موافقة مشروطة: أبعاد القبول التركي بانضمام فنلندا والسويد لـ “الناتو”

كما كان متوقعا، أعطت تركيا الضوء الأخضر إلى فنلندا والسويد من أجل الانضمام إلى حلف الناتو خلال الاجتماع الأخير للحلف الذي انعقد في ٢٩ يونيو الماضي، وذلك بعد أسابيع من الأخذ والرد من قبل أنقرة والدول الغربية، بالإضافة إلى جملة التطمينات التي قدمها مسئولي حلف الناتو إلى أنقرة، والزيارات التي أجراها مسئولي كل من فنلندا والسويد إلى أنقرة من أجل أخذ موافقتها على دخولهما الحلف، بعدما رفضت تركيا انضمامهما في وقت سابق قبل أن تتخليا عن دعم المنظمات الإرهابية، وقبل الحصول على تنازلات من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية في عدد من الملفات. ولكن، لماذا وافقت تركيا على طلب على فنلندا والسويد ؟ وهل من مقابل قدمته الدول الغربية _ وواشنطن بالذات _لأنقرة ثمن السحب الفيتو الخاص بها على انضمام هلسنكي وستوكهولم؟ وكيف استقبل المسئولون الروس الرد التركي؟.

موافقة متوقعة:

وقعت تركيا في الثامن والعشرين من يونيو الماضي مذكرة تفاهم مع كل من السويد وفنلندا، خلال اجتماع لرؤساء الدول الثلاث في قمة حلف شمال الأطلسي في مدريد، وبحضور الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، بما يعد بمثابة موافقة تركية على انضمام الدولتين للحلف بعد اعتراضها الأولي على ذلك.

ومن المفترض أن تكون تلك المذكرة قد حسمت جميع المطالب التي طرحها أردوغان على دولتي شمال أوروبا، كمقابل لانضمام هاتين الدولتين إلى الحلف، وبالأخص ما يتعلق برفع الحظر عن توريد الأسلحة لتركيا، وتخلي السويد وفنلندا عن دعم المنظمات التي تصنفها تركيا كإرهابية. ومن المنتظر أن يوسع الانضمام المحتمل للحلف الحدود المشتركة بين الناتو وروسيا من حوالي 700 كيلومتر إلى أكثر من 1900كم.

وأوضح مسئولون أتراك أن قرار تركيا ” يوفر دفعًا قويا ” لوحدة الناتو، كما أكد أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يدعم الاتفاق بين تركيا وفنلندا والسويد، وأنه لعب دورا خلف الكواليس في مفاوضات دولتي الشمال الأوروبي مع تركيا، بدليل أن بايدن تحدث إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن الحلف قبيل انطلاق قمة الناتو بناء على طلب البلدين.

ما المقابل؟:

لم يكن التفاهم الذي توصلت إليه تركيا مع فنلندا والسويد مفاجئا ولا بنوده خارج التوقعات؛ فتركيا لم تكن ضد انضمام البلدين إلى الناتو بشكل مطلق، وأكدت أكثر من مرة على دعمها لسياسة الباب المفتوح للناتو، ولكنها فقط أرادت حصد أقصي ما يمكن من المكاسب من قبل شركائها الأوروبيين، وكذلك من فنلندا والسويد، بعدما قدمته من دور متوازن في الحرب الأوكرانية، وكان آخرها دورها في جهود إعادة تصدير المواد الغذائية من أوكرانيا، وتوليها مسئولية إزالة الألغام من الموانئ البحرية الأوكرانية لاستعادة حركة تصدير الغذاء حول العالم، وأيضا استغلال حاجة هلسنكي وستوكهولم لتجنب أي خطوة روسية ضدهما. وهذا كله بدافع التجاوب معها في عدة ملفات، ويأتي على رأسها:

(*) التخلي عن دعم التنظيمات الإرهابية: تعهد البلدان بالالتزام ب ” التعاون الكامل مع تركيا في مكافحة ” حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة وحلفاؤها الغربيون منظمة إرهابية، كما أن البلدين سيحظران أيضا “نشاطات جمع الأموال والتجنيد” للمسلحين الأكراد وسيحظران الدعاية الإرهابية ضد تركيا “. كذلك، تعهدت هلسنكي وستوكهولم ب ” إظهار التضامن مع تركيا في الحرب ضد الإرهاب بكل أشكاله “.

كما أشارت المذكرة إلى المسار القانوني والتشريعي الذي ستعتمده الدولتان عقب التوقيع، فقد أقرت فنلندا أخيرا تعديلا على قانون العقوبات، في حين أعلنت السويد تطبيق قانون جرائم الإرهاب في بدءا من يوليو الجاري، كما نصت المذكرة على تفاعل الدولتين “بسرعة وبكل الأبعاد” مع مطالب تركيا المتعلقة بالإبعاد وإعادة المتهمين في قضايا الإرهاب، “في ضوء المعلومات والأدلة التي ستقدمها تركيا ووفق الاتفاقية الأوروبية الخاصة بتسليم المجرمين”.

(*) إلغاء حظر الأسلحة: كما ضمنت أنقرة إلغاء حظر توريد الأسلحة المفروض عليها، وخاصة من قبل السويد، خاصة وأنها من أهم مصنعي الأسلحة على مستوى العالم.فوفق بيان الرئاسة التركية، قبلت العاصمتان بعدم “فرض قيود أو حظر على الصناعات الدفاعية” وفق بيان الرئاسة التركية، في إشارة إلى الحظر المفروض على تسليم الأسلحة إلى تركيا ردا على التدخل العسكري لأنقرة في سوريا منذ عام ٢٠١٩. كما تعهدت الولايات المتحدة بمتابعة تعامل كل من فنلندا والسويد مع التنظيمات الإرهابية، وخاصة التي ترفضها أنقرة. والاعتراف بتصنيف قسد منظمة إرهابية.

وهذا كله يتوافق أيضا وما أعلنته الرئاسة التركية في بيانها أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  حصل على ” تعزيز كامل ” من فنلندا والسويد ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني وحلفائهم، وأن  “تركيا حصلت على ما تريده” من وراء موقفها.

كما أن تركيا تحاول استيعاب الدرس من خلافاتها مع اليونان، حينما وافقت على انضمامها للناتو، رغم ما تتخلله علاقاتهما من تنافس وصدامات عدة، الأمر الذي نتج عنه تعقيدات أمنية وسياسية جمة في عدة ملفات، لم تستطع تركيا التصرف حيالها بسبب أن الدولتين تنضويا تحت راية حلف الناتو نفسه، لذا لم تكتف تركيا بالتوقيع على مذكرة التفاهم، فقد اعتبر وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أن الموافقة على ضم البلدين” لن تكتمل “، سوى بعد التأكد من الالتزام الكامل ببنود مذكرة التفاهم التي جرى التوقيع عليها في مدريد، وتنص بشكل واضح على التعاون في مجال مكافحة حزب العمال الكردستاني بكل فروعه وواجهاته، والتضامن الكامل مع تركيا في مواجهتها الإرهاب والتوقف عن تقديم الدعم للمجموعات المعادية، بما يشمل جماعة فتح الله غولن، وعليه قدم تشاووش أوغلو قائمة بأسماء المطلوبين لدى تركيا والمقيمين بفنلندا والسويد.

(*) تنازلات أمريكية: أصف إلى ما سبق، فإن الموقف التركي قد فتح الباب ثانية أمام المفاوضات مع الجانب الأمريكي حول ملف التسلح، بل والمساومة على ذلك، وبالتالي من المنتظر إحراز تقدم ملحوظ ومعلن في هذا الشأن، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي عقب انتهاء قمة مدريد عن ترحيبه بتسليم تركيا مقاتلات إف ١٦ المتطورة ” في انتظار موافقة الكونجرس الأمريكي “، وتحديث الأسطول الخاص بالمقاتلات، وتأكيد المسئولة عن شؤون الأمن الدولي في وزارة الدفاع الأميركية سيليست والاندر، أن ” أمن تركيا من أمن حلف الناتو “. وهذا كله ليس من قبيل الصدفة فقط أن يتم عودة الحديث عنه بعد قمة الناتو.

(*) الملف السوري: حيث أعلنت تركيا للمرة الثانية خلال شهر تقريبا، وعقب اجتماع الناتو، أنها ستعمل على شن عملية عسكرية ستكون هي الأكبر في الشمال السوري، من أجل تشكيل منطقة آمنة على عمق ٣٠ كم لحماية أمنها القومي وإعادة اللاجئين السوريين. فمرتين خلال أيام، دخل رتل عسكري إلى الشمال السوري محملا براجمات صواريخ ومدرعات وناقلات أسلحة، في إشارة إلى عزم أنقرة تنفيذ عمليتها العسكرية الكبيرة.

كما أن الولايات المتحدة قد تدعم بذاك العملية العسكرية التركية المزمع تنفيذها قريبا، وعلى أقل تقدير قد تدعم العملية في المناطق البعيدة عن سيطرة القوات الأمريكية _ الأمر الذي قد تراعيه أنقرة أيضا _ لاسترضاء تركيا بعد موافقتها على توسيع الناتو من ناحية،ومن ناحية أخرى لإحداث خرق في العلاقات الروسية التركية، أو خلق مساحة جديدة من الصدام بينهما في سوريا، لأنه من غير المنتظر ترحيب الجانب الروسي بعملية عسكرية جديدة لتركيا في سوريا بعد موافقتها على ضم فنلندا والسويد إلى الناتو.

وبناءا على ما سبق، فإن الرفض التركي لعضوية البلدين لم يكن قاطعًا ونهائيا، بل كان مشروطا بمجموعة من المطالب. وفي هذا الإطار، يمكن القول _ وفقا لأنقرة _  إن السويد وفنلندا قد استجابتا -وفق بنود المذكرة- لمعظم إن لم يكن كل الشروط التركية المعلنة. الأمر الذي اعتبرته تركيا، وأردوغان خصوصا، نصرا دبلوماسيا وسياسيا كبيرا، قد يعينه في الانتخابات المقبلة، في انتظار التقدمات التي لم يتم الإعلان عنها.

الموقف الروسي:

جاء الرد الروسي على الخطوة التركية متوازنا بعض الشئ، بين الإدانة والتحذير تارة، وبين التقليل من أهمية الخطوة تارة أخرى؛ إلا أن الامتعاض الروسي كان واضحا في الغالب، حيث علق نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف على الموقف التركي، وأشار إلى أن روسيا تنظر ” بسلبية ” تجاه انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، كما اعتبر توسيع الحلف عامل لزعزعة الاستقرار في المنطقة، قائلا لدي شكوك جدية حول كم ستكون الفترة المقبلة هادئة بالنسبة لجيراننا في شمال أوروبا “.كما أدان ” المسار غير المسئول لحلف شمال الأطلسي، والذي يقضي على البنية الأمنية الأوروبية “، واعتبر أن “دول الناتو، بما في ذلك تلك التي تسعى للانضمام إلى الحلف، فنلندا والسويد، تتنازل في الواقع عن جزء من سيادتها الدفاعية للولايات المتحدة”.

ورغم أنفلاديمير بوتين اعتبر أن انضمام فنلندا والسويد لا يشكل تهديدا مباشرا لروسيا، الا أنه أكد أن روسيا سترد على عمليات الانتشار العسكري لحلف الناتو على حدودها، كما أكد مسئولون ومحللون روس أن توسيع البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو في هذين البلدين سيستدعي إمكانية حدوث رد عسكري تقني نشر، وقد يكون من خلال نشر صواريخ نووية روسية في بحر البلطيق.

كما أن روسيا بعد موافقة أنقرة على انضمام الدولتين الإسكندنافيتين إلى الناتو، وعزمها المعلن بعد ذلك عن تنفيذ عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا، أنزلت ما يقارب ٥٠٠ جندي روسي إلى الأراضي السورية، الأمر الذي عده البعض رفضا أو تحفظا روسيا على العملية المحتملة.وجاء الموقف الروسي في هذا التوقيت على خلاف الرد السابق الذي اعتبر موافقة ضمنية على العملية التي أعلنت عنها أنقرة قبل ذلك، فقد أعلنت روسيا أن تركيا من حقها حماية حدودها، كما قام وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بزيارة تركيا في أوج الاستعدادات التركية عن تلك العملية قبل أن يتم تأجيلها، إلا أن الموقف حاليا يبدو مغايرا. كما وقد تتضح نتيجة المباحثات الروسية التركية في هذا الشأن بعد انتهاء قمة أستانا التي انعقدت في طهران بين تركيا وروسيا وإيران.

وختاما، يمكن القول أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أنه رغم التقارب الملحوظ بين تركيا وروسيا في السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لا ينفي كون البلدان خصمان تقليديان، إذ يمتلكان رؤى مختلفة _ متناقضة أحيانا_ إزاء مجمل القضايا الإقليمية. كما أن أنقرة أدركت بالتأكيد  للخطر الاستراتيجي القادم من موسكو منذ التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا 2015، حيث باتت روسيا على حدودها الجنوبية، وتعمق هذا الإدراك أكثر بعد الحرب الروسية الأوكرانية، والتي قد تهدد بنسف التوازن القائم في حوض البحر الأسود لمصلحة موسكو.

ولكن في الوقت نفسه، لا يبدو أن للقرار التركي بإعطاء ضوء أخضر لعضوية البلدين تأثيرا سلبيا مباشرا على علاقات تركيا بروسيا، لأن روسيا أيضا تعي تماما أن الرفض التركي لن يستمر مطولا وفقا لاعتبارات المصلحة. كما أن روسيا نفسها أخذت تلين من حدة تصريحاتها منذ مدة؛ من التهديد برد فعل إذا ما قبلت عضوية البلدين، إلى التهديد بالرد في حال نشر الناتو منظومات عسكرية محددة على أراضيهما، وهو الأمر الذي عرضته الدولتان أيضا على الناتو بعد تقدمهما بالعضوية، مع التأكيد على أن مجرد العضوية ليس بالضرورة تهديدا لها.بالإضافة إلى أن روسيا لن تغامر بخسارة تركيا أبدا، خاصة في أوج حربها في أوكرانيا، وبالتالي ستكون حذرة في رد فعلها تجاه تركيا، كما أنها ستتجنب استفزاز الناتو مرة أخرى في هذا التوقيت، خاصة أن هناك دولا أخرى على حدود روسيا، مثل مولدوفا تريد الانضمام للناتو أيضا. ورغم ذلك كله لن يخلو الأمر من ردة فعل روسية، ولكنها قد تكون محدودة، ولا تؤثر جليا على العلاقات بين البلدين، إلا في حال قدمت أنقرة تنازلات خلال قمة أستانا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى