الحوار الوطني خطوة على طريق الديمقراطية

د. يسرا شعبان- مدرس القانون بكلية الحقوق بجامعة عين شمس.

تخطو الدولة المصرية في الفترة الأخيرة خطوات حثيثة نحو الديمقراطية. فقد دعا سيادة رئيس الجمهورية لحوار وطني في رمضان الماضي، خلال إفطار الأسرة المصرية، وذلك للتنسيق مع كافة تيارات وفئات المجتمع لإدارة حوار وطني حول أولويات العمل الوطني خلال المرحلة الراهنة. وانطلقت بالفعل في الخامس من يوليو الجاري أولى جلسات الحوار الوطني، وتم التأكيد على أنه سيتم العمل على إخراج تشريعات قانونية وإجرائية تلامس الشعب المصري، وأعلنت إدارة الحوار عن تشكيل مجلس الأمناء والذي يتكون من 19 عضواً.ويذكرنا ذلك بما درسناه عن الديمقراطية وركائزها. فنجد أولاً اهتمام إدارة الحوار بالناحية القانونية لإيمانها بأهمية القانون في إضفاء الشرعية على قرارات اللجنة. وثانياً، نجد تمثيل غير مباشر للشعب متمثل في اللجنة.

لذلك نتساءل: “هل الحوار الوطني صورة من صور الديمقراطية في ظل الجمهورية الجديدة؟

قبل كل شيء وجب التنويه والتذكير أن كلمة الديمقراطية تتكوَّن من مقطعين؛ المقطع الأول (Demos) ويعني الناس أو الشعب، والمقطع الثاني (kratein) ويعني الحُكم، وبذلك يشير مفهوم الديمقراطية لغةً إلى حُكم الشعب أو حُكم الأغلبية. وبذلك ففي نظام الحُكم الديموقراطي تكون السلطة العليا بيد الشعب، الذي يمارس سلطاته بشكلٍ مباشرٍ، أو عن طريق مجموعة منتخبة من الأشخاص يمثلون الشّعب.

وللديمقراطية دعائم وأركان نذكر منها

أولاً الانتخابات، التي تعد التعبير الأمثل عن النزاهة والحرية كونها وسيلة لتعبير أغلب فئات الشعب عن المصلحة العامة التي تخص الدولة، والتنحية جانباً المصالح الخاصة والشخصية.

وثانياً والأهم التسامح السياسي الذي بفضله يتحقق التنمية المُستدامة، بتكاتف كافة القوى التي قد تكون متعارضة لتحقيق الفائدة المجتمعيّة لأن التسامح السياسي يؤكد بادئ ذي بدء عن إتاحة الفرصة لكافة طوائف الشعب التعبير عن رأيهم ومعتقداتهم في ظل مناخ من التفاهم واحترام الآخر.

ثالثاً، سيادة القانون لضرورة خضوع العملية السياسية للقوانين وأحكامه والتي تعبر عن الشعب ذاته وما يطمح إليه. باعتبار أن القوانين كائن حي يتجدد ويواكب تطورات المجتمع.

رابعاً، حرية التّعبير، وتعتبر حرية الصحافة أهم ملمح من ملامح حرية التعبير حيث تسمح صاحبة الجلالة  للأفراد بمناقشة القضايا المجتمعية المختلفة.

خامساً، المساءلة والشفافية: تعدّ الحكومة التي تمَّ انتخابها من قِبل الشّعب مسئولة أمامه، ومن أجل التحقّق من إنجازاتها وقيامها بواجباتها، كتقديم الخدمات الصحية، أو تسعير الوقود، أو غيرها من الإجراءات ينبغي وجود مؤسّساتٍ مُحايدةٍ في الدّولة لتقييم ذلك، كسلطاتٍ قضائيةٍ مستقلةٍ.

سادساً، اللامركزية: التي تعبر عن مدى تحقق حُكم الشعب، حيث يقوم كل تقسيم إداري بالتمثيل الأمثل للكل المركزي.

وأخيراً تمثيل المجتمع المدني والذي يشمل العديدَ من الجمعيات والأنشطة والمشاركات التي تهتمّ بقضايا معينة، كذلك الأندية، أو الجمعيات الخيرية، أو النقابات، والتي بدورها تساعد على نمو الديمقراطية الشعبيّة في المُجتمع.

وللعلم،أكد الدستور المصري في ديباجته على أصالة ممارسة الديمقراطية في التاريخ الوطني المصري فربط بين الثورات المختلفة منذ 1919 مروراً بثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 وبين تأسيس الأحزاب وحرية التعبير عن الرأي السياسي والاعتقاد.

فنجد المادة 74 من الدستور المصري الحالي تنص على أن”للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفى أو جغرافى، أو ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية، أو سرى، أو ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى”.يعرّف الحزب السياسي على أنه مجموعة منظمة من الأفراد يمتلكون أهداف وآراء سياسية متشابهة بشكل عام، ويهدفون إلى التأثير على السياسات العامة من خلال العمل على تحقيق الفوز لمرشحيهم بالمناصب التمثيلية.

ومن ناحية أخرى، أعطى الدستور السلطة المباشرة لمجلس الشيوخ المصري للنظر في دعائم الديمقراطية ودعم السلام الاجتماعي، حيث نصت المادة 248 على أن “يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعي، والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديموقراطي وتوسيع مجالاته.”

وللعلم فكرة الحوار الوطني ليست بالوحيدة، بل هي فكرة تتماشى ومنطق الدولة في إشراك المواطن في صنع القرار وفي حل مشكلات حياته اليومية بنفسه.

فلا ننسى، على سبيل المثال لا الحصر، مبادرة “صوتك مسموع” التي أطلقتها رئاسة الجمهورية سنة 2018 والتي كانت تستهدف تلقي شكاوى المواطنين والعمل على حلها. كانت تحت رعاية رئاسة الجمهورية و وزارة التنمية المحلية وكانت ترتكز على محورين هامين:الأول ھو “إدارة مستجیبة للمواطن”،أما المحور الثانى فھو “إدارة محلیة تتحرك وتعمل من أجل المواطن”. نالت مبادرة “صوتك مسموع” اھتماماً كبیراً خلال انطلاقھا ، مما ساھم بشكل كبیر في تطوير قدراتھا ، والتوسع في إتاحة سبل تواصل المواطنين معھا ومتابعة مؤشرات الأداء بصفة دورية.

وأخيراً وليس آخراً، يجب الإشارة إلى أن الحوار يستهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة في الحوار من خلال دعوة جميع ممثّلي المجتمع المصري، بكافة فئاته ومؤسساته بأكبر عدد ممكن لضمان تمثيل جميع الفئات في الحوار المجتمعي، والحرص على الوصول إلى جميع مناطق الجمهورية، وبالتنسيق مع كافة التيارات السياسية الحزبية والشبابية لإدارة حوار وطني فعّال.

ونأمل بذلك أن يكون الحوار الوطني نواة أو عودة للحياة الحزبية والسياسية التي عرفتها مصر في تاريخها العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى