صراحة الرسالة: هل تغير نمط تهديدات “القاعدة” للإعلاميين؟

كتب التحليل: د. أبوالفضل الإسناوى وأسماء دياب

أصدرت مؤسسة سحاب الإعلامية التابعة لتنظيم القاعدة بتاريخ الـ ١٩ من يوليو الجاري منشوراً بعنوان “من لي بهذا الخبيث” تدعو فيه الذئاب المنفردة لاغتيال الكاتب والمفكر إبراهيم عيسي، حيث طعن المنشور في الإعلام الملحد وزندقة بوجه عام- على حد تعبيرهم، وطعن في إسلام وزندقة الكاتب إبراهيم عيسي علي وجه الخصوص، وذلك بمناسبة حلقة قدمها الكاتب علي قناة الحرة منذ أكثر من خمسة أشهر، تناول فيها المنهج القتالي للصحابي خالد بن الوليد، هدف منها تحليل ومناقشة مشواره العسكري.

تأسيساً على ما سبق، وفي ظل تكرار ظاهرة تهديدات التنظيمات الإرهابية (القاعدة-داعش) للإعلاميين، منهم الكاتب الصحفي الأستاذ ضياء رشوان، حيث نشرت بعض المواقع الصحفية في سبتمبر 2008، أن “تنظيم القاعدة يهدد بقتل باحث مصري بسبب انتقاده شريطهم الأخير، طالبوه بالكف عن التحليل ضد الإسلام والمسلمين”، وفي سبتمبر من عام 2015، قال الصحفي عبد الرحيم على، إن “تنظيم داعش يهدده بالقتل بسبب ما يذيعه عن التنظيم في برنامجه الصندوق الأسود”، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الإعلاميين أكدوا عبر صفحاتها أنهم تلقوا تهديدات بالقتل من تنظيمات إرهابية متنوعة- يبقى السؤال، وهو: ما هي دلالة ما جاء في المنشور المحرض من قبل تنظيم القاعدة على قتل “عيسى” وحدود اختلاف البيان عن بيانات هددت بالقتل لإعلاميين في فترات سابقة؟، ولماذا استخدمت الجماعات المتطرفة سلاح التهديد بالاغتيال وإن لم تتمكن من تنفيذه؟، ولماذا حلقة خالد بن الوليد للكاتب الصحفي إبراهيم عيسى علي وجه الخصوص التي أثارت غضب القاعدة بعد شهور من عرضها؟.

استهداف متكرر:

يُعد الإعلاميين في المنطلقات الفكرية وفي الأدبيات الراسخة عند الجماعات المتطرفة الإرهابية، بمـثابة “سحرة فرعون”، ففي مارس 2012 اتهم الدكتور محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وسائل الإعلام والإعلاميين فى أحد تصريحاته، بأنهم مثل “سحرة فرعون” الذين جمعهم فرعون لسِحر الناس وبث الرعب والرهبة فى قلوبهم من دعوة موسى عليه السلام”، كما وصفهم أيضاً أبي حمزة المهاجر(عبد المنعم عز بديوى) أثناء توليه منصب أميراً بتنظيم القاعدة في العراق- أي قبل عام 2011 بـ “سحرة فرعون” باعتبار أنهم  يُسارعون في إلهاء الناس وتحريف الحق ويصدون عن سبيل الله.

فليست المرة الأولي التي يتعرض لها الإعلاميين المصريين لتهديدات والتحريض علي القتل من قبل الجماعات المتطرفة،  تحديداً خلال العام الذي حكم فيه “الإخوان ” مصر وما بعده، فقد تعرض إعلاميين وكتاب مصريين لتهديدات بالقتل، ووضعوا علي قوائم اغتيالات أعدتها الجماعة الإرهابية (الإخوان)، بهدف تخويفهم والتوقف عن معارضتها، وإسكاتهم عن فضح مخططاتها وتحالفها مع الجماعات الإرهابية التي كنت توصف بالصلبة في ذلك الوقت مثل القاعدة وداعش، حيث أصدرت جماعة الإخوان في نهاية نوفمبر عام 2012 قائمة باغتيال ما يزيد عن 500 شخصية عامة، منهم 12 إعلامياً، وذلك ردا على هجوم الإعلاميين عليها بعد اعتبارها بأن القبض علي محمد الظواهري عام ٢٠١٣ في مصر انتهاكا للحريات وإساءة للرموز الإسلامية والجهادية، هذا بالإضافة إلى ما تضمنه نداء الكناية “وثيقة الدم” وتحريضه على اغتيال عشرات الإعلاميين.

وعلى مستوى تهديدات التنظيمات الأكثر صلابة “القاعدة وداعش” يلاحظ أن تهديدات تلك التنظيمات، وهو نشير للتنظيم الأقدم-القاعدة- بدأت قبل صعود التنظيمات الإسلامية للحكم في المنطقة العربية- أي قبل عام 2011، وكان التهديد الأهم للإعلاميين في عام 2008، حيث وجه ناشطون في تنظيم القاعدة على موقعهم الإلكتروني رسالة شديدة اللهجة إلى ضياء رشوان خبير الحركات الإسلامية تهدده بالقتل، وقالوا له في تلك الرسالة التي نشرتها العديد من وسائل الإعلام في ذلك الوقت..”إلى المدعو ضياء رشوان خبير شئون الحركات الإسلامية ومدير وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام أمسك عليك لسانك وكفاك تحليلا ضد الإسلام والمسلمين ومحاربة الله ورسوله.. ولم نعجز عن بوتو (رئيس الوزراء الباكستانية السابقة) بحراساتها فلا تغتر بمن يدفع لك، فلكل شيء حدود، وأعلم يا خسيس أن الأسود تترقبك فاحذر أشد الحذر”، يذكر أن تلك الرسالة تضمنت صورة لسكين عليها قطرات من الدماء وضع فوقها جملة (المجاهدون لا يمزحون).

مما سبق يتضح؛ أن العداء الذي تكنه الجماعات المتطرفة للإعلام والإعلاميين والمثقفين ليس عداء بمناسبة خلاف حول المسائل الشرعية، ولكن قد يكون سببه تهديد بعض الإعلاميين والمثقفين لعروش تلك الجماعات بتعرية فكرهم ونقض مشروعهم وفضحهم أمام أتباعهم وأمام العالم، فتلك الجماعات تصور لأتباعها الصراع على أنه جهاداً ضد أعداء الشريعة، لذا تحالفت كل الجماعات المتطرفة مع الإخوان المسلمين في مصر تزامنا مع إزاحتهم من الحكم، بهدف الدفاع عن المشروع الإسلامي والحاكم الإسلامي وقتها وفقا لأقوالهم.

كما تحاول تلك الجماعات استهداف الإعلاميين بهدف الحفاظ على مكتسباتهم أمام العالم، فبعض الليبراليين في البرلمانات ومراكز الدراسات والمؤسسات داخل أمريكا وأوروبا تتعامل مع بعض الجماعات المتطرفة، باعتبارهم مجموعات معارضة، بل وتسعي بعض الأنظمة الأوربية إكسابهم بعض الحقوق الدولية والتعامل مع تلك الجماعات المسلحة، باعتبارهم جماعات من دون الدول، تمهيدا لشرعنة وجودهم في المجتمع الدولي، مثل “هيئة تحرير الشام” فرع القاعدة المنفصل في سوريا، و”جماعة الحوثيين” في اليمن، و”الجماعة الإسلامية” في مصر، التي تم رفعها من قوائم الإرهاب الأمريكية منذ شهرين، لذا تعرية الإعلاميين لتلك الجماعات يعد لوبي يعمل لتقويض مصالحهم ومكتسباتهم.

دلالات هامة:

بقراءة نص بيان تنظيم القاعدة المنشور في المؤسسة التابعة للتنظيم، نجد أن التهديد والتحريض ضد المفكر إبراهيم عيسى، جاء بمناسبة حلقة الصحابي خالد بن الوليد تحديدا، رغم وجود حلقات أخري من نفس البرنامج أكثر صدامية، وهذا يعكس عدة دلالات لها قدر كبير من الأهمية، هي:

(*) الاستخدام الخاطئ من قبل الجماعات المتطرفة لأمجاد الإسلام العسكرية في إيقاظ العنف عند عناصرهم: تصور التنظيمات الإرهابية القاعدة وغيرها لأتباعهم، بأنهم يعيدون أمجاد الإسلام العسكرية وفقا لتصورهم، وأن الصحابي خالد بن الوليد وعقبة بن نافع وغيرهم نماذج عسكرية قدوة ملهمة لهم، فتلك الجماعات تطلق أسماء هؤلاء الصحابة -الذين اشتهروا بالقوة في القتال- على معسكراتهم وألويتهم لتحميس إتباعهم على القتال، وإغراء آخرين لتجنيدهم فترسم تلك الجماعات بذلك صورة لبطولات في مخيلة عناصرهم بهدف تحميسهم.

(*) تحرص التنظيمات الجهادية على عدم زعزعة الثقة عند عناصرهم المقاتلة: حيث تري الجماعات الإرهابية أن تحليل تاريخ بعض الصحابة العسكريين من شأنه إلقاء الضوء على بعض أخطاء أو تجاوزات عسكرية حدثت في عصرهم واعترف بها ونقدها صحابة آخرين في زمنهم، مما قد يزعزع الثقة لدي اتباع تلك الجماعات بأنهم علي الحق، حيث تؤكد تلك الجماعات لأتباعهم دائما بأن النماذج الإسلامية التي يحتذون بهم معصومين لا يخطئوا أبدا وهم بالتالي يسيرون على خطاهم دون تفكير، مثل ما فعله تنظيم داعش بذبح مختطفين مصريين وخلط دمائهم بالبحر، مما يشكل جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية وفقا للقوانين والأعراف الدولية حاليا، وأسست داعش هذا الفعل على ما حدث من الصحابي خالد بن الوليد مع الأسري في معركة نهر الدم في الفرات-العراق ١٢ هجري.

(*) حرص التنظيمات الإرهابية على تمسك عناصرها بالإيديولوجية القتالية، واعتبار الإسلام دين قتال: الواضح أن تخصيص البيان لحلقة خالد بن الوليد يعكس أن تلك الجماعات لا يعنيها سوي التأكيد والدفاع عن الجانب القتالي، بل يعكس صورة ملامحها تتمثل في أن الإسلام دين قتال، تمسكا بالأيديولوجية الجهادية للجماعات الأصولية كلها، حيث تتخذ تلك الجماعات من رواية منسوبة للنبي نبراس ومنهج، عن أبي هريرة قال (ص): “من مات ولم يغز أو يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق”، عليه تلك الجماعات تهدف إلي تلجيم الإعلام الذي يهدد أو يهز الثقة في هذه الأيديولوجية في نفوس أتباعها.

(*) تضليل مقصود لعناصرهم القتالية بهدف استمرار مسارات التجنيد: في سياق البيان المعني قراءته جملة “هم من جروا أمما من بعدهم إلي نعيم الجنة بالسلاسل”، هذه العبارة تعكس الفكر المتطرف لتلك الجماعات.. فأي جنة التي يجر لها الناس بالسلاسل، يدخل خلق الله الجنة وفقا لهذا التصور المريض كرها، فالعبارة تعني بشر دخلوا الإسلام عنوة فهم مجبرين. إذن فهل يعتد الله عز وجل بإسلام أناس مجبورين علي الإيمان به،  فيعكس هؤلاء المتطرفين صورة مشوهة عن الإسلام من جانب، وتعكس الجملة فكرهم المريض من جانب أخر، حتى لا ينسي البعض ويسعي لإدماجهم في الحياة السياسية والاجتماعية والدولية في أي منطقة في العالم في أي زمان.

تشابكات واضحة:

من مجمل ما سبق؛ يتضح أن كل الجماعات الأصولية تتشاطر ذات العقيدة المتطرفة ويتحالفون وينسقون فيما بينهم، ففي الوقت الذي تخصص فيه جماعة الإخوان الإرهابية برامج مطولة للطعن في إسلام إبراهيم عيسى والتحريض على قتله، جاء بيان القاعدة يتضمن ذات المحتوي ضد عيسى، مما يؤكد أن ثمة تنسيق وتواصل بين الجانبين.

بالإضافة إلي ذلك؛ توقيت البيان بعد شهور من الحلقة المذكورة، يعني أن القاعدة أمهلت جماعة الإخوان الإرهابية وقتا للتمهيد والتحريض المتواصل طيلة الشهور الماضية على البيان ضد عيسى، ليأتي بعدها البيان وقد تم شحن الرأي العام ضد إبراهيم عيسى، فيؤيده البعض وربما يكون سبب في اعتناق البعض من الشباب المتحمس المغيب بفعل جيوش الكتائب الالكترونية المتطرفة لفكر القاعدة وتجنيد عناصر جديدة في صفوف التنظيم.

نتيجة لما تقدم؛ يمكن التأكيد على أن المنطلقات الفكرية التي زرعتها جماعة الإخوان في كل التنظيمات الإرهابية باعتبار الإعلاميين بـ ” سحرة فرعون” تمثل عامل رئيسي في استمرار استهداف الجماعات الجهادية للمؤثرين في الرأي العام سواء كانوا شخوصاً معنوية أو مادية، بل تجدر الإشارة إلى أن مستوى التهديد بالقتل للإعلاميين ومؤسساتهم لم يتغير كثيرا، ويمكن ملاحظة هذا على النحو التالي، فبالمقارنة  بين رسالتي التهديد لـ “رشوان” عام 2008 و”عيسى” عام 2022، تلاحظ التالي:

(-) الملاحظ الأولى، اختلاف توقيت رد الفعل بين تهديد رشوان وعيسى، فالتهديد بقتل رشوان جاء بعد دقائق من التعليق على الشريط الأخير الذي بثه تنظيم القاعدة في الذكرى الثامنة لأحداث 11 سبتمبر، في حين أن التهديد بقتل “عيسى” جاء بعد شهور من حلقته التليفزيونية عن خالد ابن الوليد، حيث تركت جماعة الإخوان خلال تلك الفترة تملء الفراغ وتقوم بالدور المطلوب ضد عيسى من خلال فضائياتهم.

(-) الملاحظة الثانية، يلاحظ في الحالتين “التهديد بقتل “رشوان” أو “عيسى”..  أن هذه التنظيمات تهدد بالقتل أو الاغتيال بعد تأكدها نشر الحقائق عنهم- أي أن الحقائق أزعجتهم في الحالتين، ففي الأولى- أي الحالة القديمة، فأكثر ما استفز هذه التنظيمات وأثارهم، هو انتقاد “رشوان” لعنوان الشريط الذي حمل عنوان (8 سنوات على الحروب الصليبية) والذي قال عنه، إنه عنوان ملفت فلا هم قاموا بغزو ولا انتصارات متتالية ولا هزيمة ساحقة للأعداء، وبالتالي لا يعكس إطلاقا الحالة التي يشعرون بها؛ حيث يعتبرون أن تلك الأحداث انتصار عظيم لهم. أما في حالة “عيسى” فإن ما أغضبهم، هو قراءته الحقيقة للمنهج القتالي للصحابي خالد بن الوليد، وتحليله ومناقشته لمشواره العسكري، وبالتالي كشفه بعض أخطاء أو تجاوزات عسكرية حدثت في عصرهم- الصحابة العسكريين، منهم خالد بن الوليد- واعترف بها ونقدها صحابة آخرين في زمنهم، وبالتالي تعتبر الحقيقة التي كشفها عيسى تأثر سلبا في عناصرهم القتالية، خاصة أن هذه التنظيمات كما سبق القول تطلق أسماء هؤلاء الصحابة -الذين اشتهروا بالقوة في القتال- على معسكراتهم وألويتهم لتحميس إتباعهم على القتال.

(-) الملاحظة الثالثة، تبدوا الملاحظة الثالثة، والأخيرة على حالتي التهديد بقتل “رشوان” أو “عيسى” في صراحة الرسالة، ففي الحالتين عملية التهديد بالاغتيال كانت صريحة وواضحة وموجهة باسم الشخص نفسه، ففي الأولى حيث حمل عنوان التهديد (رسالة إلى ضياء رشوان) كما كتبها عضو «صاحب ثقل» في إحدى منتديات القاعدة، وفي الثانية أرفق التنظيم في نشرته المذكورة سابقاً رسالة تهديد واضحة للكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، وهي عبارة عن صورة تتجه فيها رصاصة لقلبه وعليها عبارة “من لي بهذا الخبيث؟”.

أخيرا؛ من خلال قراءة الحالتين زمنيا ومكانيا، يمكن القول إن تنظيم القاعدة يطلق رسائل التهديد بالقتل في حالة فشله، وعدم تمكنه من القيام بتفعيل تهديداته، وبالتالي تصبح تلك التهديدات من “القاعدة” وغيره من التنظيمات الصلبة، للإعلاميين سواء كان في الماضي أو الحاضر غير مقلقة لأصحاب التهديدات أو الأجهزة الأمنية، وذلك لعدة أسباب أهمها أن تنظيم القاعدة ليس له عناصر في مصر، فقبل عام 2011 ربما لم يزد عدد عناصره عن ثمانية، وفي الوقت الحالي لو كان لهم عناصر فعلاً حاضرة في الواقع المصري لما هددوا بقتل “عيسى”، بل كان التنظيم اثبت نفسه بعمليات واقعية. لكن رغم ما سبق من ضعف احتمال ارتكاب جريمة القتل من قبل التنظيم للإعلاميين المهددين، فإنه القاعدة وغيرها ليس لديهم مانع في إهدار دم مسلم أو أي إنسان لمجرد أنه قال رأيا مخالفا لهم في شأن من شؤون الدين، خاصة وأن هذه التنظيمات المتطرفة تعتبر المخالفين لهم في الرأي خصوما وأعداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى