.ولكن من المتوقع أن يكون الموقف السعودي مؤقتا، لأن الرئيس الأمريكي من المؤكد أنه لم يأتي إلى السعودية بعد عامين من الخلافات، وبعدما عرض نفسه وحزبه للانتقادات الداخلية، من أجل طلب يعلم أنه مرفوض، خاصة وأن الزيارة سبقها اتصالات ومباحثات على أصعدة مختلفة كتمهيد للزيارة.كما أسفرت القمة عن توقيع 18 اتفاقية ومذكرات للتعاون المشترك في مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات والفضاء والصحة.

وجدير بالذكر، أن مجرد الزيارة أسهمت في انخفاض اسعار الطاقة، والوقود بوجه خاص في الولايات المتحدة، كما غطت على ملفات داخلية أثارت الجدل مؤخرا في الداخل الأمريكي، مثل قضية حاسوب ابن الرئيس الأمريكي ( هانتر بايدن )، وعمليات القتل المتكررة في عدد من الولايات الأمريكية، وتوظيف الجمهوريين لهذه الملفات للضغط على الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي.

تحركات مقابلة:

التحركات الأمريكية تلك قابلتها تحركات روسية، على سبيل المثال قمة أستانا المنعقدة في طهران بين روسيا وإيران وتركيا، والتي تقلل من أهمية التحركات الأمريكية في المنطقة، كما تشير إلى احتمالية تشكيل تحالف إقليمي أخر، بل وضد أي تحركات مناهضة لإيران أو روسيا إذا اضطر الأمر لذلك.

وفي توقيت لافت، وبعد أيام من قمة جدة، أجرى بوتين اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي،تبادل كل منهما ما ورد خلال قمة جدة وأستانا،واللافت أن استقبال الأخير لهذه المكالمة في حد ذاته مؤشرا على عدم نجاح زيارة بايدن بشكل كامل،كما أنه ليس من مصلحة روسيا ولا السعودية الخلاف في الوقت الراهن في ظل ارتباطهما بمنظمة أوبك +، تجنبا لأي سياسة انتاجية أو نفطية مختلفة. وزيارة بوتين لإيران لا تنفي ذلك.

ناهيك عن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى مصر الأحد ٢٤ يوليو الجاريللاجتماع مع القادة في جامعة الدول العربية، وقد تستغل روسيا علاقاتها مع الجزائر في هذا الشأن، لمزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية.

غيرأنالاتصالات السعودية مع روسيا _ رغم أهمية دلالاتها _ إلا أنها لا تؤشر إطلاقا إلى خروج الرياض عن الحظيرة الأمريكية، ولا الخليج نفسه يستعد للاعتماد على روسيا كبديل للولايات المتحدة، ولكن كوسيلة ضغط عليهم فقط. ولا روسيا نفسها تسعى للتحالف مع إيران ضد الخليج او العكس، فكله يقع في إطار اعتبارات المصلحة الوقتية للمساومة والضغط على واشنطن.

وفي الختام يمكن القول، إنه من الواضح أن العلاقات السعودية الأمريكية لازال يشوبها التوتر، الذي لن تمحيه الزيارة، حنى ولو كانت من رئيس أكبر دولة في العالم، مقارنة بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية على سبيل المثال، والتي نجم عنها استعادة العلاقات السعودية التركية عموما، وقام ولي العهد السعودي برد الزيارة إلى أنقرة، رغم أن أنقرة تعد الضلع الثالث في قضية خاشقجي. كما من الواضح أن السعودية نفسها لم تتأمل في نتائج الزيارة، والدليل على ذلك هو استقبال أمير مكة للرئيس الأمريكي، مقابل استقبال ولي العهد السعودي بنفسه لبقية الزعماء العرب الحاضرين لقمة جدة.

وأخيراً ربما يكون الحكم  مبكراً على مدى نجاح أو فشل الزيارة في تحقيق المراد منها، خاصة فيما يتعلق بزيادة إنتاج النفط، لكن الفترة القادمة كفيلة بتوضيح ما جرى الاتفاق عليه في الغرف المغلقة. وإذا كانت الزيارة لن تنجح في محو كافة الخلافات بين الإدارة الأمريكية الحالية وبين القادة السعوديين بعد الصدامات المتعددة منذ تولي بايدن الحكم بهذه السرعة، إلا أنها ستساعد على إنعاشها بشكل واضح مع مرور الوقت، وبالتالي يمكن الحكم على أن الزيارة كانت بمثابة خيار استراتيجي ضروري للتماشي مع المستجدات الدولية والإقليمية، خاصة وأن بايدن اجتمع في وقت سابق مع الرئيس الروسي والصيني وهو على خلافات جوهرية معهما تفوق ما تجمعه بولي العهد السعودي.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى