مقاربة البرهان: فرص الخروج من النفق السياسي المظلم في السودان

إعداد. يسرا محمد مسعود.. مراجعة وتدقيق. د. أكرم حسام

لا يزال الموقف السياسي في السودان يدور في حلقات من الفراغ السياسي، المشحون بأجواء من التوتر والغموض، مع تكرار مشاهد المليونيات في الشارع، ومحاولات الوصول للقصر الرئاسي وتكرار الاشتباكات بين المتظاهرين وقوى الأمن، وسقوط ضحايا، أغلبهم من المدنيين. ولم تفلح كافة الجهود في إيقاف دوامة العنف تلك، سواء كانت جهود وساطة خارجية كالتي قامت بها السعودية والولايات المتحدة، أو جهود الوساطة الأممية من خلال الآلية الثلاثية، كما لم تفلح المبادرات المحلية من بعض القوى السياسية السودانية أيضاً في تقديم مقاربات مقبولة.

أمام هذا الانسداد السياسي المطبق، اضطر الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي لاتخاذ قرارات وصفت “بالمهمة” في الرابع من يوليو الجاري، قرر فيها انسحاب المكون العسكري من عملية الحوار مع القوى السياسية، وذلك لإفساح المجال أمام القوى السياسية والثورية لتأليف حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة، تتولى إكمال متطلبات الفترة الانتقالية، على أن يتم حل مجلس السيادة الانتقالي فور توافق القوى على تشكيل حكومة مدنية، كما أعلن البرهان أنه سيتم إنشاء مجلس أعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم تكون مهامها إدارة المسائل العسكرية بالبلاد.

فإلى أين تتجه الأوضاع في السودان في ضوء هذه القرارات الأخيرة، وكيف ستؤثر على موقف الفاعلين السياسيين، خاصة قوى الشارع ممثلة في قوى الحرية والتغيير وغيرها؟

كيف قرأت الأطراف المختلفة قرارات البرهان الأخيرة؟:

اختلفت وتنوعت ردود الأفعال والمواقف من جانب القوى السياسية السودانية وكذلك من بعض الدول المنخرطة في الملف السوداني بصورة أو بأخرى تجاه قرارات الفريق البرهان، منها ما رحب بها، ومنها من تشكك في نوايا المكون العسكري، ليستمر المشهد السوداني في نفس وضع الارتباك، والذي تكشفه تعارض المواقف للقوى المؤثرة على النحو التالي:

(*) القوى المتشددة:

  1. موقف قوى الحرية والتغيير: رفضت هذه القوى خطاب البرهان وما تضمنه من قرارات، واعتبرته تحايلاً بل ووصفته “بانقلاب داخل الانقلاب” ، حيث رفضت قوى الحرية والتغيير قرارات الفريق البرهان ودعت الشعب السوداني لمواصلة التظاهر والتصعيد الجماهيرى بكافة الطرق السلمية من اعتصامات وإضراب سياسي وصولاً للعصيان المدني الذي يجبر السلطة العسكرية على التنحى. وتتلخص رؤية قوى المعارضة لهذه القرارات وتخوفها منها في أن إعلان تأسيس مجلس أعلى للقوات المسلحة يضم قوات الدعم السريع سيكون عبارة عن استيلاء كامل على السلطة ،كما صرح إحدى القياديين بقوى الحرية والتغير، إذ إنه لا يمكن الدخول فى عملية سياسية مع مدنيين دعموا سابقاً انقلاب البرهان على السلطة .
  • موقف لجان المقاومة وتجمع المهنيين والحزب الشيوعي: رفضت هذه اللجان القرارات التى إصدرها البرهان خاصة ما يتعلق منها بالانسحاب من حوار الآلية الثلاثية، حيث نظرت إليه هذه القوى على أنه “مناورة وتراجعاً تكتيكيا” بعد الضغط الجماهيرى. وأعلنت لجان المقاومة السودانية العودة مرة أخرى إلى الشوارع، في العاصمة الخرطوم، وتسيير مظاهرة مليونية الأحد 17 يوليو بعد آخر مسيرة احتجاجات حاشدة شهدتها البلاد في 30 يونيو الماضي.وطالبت هذه اللجان إنهاء الحكم العسكرى والرجوع للحكم المدنى، كما أصدرت بياناً مشتركا ، ودعت جميع المواطنين المشاركة بفاعلية فى هذه المليونية.

(*) القوى السياسية المُرحبة:

  1. الأحزاب التقليدية: لم تبتعد الأحزاب التقليدية السودانية كثيراً عن مواقف قوى الشارع والقوى السياسية الجديدة ممثلة في الحرية والتغيير، وإن كانت حاولت الوقوف في المنتصف، وفتح المجال أمام إمكانية الاستفادة من هذه القرارات لصالح الحكم المدني، التي تراهن من خلاله الأحزاب التقليدية كالأمة والاتحادي وغيرها على قواعدها الشعبية التقليدية والتي قد تدعم موقعها في الخريطة السياسية الجديدة، حال اتجه السودان لأي استحقاقات انتخابية شفافة. حيث أعلنا حزبا “الأمة” و”الاتحاد الديمقراطي- الأصل” في بيانين منفصلين ترحيبهما ببيان قائد الجيش السوداني، باعتباره خطوة جيدة تمهد الطريق لتسوية الأزمة السودانية المتفاقمة.
  2. قوى الحرية والتغيير – التوافق الوطني“، وهي قوى سياسية قريبة من المجلس السيادي، و أعلنت بأن بيان البرهان انطوى على عدد من النقاط الإيجابية، لكنها أشارت إلى وجود عدة نقاط غامضة تحتاج لمزيد من التوضيح، ملوحة باستعدادها للدخول في حوار مع القوى والأطراف الأخرى.

(*) المواقف الدولية:

  1. موقف الولايات المتحدة: أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس أن الولايات المتحدة تعتبر أن “من السابق لأوانه” تقييم أثر قرار البرهان. وأن واشنطن تناشد جميع الأطراف في السودان السعي للتوصل إلى اتفاق لتشكيل “حكومة يقودها مدنيون” وتنظيم “انتخابات حرّة ونزيهة”.
  2. موقف الأمم المتحدة: حاول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس التعامل بإيجابية مع قرارات البرهان الأخيرة، حيث صرح بأنه يأمل أن يؤدي قرار البرهان إلى “إيجاد فرصة للتوصل لاتفاق”. ودعا غوتيريس في بيان إلى إجراء “تحقيق مستقلّ في أعمال العنف” في السودان.
  3. مواقف أخرى مُتحسبة: رغم وجود كثير من الدول المعنية بتطورات المشهد السوداني، ومنها مصر والسعودية وبعض دول الخليج الأخرى، إلا أن تحسب هذه الدول تجاه إبداء الرأي في مسألة داخلية سودانية، لا تحظى بالتوافق الداخلي، هو ما جعل الترقب هو سيد الموقف تجاه هذه القرارات ومستقبلها على الأوضاع في السودان.

تقييم الموقف الراهن:

يراهن البعض على أن هذه القرارات ستحرك المشهد السياسي المتصلب في السودان، نحو الأمام، فابتعاد المكون العسكري قد يسمح بانفراجة ويمثل في الوقت ذاته فرصة للمكونات المدنية لتحقيق توافق فيما بينها. بينما يراها آخرون أنها خطوة في المكان، لم تغير من المشهد وتعقيداته كثيراً، بل أنها أضافت مزيد من الغموض للمشهد السوداني، على اعتبار أن أي توافق سياسي بدون إشراك المكون العسكري فيه يعتبر ناقص وغير مكتمل، ويجعله عرضة لانقضاض عليه في أي وقت.  من هنا تتشكل عدة اعتبارات ينبغي وضعها في الإعتبار عند تقييم الموقف الحالي وهي على النحو التالي:

  1. استمرار الحالة الثورية في الشارع في حالة حماسية لافتة، مع إصرار على تهميش دور المكون العسكري في أي ترتيبات سياسية تخص مستقبل السودان، سواء في أي ترتيبات انتقالية قريبة أو على مستوى الوضع الدستوري الدائم.
  2. تشرذم القوى السياسية المدنية، سواء القوى السياسية الجديدة التي تشكلت عقب الإطاحة بالبشير ونظام جبهة الإنقاذ ، أو القوى السياسية التقليدية المعروفة ، وغياب التوافق الاستراتيجي بينها على خريطة طريق متماسكة وواضحة، بينما تجتمع هذه القوى في الوقت الحالي على هدف تكتيكي وهو إبعاد العسكريين عن السلطة.
  3. وجود قوى ثورية مسلحة لم تحدد موقفها النهائي بعد، مثل الحركة الشعبية جناح الشمال وبعض المجاميع المسلحة في دارفور. فهذه القوى لم توضح انحيازها لأي خيار، نتيجة لرؤى خاصة بها تري أن قضية السودان أعقد من مسألة من يصل للحكم في القصر الرئاسي، بل في كيفية وضع معادلة دستورية تضمن حل عادل لقضايا توزيع الثروة والسلطة على أقاليم السودان المختلفة. وستظل حجر عثرة أمام تحقيق استقرار في السودان، سواء للمكون المدني أو المكون العسكري، ما لم يتم استيعاب مطالبها المختلفة.
  4. وجود أطراف خارجية لا تريد رؤية الاستقرار في السودان، وبعضها يغذي عوامل التوتر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لإدراكهم أن استقرار السودان يعني الكثير بالنسبة لمصر وأمنها القومي. فإثيوبيا على سبيل المثال تدرك أن الوضع الراهن في السودان يخدم موقفها من قضية سد النهضة، لأنه يحول دون التئام موقف سوداني متماسك ومساند لمصر ضد الموقف الإثيوبي المتصلب من قضية التفاوض حول قواعد ملء وتشغيل السد وغيره من القضايا الفنية محل الخلاف مع دولتي المصب مصر والسودان.
  5. وجود طرف ثالث، ممثلاً في قوى النظام السابق بكافة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والأيدلوجية والسياسية، والتي لا تزال موجودة في الواقع السوداني حتى الآن، ولم تفلح جهود التخلص منها لأسباب كثيرة – لا يتسع لها المجال هنا – وهذه القوى تنتظر اللحظة المناسبة للعودة للحكم مرة أخرى ولو بثوب جديد وتحت عباءات سياسية مختلفة.
  6. عنصر الوقت ، وطول فترة الانسداد السياسي، وانعكاساته على الوضع المعيشي في السودان والأوضاع الاقتصادية بشكل عام، والتي تتجه من سيء إلى أسوء، بسبب تعطيل سير العمل وتوقف مشاريع الدولة المختلفة، نتيجة الحالة الأمنية غير المستقرة، مع تراجع الشركاء الدوليين عن تقديم الدعم المادي للسودان سواء من جانب المؤسسات المالية الدولية وكبار المانحين.

السيناريوهات المحتملة:

هناك عدة مسارات محتملة للمشهد السوداني الراهن، نجملها فيما يلي:

السيناريو الأول: انفراجة شاملة والانتقال لمرحلة انتقالية جديدة. يتوقف نجاح هذا السيناريو على مدى قدرة المكونات المدنية على الوصول لتوافق سياسي فيما بينها عبر طاولة الحوار، خاصة بعد ابتعاد المكون العسكري عن الطاولة، والتأسيس لمرحلة انتقالية جديدة بصيغة مدنية، يُراعى فيها قرارات البرهان الأخيرة والتي رسمت دور جديد للمؤسسة العسكرية في مستقبل السودان، كما أن نجاح هذا السيناريو بحاجة لدعم دولي وإقليمي حقيقي، يتم من خلاله الاستمرار في دعم مسار الحوار السياسي بين القوى المدنية، والاستمرار في التواصل مع المكون العسكري، لضمان تأييده لأي خريطة طريق ستصدر عن الحوار السياسي المدني، والتعويل هنا على دور مصر والمملكة العربية السعودية ودول الترويكا والمجموعة الأفريقية في تهيئة الأجواء المناسبة لاستغلال قرارات البرهان لصالح إنجاح الحوار بين الفرقاء المدنيين.

السيناريو الثاني: المراوحة في المكان واستمرار الانسداد السياسي: بمعنى أن تستمر القوى السياسية المعارضة خاصة قوى الشارع ولجان المقاومة في تغليب وجهة نظرها الداعية للإقصاء التام للعسكريين من مستقبل السودان، رغم علمهم بخطورة هذا المطلب وربما استحالة تطبيقه بشكل كامل، في بلد لعبت فيه المؤسسة العسكرية أدواراً تاريخية مشهودة. وفق هذا السيناريو ستستمر هذه القوى في تعبئة الشارع والاستمرار في المظاهرات وما سمى بالمليونيات، التي تنتهي عادة بسقوط ضحايا من الشعب السوداني، سواء كانوا مدنيين أو من القوات المسلحة والقوى الأمنية السودانية. هذا السيناريو قد يقود في نهاية المطاف لإفشال الدولة في السودان، وتوقف الحكومة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ويخشى من أن يقود لحرب داخلية، أو لسيناريوهات أخرى قد يتم الدفع بها تحت الضغط المتواصل على المكون العسكري، من بينها حدوث انقلابات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أو العودة لمربع الصراع المسلح والتوتر مع المجموعات المسلحة في الشرق والغرب وغيرها من مناطق السودان المتوترة.

السيناريو الثالث: موقف اضطراري للمؤسسة العسكرية. في ظل استمرار التظاهر ورفض قرارات البرهان الأخيرة، رغم ما تحمله من فرص كثيرة يمكن استغلالها والبناء عليها، واستمرار الضغط على مجلس السيادة من الشارع ومن الخارج كذلك، لا تملك المؤسسة العسكرية خيار أن تترك موقعها اختياريا وتعود للثكنات، بدون وجود ضمانات تعالج فراغ السلطة في السودان حال توجه المؤسسة العسكرية لهذا الخيار، وبدون ضمانات للمؤسسة العسكرية حول صلاحياتها وضمان عدم التعرض للمحاسبة وغيرها. لكن أحد السيناريوهات الاضطرارية قد يكون التراجع عن قرارات حل مجلس السيادة ، بحجة أن القوى السياسية لم تقبلها، بل حاولت القفز عليها، وعندها سيستمر مجلس السيادة على أنه سلطة الأمر الواقع، مع محاولة جذب قوى سياسية داعمة له، يمكن لها تأييد إعلان خريطة طريق جديدة، وطرحها على الشعب السوداني، في استحقاقات دستورية وانتخابية، يتم الترتيب لها.

وتأسيساً على ما سبق، فإن السودان مقبل على فترة أخرى من عدم اليقين السياسي حول مستقبله، وكل السيناريوهات قابلة للتحقق، من أقصى اليمن لأقصى اليسار، ما لم يتم تحكيم العقل وتجاوز المصالح الحزبية الضيقة، والبناء الايجابي على قرارات الفريق البرهان، التي نعتبرها خطوة مهمة ألقت الكرة في ملعب التيار المدني” المنقسم من داخله” ، والذي سيتحمل من تاريخ 4 يوليو المسئولية عن استمرار التأزم السياسي في السودان، فالمعادلات السياسية في دول الأزمات لا تبنى بفرض الآراء، بل بالحرص على التوافق وعدم الاستبعاد أو التهميش خاصة لدور المؤسسة العسكرية السودانية، التي طالما ساندت طموحات الشعب السوداني في مواقف تاريخية كثيرة. كما أن على قوى الحراك الشعبي في الشارع أن تدرك أن الظروف العالمية الراهنة وما تشهده العلاقات الدولية من تحولات مهتمة بصورة كبيرة بالحرب الروسية- الأوكرانية وتداعياتها على الأمن الدولي وأسعار الوقود والغذاء قد يجعل من الصعب منح الاهتمام الأكبر لقضايا السودان، ولصراعاته الداخلية.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى