مستقبل الاتفاق النووي الإيراني في ظل دبلوماسية “بايدن” المتعثرة

محمود حمدي أبو القاسم- خبير متخصص في الشئون الإيرانية

أسفرت جهود مسئول الخارجية الأوروبية جوزيف بوريلعن عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات في الدوحة من أجل مناقشة إحياء الاتفاق النووي، لكن لم تحرز المفاوضات التي جرت في 27-28 يونيو 2022 عن إحراز تقدم يذكر خلال هذه الجولة المكملة لثمان جولات من المفاوضات جرت في فيينا بين أبريل 2021 ومارس 2022م، باستثناء الإبقاء على باب المفاوضات مفتوحا، ومن ثم تزايدت الشكوك من جديد بشأن مصير الاتفاق النووي، لا سيما في ظل  تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في 8 يونيو 2022، والذي يدين إيران لعدم تعاونها، وهو التقرير الذي أعقب تغييرا ظاهرا في الموقف الأمريكي بشأن المفاوضات والتلويح باللجوء لخيارات بديلة، وقد ردت إيران على هذا التقرير بتقييد الرقابة الدولية على المنشآت النووية، الأمر الذي فاقم الخلافات ودفع رفائيل جروسي إلى التصريح بأن الاتفاق النووي قد يكون مستحيلا في غضون أسابيع.

رغم كل التحديات التي قد تحول دون إحياء الاتفاق النووي، لكن ما تزال كل الأطراف تعول على الدبلوماسية من أجل العودة إليه، تجادل هذه الورقة بأنه على الرغم من كل هذه التحديات غير أنكلا البلدين على الأرجح لن يسمحا بانهيار الصفقة النووية، وسيقدمان في مرحلة ما على تسوية يقدم فيها الطرفين تنازلات ما بحيث يتم السيطرة على البرنامج النووي الإيراني كمصلحة حيوية لكليهما، مع الاستمرار في إدارة الصراع في بقية الملفات الخلافية، وهو افتراض تحاول هذه الورقة استكشاف مدى واقعيته بناء على تحليل عدد من العوامل الثانوية المحيطة بالمفاوضات، بما في ذلك التغيرات على الساحتين الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإيران، فضلا عن التحولات التي تشهدها الساحتين الإقليمية والدولية والتي لها صلة بهذا الملف الشائك.

المفاوضات النووية في بيئة متغيرة:

على مدى أكثر من عام لم تنجح تسع جولات من مفاوضات فيينا في إنهاء الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران حول إحياء الاتفاق النووي، ويمكن تناول المتغيرات التي واكبت هذه العملية، والتي أدت إلى تعثر المفاوضات:

  1. العودة لطاولة المفاوضات وبعض المرونة بشأن الخلافات: يعود توقف مفاوضات فيينا منذ مارس 2022 إلى الخلاف حول ثلاث مطالب أساسية لإيران يتعلق أولها، برفع كامل العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة منذ مايو 2018 وهو تاريخ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، بما في ذلك إزالة الحرس الثوري وكبار قادة النظام ومؤسساته من قائمة العقوبات، وثانيهما الحصول على ضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق مجددا، وأخيرا ضمانات تسمح لإيران بعلاقات اقتصادية مع دول العالم دون أي عقبات أمريكية، ترى إيران أن هذه المطالب والضمانات ضرورية حتى يكون الاتفاق فعالا، ولا يتم إفراغه من مضمونه كما حدث بعد عام 2015، أو بعد انسحاب ترامب من الاتفاق في 2018، لكن عارضت إدارة بايدن تقديم أي ضمانات لأسباب قانونية تتعلق بحدود سلطة بايدن، وأسباب أخرى سياسية لها صلة بالضغوط الداخلية والإقليمية حالت دون رفع كامل العقوبات بما في ذلك رفع الحرس الثوري من قائمة العقوبات[i].

لكن بعد عام من التأزم، ومع استمرار العقوبات والضغوط بما فيها تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أبدت إيران بعض المرونة ظهرت بوادرها قبل وأثناء مفاوضات الدوحة، حيث اعتبرت إيران مسألة رفع الحرس الثوري من قائمة العقوبات لا يمثل القضية الأكثر أهمية، في حين ركزت على ضرورة الحصول على ضمانات بشأن العوائد الاقتصادية من الاتفاق، وبالمقابل طرحت الولايات المتحدة انضمام إيران إلى مجموعة العمل الدولية وذلك من أجل منح فرصة للرقابة الدولية على العائدات التي ستتحصل عليها إيران جراء رفع العقوبات، وهو ما يعني أن مفاوضات الدوحة وإن لم تحسم الخلافات لكنها نقلت المفاوضات إلى مرحلة جديدة، وحلحلت إلى حد ما مواقف الأطراف، التي عادت لبلدانها من أجل التشاور لحين تحديد موعد لجولة جديدة.

  1. تراجع تأثير العقوبات: الحقيقة أن بايدن أضعف موقف الولايات المتحدة في مواجهة إيران بعدم مواصلة استراتيجية الضغوط القصوى، والتخلي المجاني عن ورقة ضغط مهمة كان يمكن أن تقنع إيران بتسوية الخلافات، ربما كان ظن إدارة بايدن أن هذا الموقف سوف يعزز من ثقة إيران ويمهد الطريق نحو نجاح المفاوضات، لكن ثبت العكس، حيث أدى تراجع تأثير العقوبات إلى تشجيع إيران على التشدد بدلا عن الانخراط والتفاهم، بل اختار النظام الإيراني تطوير استراتيجية طويلة المدى من أجل تحييد تأثير العقوبات بدلا عن العودة للاتفاق، وتقليل أهمية ورقة الضغوط في يد الأمريكيين.

هكذا ورغم الصعوبات حققت حكومة رئيسي نجاحا فيما يتعلق بالتغلب على العقوبات مستفيدة من تراخي إدارة بايدن في تطبيق العقوبات بصرامة، حيث تنامت صادرات النفط والغاز بعدما وصل بايدن إلى السلطة[ii]، فصعدت من 300 ألف برميل في اليوم نهاية عام 2020 إلى ما يقارب مليون ونصف برميل حاليا،ويلاحظ الارتفاع الملحوظ للتجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2022، حيث زادت صادرات إيران بمقدار 40% بالمقارنة بالفترة المماثلة من العام 2021م، كما سجَّلت صادرات الاتحاد الأوروبي لإيران ارتفاعًا يقدَّر بـأكثر من 18%([iii])، كما إن إيرادات صادرات الطاقة الإيرانية زادت 60% في أول شهرين من العام الإيراني، أي في الفترة ما بين 21 مارس آذار حتى 21 مايو أيار 2022، مقارنة بالفترة نفسها قبل عام([iv])،فضلا عن النجاح في سياسة الجوار والدبلوماسية الاقتصادية، وقد تمظهر ذلك في قبول عضويتها في منظمة شنغهاي للأمن، وتنامي تجارتها مع العديد من الدول بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي أغرى حكومة رئيسي بالإصرار على شروطها لإحياء الاتفاق النووي، واستكمال مسارها في استكشاف قدرتها على التغلب على العقوبات[v].

  1. تفاقم الصراعات والخلافات غير النووية: أتاح مسار الدبلوماسية لإيران متسعا من الحركة والوقت لإطالة أمد المفاوضات،وضمن ذلك عززت عدد من الحوادث الإرث التاريخي العدائي للعلاقات، فمن جانب إيران، استمرت الهجمات الإيرانية على التمركزات والمصالح الأمريكية في المنطقة، وواصلت خفض التزاماتها النووية حتى إن وزير الخارجية انتوني بلينكن صرح أمام لجنة استماع بأن إيران قد تصبح على بعد أسابيع من امتلاك سلاح نووي، كما واصلت الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة تجاه دول الخليج، فضلا عن تهديد حركة الملاحة الدولية وتهديد القوات الأمريكية في الخليج العربي، ناهيك عن تطوير برنامج الصواريخ الباليستية تحت غطاء البرنامج الفضائي وإطلاق أقمار صناعية للفضاء، وكذلك تكثيف الهجمات على إسرائيل، ومن جانب الولايات المتحدة فإنها لم تتخلى كليا عن إرث ترامب بل تركته ورقة للضغط من وقت لآخر، ففرضت العديد من العقوبات على الشركات والشبكات المتعاونة مع إيران، كما تزايدت هجمات إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية في ظل التنسيق رفيع المستوى مع الولايات المتحدة لمواجهة تهديدات إيران، وحركت الولايات المتحدة ملف إيران في الوكالة الدولية من أجل الضغط على إيران.

أدت هذه الحوادث إلى إضعاف خيار الدبلوماسية المطروح من قبل إدارة بايدن مع الوقت،إذ حرك سلوك إيران المياه الراكدة في الداخل الأمريكي، وبدأ الكونجرس ومجلس النواب وضع ضوابط أمام إدارة بايدن من أجل مراجعة نهجه بشأن العودة للاتفاق النووي دون الأخذ بالاعتبار المخاطر والتهديدات الجادة المصاحبة لمثل هذه العملية، إذ وافق مجلس الشيوخ على قرار غير ملزم من الحزبين يعارض شطب الحرس الثوري الإيراني بتصويت 62 عضوا مقابل 33، ويطالبون بالتأكد من أن أي صفقة محتملة تتناول أيضًا “النطاق الكامل لأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار”[vi].

بالمقابل عززت سياسة إجراءات إدارة بايدن من عدم ثقة إيران، ومن خيارات المتشددين بشأن المفاوضات، إذ قوبل الموقف الأمريكي بشروع إيران في تخصب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60٪، مما جعله أقرب إلى 90٪ اللازمة لسلاح، كما قامت إيران بفصل 27 كاميرا مراقبة تابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذه التطورات لا شك تزيد من الشكوك والجدل بشأن مستقبل الصفقة النووية، بل ألقت بظلال كثيفة حول المفاوضات وجعلت إحياء الاتفاق صعب المنال.

  1. المقاومة الإقليمية لنهج الدبلوماسية: في الوقت نفسه دعمت هذه الحوادث وجهة نظر القوى الإقليمية التي تعارض نهج بايدن تجاه إيران، إذ أن العودة للاتفاق كانت تعني تخفيف العقوبات على إيران، ورفد ميزانية إيران بمليارات من الدولارات المجمدة، فضلا عن مزيد من عوائد النفط والطاقة وغيرها من الموارد المهمة، وهذا بدوره يسمح لإيران بالمضي قدما في تنفيذ مشروعها الخارجي، وترميم نفوذها المتصدع، وقد قوبل مطلب إيران برفع الحرس الثوري من قائمة العقوبات وتلميح إدارة بايدن بمناقشة هذا المطلب بحالة من الاستنفار الإقليمي وداخل الولايات المتحدة، دفع إدارة بايدن لتغيير حساباتها، وربما إعادة النظر بشأن مسألة المفاوضات ككل، إذ أن هناك رأي له وجاهته داخل إدارة بايدن نفسها وبين قطاع من الديمقراطيين فضلا عن الجمهوريين يرى بأن عدم وجود اتفاق أفضل من اتفاق سيئ، وهو ما بدأ يظهر في لهجة المسئولين الأمريكيين بالحديث حول نفاذ وقت الدبلوماسية والاستعداد لبدائل أخرى، وظهر كذلك في الضغط على إيران عبر قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يمهد الطريق نحو مناقشة القرار في مجلس الأمن الدولي.

ضمن استراتيجية الردع تلك لا يفوت التنوية إلى الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي على إنشاء مجموعة عمل من الوكالات المختلفة، للتركيز على الطائرات من دون طيار، والصواريخ الموجهة بدقة، التي تنتجها إيران وتقدمها لوكلائها الإقليميين، وذلك بالتوازي مع فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على كل من يشارك في توريد أو بيع أو نقل الطائرات من دون طيار القتالية من إيران وإليها، ويسعى المشروع الذي ينتظر اعتماده في مجلس الشيوخ إلى منع إيران والجماعات المتحالفة معها من الحصول على طائرات قتالية بدون طيار يمكن استخدامها في هجمات ضد الولايات المتحدة أو شركائها، وكثفت الإدارة الأمريكية من مشاوراتها مع دول الخليج من أجل تنسيق الجهود بشأن إيران.

  1. مواصلة إيران سياسة الابتزاز النووي: حيث أفاد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في منتصف مايو 2022 بإن مخزون اليورانيوم المخصب لدى إيران تجاوز الحد المسموح به في الاتفاق النووي بأكثر من 18 مرة، وأفاد تقرير آخر بأن الوكالة لم تتلقى استجابة مرضية حول استفساراتها بشأن العثور على آثار اليورانيوم المخصب في ثلاث مواقع غير معلنة قرب طهران، وقد سبق وحذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي اليوم من تعثر المفاوضات واحتمال ضياع فرصة إحياء الاتفاق النووي في وقت لا تتحلي فيه إيران بالشفافية بشأن برنامجها النووي([vii]).، ليس هذا وحسب لكن في ظل عدم وجود إمكانية للحصول على ضمانات أمريكية بشأن عدم الانسحاب من الاتفاق النووي في المستقبل، فإن إيران من خلال خطتها النووية التي أعلنت عنها مؤخرا، يبدو أنها تحاول أن تخلق من برنامجها أداة ردع لعدم الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، أو ما يطلق عليه البعض الضمانات الذاتية لبقاء الاتفاق، ومفاد هذه الخطوة أن إيران سترفع من خلال برنامجها النووي تكلفة أي انسحاب مستقبلي من الاتفاق النووي، حيث إنها ستجعل من مكتسباتها النووية على المستوى التقني خلال الفترة التي أعقبت انسحاب ترامب ورقة يمكن البناء عليها لتقليل وقت الهروب والوصول إلى العتبة النووي، في هذا الصدد ترغب إيران في الاحتفاظ بالرصيد الذي راكمته من اليورانيوم المخصب ومن أجهزة الطرد المركزى المتطورة التي شغلتها خلال مراحل تخفيض التزاماتها النووية خلال الفترة الماضية، وهذه التطورات بطبيعة الحال تدمر ما تبقى من الصفقة النووية[viii].
  2. فقدان الدبلوماسية للزخم الدولي بعد الحرب الروسية على أوكرانيا: لا يفوت التنويه إلى أن المفاوضات النووية فقدت كثيرا من الزخم الدولي بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي يبدو أنها قد شغلت القوى الدولية المعنية بالاتفاق لفترة، بل أسهمت في عملية تغيير مهم في الموقف الروسي والصيني، حيث تراجعا عن دعمهما للاتفاق وذلك في إطار التنافس المحتدم مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، كما أغرت الحرب إيران بالرهان على كسب مزيد من الوقت، وهو ما عقد مسار المفاوضات ووضعها على حافة الانهيار، ويشار إلى أن الأطراف الأوروبية لا تقوم بدور الوسيط النزيه بقدر ما تحاول ممارسة الضغوط من أجل تحقيق مصالحها ضمن عملية الوساطة[ix]، كما لم تعد روسيا تلعب دور إيجابي في مفاوضات فيينا، لأن هذا في غير مصلحتها خلال المرحلة الراهنة، إذ ترغب روسيا بتعليق المفاوضات واستمرار العقوبات على إيران خوفاً من أن تحتلّ صادرات النفط الإيراني مكان النفط والغاز الروسي.

العوامل المؤثرة على الخيارات الأمريكية والإيرانية بشأن الاتفاق النووي:

مع كل التطورات السابقة التي يعزز بعضها مسار الدبلوماسية بين الجانبين فيما تعرقله متغيرات أخرى، غير أنه هناك عوامل لا يمكن إغفالها عند الحديث عن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الاتفاق النووي، وهي كالتالي:

  1. أن الاتفاق يوفر مصلحة حيوية لكل من الولايات المتحدة وإيران: حيث يسمح للولايات المتحدة وللقوى الأوروبية بالسيطرة على برنامج إيران النووي، وما يزال الاتحاد الأوروبي يبذل جهودا متواصلة من أجل حلحلة الخلافات وقد كررت الولايات المتحدة التزامها بالعودة إلى الاتفاق، كما أن الاتفاق يتيح لإيران فرصة لمعالجة الأزمة المركبة التي يواجهها النظام والتي قد تصل إلى تهديد بقائه، وقد قدم الإيرانيون في ظل الانسداد مبادرات تدل على حرصهم على إعادة إحياء الاتفاق[x].
  2. أن الخيارات البديلة عالية التكلفة ومستبعدة: من الملاحظ أن المواجهة خيار مستبعد حتى في ظل الحكومات الأكثر تشددا على الجانبين، وذلك بالنظر إلى تكلفته العالية، وقد سبق ورفض الرئيس ترامب الذي كان يعتبر أكثر الرؤساء الأمريكيين عدائية تجاه إيران تنفيذ طلب مستشار الأمن القومي الخاص به جون بولتون توجيه ضربة لإيران بعد إسقاطها طائرة بدون طيار فوق مياه الخليج في ظل تصاعد المواجهة غير المسبوقة بين البلدين في 2019/2020، بل إنه أقال بولتون لسياساته التي كانت تدفع باتجاه العمل العسكري، ربما تدرك إيران هذه الحقيقية، لكنها في الوقت نفسه حريصة على عدم استفزاز الولايات المتحدة للدرجة التي تجعلها تعيد النظر في هذا الموقف الثابت.

المواجهة أيضا أمر غير وارد من وجهة نظر أمريكية خلال المرحلة الراهنة، إذ لدى إدارة بايدن قناعة راسخة بعدم فاعلية العقوبات في إجبار إيران على تغيير سياساتها الخارجية من جهة، بل ما تزال تراهن إدارة بايدن على أن دمج إيران قد يحد من سياساتها العدائية ويجعلها أكثر انخراطا، كما لا ترغب الولايات المتحدة في اللجوء إلى الخيار العسكري من جهة ثانية، نظرا لأولوياتها الراهنة في مواجهة الصين وروسيا وتقديرها لردود فعل إيران على الاستقرار والأمن الإقليمي وتدفق المصالح الحيوية بما فيها النفط في ظل أزمة الطاقة العالمية، بل إن هذه الأزمة الناجمة عن حرب أوكرانيا بمثابة حافز إضافي للحصول على موارد الطاقة الإيرانية في السوق في أقرب وقت ممكن، كما لا ترغب الإدارة الأمريكية في عملية إحداث تغيير جذري في إيران لاعتبارات لها صلة بإعادة هيكلة ميزان القوة الإقليمي وبناء تحالفات إقليمية جديدة.

  1. أن هناك هامش مناورة وأوراق في يد الطرفين: تمتلك كل من الولايات المتحدة وإيران أوراق ضغط يمكن أن تدفع الطرف الآخر لمراجعة مواقفه المتصلبة، أقوى أوراق الضغط في يد إيران هو تخفيض الالتزامات النووية والتهديد بامتلاك سلاح نووي، وتنسيق المواقف مع روسيا والصين ضد الولايات المتحدة، وأقوى أوراق الضغط في يد الولايات المتحدة هو إعادة العقوبات والعزلة الدولية، والتنسيق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين وخلق إجماع ضد إيران،وهامش المناورة لإيران يتزايد في ظل التطورات الدولية الراهنة، لكن لا تعدم الولايات المتحدة وسائل لمعاقبة إيران في أي وقت.
  2. أن هناك استعداد من الجانبين لتقديم تنازلات جزئية متبادلة:من الواضح أن كل من الولايات المتحدة وإيران لديهما الاستعداد لقبول تفاهمات جزئية من أجل إحياء اتفاق 2015 مع إدارة الصراع بشأن قضايا الخلاف المتبقية، وهذا ما تؤكده السوابق التاريخية بين البلدين، حيث سبق وتعاون البلدان في ملفات حيوية في الوقت نفسه الذي احتفظا فيه بمبادئ سياستيهما الخارجية، حيث تهيمن على العلاقات تصورات ومدركات تاريخية متبادلة لا تسمح بتطبيع العلاقات بصورة كاملة، خصوصا أن إيران تنظر إلى أن الاحتفاظ بالعداء مع الولايات المتحدة يحافظ على بقاء النظام وان أي تراجع أمام الأمريكيين يهدد مسار الثورة والنظام برمته، بالمقابل فإن الولايات المتحدة ترى أن النظام الإيراني بطبيعته العدائية وسياساته يسمح لها بتحقيق قدر من التوازن الإقليمي، ويسمح بتدفق المصالح بأقل تكلفة ممكنة.

ويلاحظ أن إزالة الحرس الثوري من قائمة العقوبات كانت أحد الخلافات الجوهرية التي عرقلت مفاوضات اللحظة الأخيرة، لكن تراجعت إيران عن موقفها بعدما أغلق بايدن الملف بتأكيده أنه لن يرفع الحرس من قائمة العقوبات، إذ بدأ الحديث في إيران بأن رفع الحرس الثوري من قائمة العقوبات قضية غير محورية، وأن هناك قضايا أخرى ذات أولوية أكبر، كما تردد أن إيران قد وافقت على أن تكون الضمانات الاقتصادية خلال فترة بايدن، وهو ما يعني أن التسوية والاستجابة المتبادلة هي الخيار الأقرب للواقع، كما يؤكد ذلك تصريح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في 22 يونيو 2022 بإن بلاده قدمت إلى الولايات المتحدة مقترحاً جديدا لإحياء الاتفاق النووي[xi].

سيناريو إحياء اتفاق 2015:

يعني هذا السيناريو حصر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في المسألة النووية، وعزل الاتفاق النووي عن بقية الملفات الخلافية الأخرى، مع تقديم الأطراف تنازلات بشأن شروطهما للعودة للاتفاق النووي، ويعزز هذا السيناريو بالنسبة للولايات المتحدة ما يأتي:

  1. أولوية خيار الدبلوماسية: ما يزال خيار الدبلوماسية أولوية لدى إدارة بايدن، باعتبار أن السيطرة على البرنامج النووي له أولوية قصوى، لا سيما في ظل استمرار إيران في خفض التزاماتها النووية وإضفاء مزيد من الغموض على نواياها النووية[xii]، حيث ينظر الأمريكيون إلى الاتفاق النووي بوصفه يقدم نموذجا فعالا لمنع الانتشار الإقليمي للأسلحة النووية وأنظمة نقلها، كما أنه يسهم في تأكيد المكانة الدولية واحترام القواعد المستقرة التي أرستها الولايات المتحدة للنظام الدولي، فضلا عن أنه يمنع سباق تسلح إقليمي قد يهدد استقرار واحدة من المناطق الاستراتيجية في العالم، وأخيرا أن الاتفاق مع إيران يمنعها من الظهور كقوى إقليمية مهيمنة في منطقة الخليج العربي، بما يهدد مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها، وخصوصا إسرائيل.
  2. تقييد الحرب الأوكرانية للخيارات الأمريكية: إذ لا شك أن الحرب الأوكرانية أثرت على موقف الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من إيران، فضلا عن انها خلقت خلافات واسعة النطاق مع روسيا والصين[xiii]، وهو ما يعني احتمال عدم قدرة الولايات المتحدة على إعادة فرض عقوبات صارمة على إيران من جديد، وممارسة مزيد من الضغوط عليها، ناهيك عن التحدي الذي سيواجه خلق شرعية دولية لأي عمل عسكري ضد منشآت إيران النووية، والأهم من ذلك أن التنافس الدولي ربما يتيح لإيران مزيد من الفرص والقنوات والنوافذ للتغلب على العقوبات، وربما يحقق هدفها القديم في تكوين نادي للتغلب على العقوبات الأمريكية، فروسيا والصين الذين يشعران بالرغبة الأمريكية في إضعافهما قد يشجعان إيران على تحدى الولايات المتحدة[xiv].
  3. قدرة الولايات المتحدة على معالجة القضايا الخلافية بمعزل عن الاتفاق النووي: لدى الولايات المتحدة الأدوات والقدرة على ضبط سلوك إيران فيما يتعلق بالقضايا الخلافية الأخرى في حال العودة إلى اتفاق 2015، فإدارة بايدن بالتوازي مع مساعي العودة للاتفاق النووي تتبنى استراتيجية ردع موثوقة من أجل ردع إيران والمليشيات التابعة لها، وذلك كرد فعل على رفض إيران إجراء أي مفاوضات بشأن التهديدات الإقليمية، وقد أسفرت هذه الاستراتيجية المزدوجة عن تراجع لنفوذ وتأثير إيران في بعض المناطق مثل العراق تحديدا، وفي تحول جوهري قد يسهم في ممارسة مزيد من الضغوط على إيران، اقتربت إسرائيل من حدود إيران من خلال نشر رادارات في كل من الإمارات والبحرين، كذلك ترعى الولايات المتحدة تحالف للأمن الإقليمي يتم فيه دمج إسرائيل مع عدد من القوى الإقليمية وهدفه الأساسي مواجهة تهديدات إيران، وهو أمر تنظر إليه إيران بقلق بوصفة خطوة نحو تحول جيوسياسي يؤثر على نفوذها في غرب آسيا في المستقبل ومحاصرة مشروعها الإقليمي[xv].

أما بالنسبة لإيران فإن ما يعزز هذا السيناريو ما يأتي:

أ. أهمية الاتفاق للنظام الإيراني:من وجهة نظر إيران فإنها تقدر أهمية اتفاق 2015لأنه يحفظ لها الحق في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ولا يحرمها من التكنولوجيا النووية السلمية كأحد مظاهر البراعة التقنية التي تفتخر بها، ومظهر من مظاهر الاستقلالية والندية على الساحة الدولية، فضلا عن إنه يسهم في رفع العقوبات الدولية عن كاهلها، وفتح الأسواق الدولية أمام منتجاتها ويمنحها الشرعية في إجراء مبادلات تجارية مع العالم دون عقوبات، كذلك تنظر إيران إلى أهمية الاتفاق ما دام مقتصرا على معالجة المسألة النووية، دون أن يمتد تأثيره إلى وضع قيود على سلوك إيران وأنشطتها في المجالات الأخرى بما في ذلك سياساتها الخارجية وبرنامج صواريخها الباليستية، والأهم من كل ذلك ألا يهدد الاتفاق بقاء النظام ولا يؤثر على فتح الساحة للتبعية الاقتصادية ولا الغزو الثقافي الغربي للمجتمع الإيراني.

ب. حاجة إيران للاتفاق لمعالجة تآكل شرعية حكومة رئيسي:تراجعت شرعية حكومة رئيسي بعد قرابة عام من تشكيلها، وذلك بعد فشل برنامج رئيسي في معالجة الأزمة الداخلية بمعزل عن التفاهم مع الغرب والولايات المتحدة،إذ ما تزال إيران تمارس أنشطتها الاقتصادية بطرق غير مشروعة في ظل العقوبات الأمريكية، وتضطر إلى تحمل تكلفة إضافية من أجل تمرير صادرتها إلى شركائها سواء في عملية الشحن أو الأسعار، كما أنها ما تزال معزولة عن النظام المالي العالمي ما يعرقل تعاملاتها المالية ويحول دون وصولها إلى عوائد صادراتها[xvi]، ونتيجة لذلك عادت الأوضاع الداخلية للانفجار حيث اندلعت العديد من الاحتجاجات، وبدأت تتزايد الانتقادات الداخلية لحكومة رئيسي، ولم تأتي الانتقادات من الإصلاحيين الذين تم إقصاؤهم وتهميشهم عن الساحة وحسب[xvii]، بل بدأت الانتقادات من داخل المحافظين أنفسهم، حتى أن البرلمان المحسوب أعضائه على التيار المتشدد سحب الثقة عن وزير العمل ووجه نوابه انتقادات لرئيسي وحكومته، ومن ثم باتت هناك ضغوط متزايدة للتخلي عن خيار المقاومة والتفاهم مع الولايات المتحدة لعودة الاتفاق بوصفه منطلقا لمعالجة الأزمة في إيران[xviii].

ج.الضغوط التي خلفتها الحرب الأوكرانية على إيران، إذ أن الحرب الروسية على أوكرانيا قد ألقت بظلال كثيفة أثرت على الأوضاع في إيران، فالحرب قد فاقمت من أزمة الغذاء عالميا، وتأثرت إيران بتوقف إمدادات السلع الأساسية القادمة من أوكرانيا وروسيا، الأمر الذي فاقم من الأوضاع المعيشية المتردية بالأساس والتي لم تكن قد تعافت من تبعات انتشار وباء كورونا بعد، كما أن روسيا بدأت تزاحم إيران في أسواق النفط بعد تعرضها للعقوبات، وتخلت عن دعمها فيما يتعلق بالاتفاق النووي من أجل ممارسة مزيد من الضغط على الغرب[xix]، ناهيك عن تواتر التقارير التي تفيد بأن الصين خفضت شراء النفط من إيران، وتوجهت نحو سوق النفط الروسي للحصول على تخفيضات أكثر، ومعلوم أن الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني حتى في ظل العقوبات، وتمثل أهم نافذة لتجارة إيران الخارجية في ظل العقوبات([xx]).

سيناريو انهيار الصفقة النووية:

يعنى هذا السيناريو تمسك الولايات المتحدة وإيران بمواقفهما وعدم إبداء مرونة على طاولة المفاوضات، ومن ثم انهيار مسار فيينا، ولجوء الطرفين إلى خيارات بديلة، في هذا الإطار قد تلجأ الولايات المتحدة إلى العودة إلى استراتيجية الضغوط القصوى، وإجراء مزيد من التنسيق الإقليمي من أجل ردع ومواجهة خطر إيران، والعمل على بناء موقف موحد عبر الأطلسي من أجل فرض مزيد من الضغوط على إيران، وكذلك محاولة استعادة العقوبات الدولية على إيران من خلال مجلس الأمن، وبالمقابل فإن إيران ستتجه نحو مزيد من التشدد برفع مستويات التخصيب والتهديد بتخطي العتبة النووية، مع مزيد من سياسات المقاومة على الصعيد الاقتصادي لإحباط العقوبات والضغوط الأمريكية.وينذر هذا السيناريو بعودة التصعيد والمواجهة في منطقة الخليج وفي عدد من المناطق التي تتقاطع بها المصالح، فضلا عن مزيد من التهديد للأمن والاستقرار الإقليمي والمواجهة بين القوى الإقليمية وإيران، وربما اتساع نطاق المواجهة وتوجيه إسرائيل ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية.

يعزز هذا السيناريو على الجانب الأمريكي عدد من المؤشرات أهمها:

  1. التهديدات الأمريكية بالتراجع عن مسار الدبلوماسية: حيث بدت مؤشرات في ظل تعثر مسار المفاوضات تؤكد وجود تفكير جدى لدى الولايات المتحدة في التخلي عن الدبلوماسية وهو ما سيؤدى بالطبع إلى انهيار الاتفاق النووي برمته،يؤكد ذلك ما صرح به المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس في إفادة صحفية “نظرا لأن العودة المتبادلة إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة اقتراح غير مؤكد إلى حد بعيد، فإننا نستعد لأي من الاحتمالين بشكل متساو”، وكذلك ما قاله المبعوث الأميركي لإيران روبرت مالي إن واشنطن تسعى للعودة إلى الاتفاق “لأنه من مصلحتنا، لكن إذا حاولت إيران رفع سقف شروطها سنرفض ذلك ولن نتوصل لاتفاق”، كما أكد مالي أن آفاق إنعاش الاتفاق النووي ضعيفة في أفضل الأحوال الاحتفاظ بحق العودة للتطبيق الصارم للعقوبات إذا ما انتهت فرص الدبلوماسية([xxi]).
  2. المعارضة الداخلية للاتفاق: تتعرض الصفقة النووية للتهديد في ظل تراجع الدعم الداخلي في الولايات المتحدة للعودة المجانية للاتفاق، إذ يعارض غالبية أعضاء الكونجرس تراخي إدارة بايدن، وبالتالي أقروا قانون لمنعها من حذف الحرس الثوري الإيراني من قائمة الإرهاب الأمريكية، بالإضافة إلى الموافقة على مشروع قانون آخر في مجلس الشيوخ من شأنه أن يمنع البيت الأبيض من التراجع عن فرض العقوبات على “الحرس الثوري” الإيراني والبنك المركزي الإيراني، ومع أن هذا القانون غير ملزم، لكن الملفت أن أعضاء ديمقراطيين قد شاطروا نظراءهم الجمهوريين وجهة النظر نفسها، وهو ما يمثل تحدي أمام مسار الدبلوماسية الذي تتبعه إدارة بايدن، وهناك مخاوف من أن تؤدي انتخابات الكونجرس نهاية العام إلى نتائج تقوض مسار الدبلوماسية إذ بفوز الجمهوريين سيواجه بايدن تحديات داخلية متزايدة بشأن الاتفاق مع إيران([xxii]).

3.تصاعد مؤشرات المواجهة:إذ أن إدارة بايدن تتحرك على مسارات متوازية تحسبا لانهيار الصفقة النووية، حيث تعمل على تنسيق مواقفها مع الأطراف الأوروبية وهو ما ظهر في تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يدين إيران لعدم تعاونها، كما أن إدارة بايدن تستعد للإعلان عن تحالف أمني إقليمي واسع من أجل مواجهة تهديدات إيران، وهو ما يعطي مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة لبدائل الصفقة النووية.

  1. التهديدات الإسرائيلية: قد تنهار المفاوضات وتقوض معها الصفقة النووية في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة، والتي تأتي في إطار استراتيجية هجومية جديدة تتابعها إسرائيل تجاه إيران، والتي يعتقد الإيرانيون أنها تستهدف بالأساس تدمير فرص الدبلوماسية لما تنطوى عليه من مخاطر، حيث تنظر إسرائيل إلى الاتفاق النووي على أنه يمهد الطريق أمام إيران لتصبح قوة نووية في المستقبل وهو أمر غير مقبول بالنسبة لها، ويعتقد الإيرانيون أيضا ان الهجمات الإسرائيلية تتم بتنسيق مع الولايات المتحدة، هذا التنسيق الذي وصل حد إطلاق مناورات جوية واسعة النطاق بمشاركة سلاح الجو في إسرائيل والولايات المتحدة، تحاكي قصف منشآت نووية إيرانية.

بالمقابل فإن هذا السيناريو على الجانب الإيراني تعززه عدد من المؤشرات أهمها:

أ.التمسك بالثوابت الإيديولوجية: مع أن سيناريو انهيار الاتفاق يضع إيران تحت وطأة ضغط غير مسبوق في ظروف داخلية وخارجية معقدة، لكن بقدر ما قد يدفعها للاستجابة تفاديا لانهيار النظام، بالقدر نفسه الذي يدفعها إلى خيار المقاومة بالنظر إلى عدم الرغبة في تقديم تنازلات تمس مبادئ سياستها الخارجية، كما فعلت في ظل الضغوط القصوى لإدارة ترامب، وتخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي هذا الخيار إلى اقتراب إيران أكثر من ذي قبل من إنتاج قنبلة نووية.

ب.النجاح في تحييد أثر العقوبات:فانهيار الصفقة النووية ربما يكون احتمالا وارداً مع قدرة حكومة رئيسي المتشددة على تفادي تأثير العقوبات ومعالجة الأزمات الداخلية، لأن النظام لا يكون مستعدا لأي تنازلات ما دام لا يشعر بأن بقاءه على المحك[xxiii]، وأن خيار مقاومة الضغوط وخطط حل المشكلات بمعزل عن الاتفاق النوويما تزال فعالة[xxiv].

ج. الدعم الروسي والصيني لإيران في إطار التنافس مع الولايات المتحدة، حيث يتلقى النظام الإيراني دعما من القوى الدولية من أجل عدم ربط مصير الاتفاق بأي تنازلات أخري، وقد جاء ذلك في إطار رغبة الصين وروسيا في توطيد علاقاتهما بإيران في ظل المنافسة مع الولايات المتحدة، وقد ساعدت الصين إيران تحديدا في التغلب على العقبات أمام صادرات النفط، حيث تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما إنها قد ساعدتها في الانضمام لمنظمة شنغهاي، وذلك لخلق فضاء أوسع أمام إيران من أجل القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية وبالمثل فتحت روسيا لإيران فضاء أوراسيا من أجل تعزيز مكاسبها الاقتصادية، وذلك استجابة لتوجهات إيران نحو الشرق، وربما جاءت زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إلى إيران في يونيو 2022 في إطار جهود البلدين لتنسيق علاقاتهما في ظل الضغوط التي يتعرض لها البلدين من جانب الولايات المتحدة([xxv]).

د.فقدان الثقة المتأصل: تلقى العلاقات التاريخية بظلالها على المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة إذ ان هناك تاريخ طويل من العداء، تم اختبار تفكيكه من خلال العديد من المبادرات، على مدى أربعون عاما، لكن كانت القيود والإملاءات الأيديولوجية حائلا دون تطبيع العلاقات، بل إن هذه الثقة المفقودة دمرت العديد من المبادرات والفرص التاريخية لتسوية الخلافات، وما تزال الحوادث المتكررة تفسر وفقا لهذا التصورات[xxvi]، فالنظام الإيراني ليس لديه القدرة على تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها المرشد، وهيمنة الجناح المتشدد على السلطة ونظرته إلى أن العلاقات مع الولايات المتحدة بمثابة تهديد لبقاء الجمهورية “الإسلامية”، وارتياح النظام إلى أن سياسة المقاومة قد تمكنه من التخفيف من أثر العقوبات، فضلا عن أن التطورات على الساحة الدولية وتداعيات الحرب الأوكرانية ربما تعطيه ميزة في ممارسة مزيد من المناورة والمراوغة.

خلاصة.. نحو تسوية محدودة لا تعالج كافة الخلافات:

مع بداية مسار الدبلوماسية كانت الإدارة الأمريكية تضغط من أجل توقيع اتفاق جديد يضمن تعديل مجمل سلوك إيران، وكان هذا السيناريو ينطوي على قبول الطرفين تسوية شاملة للقضايا الخلافية الأساسية، بحيث تأخذ الولايات المتحدة بعين الاعتبار مطالب إيران، المتعلقة برفع العقوبات والضمانات الخاصة بمستقبل الاتفاق وحقوق إيران الاقتصادية بموجبه، لكن شرط أن توافق إيران على إدخال تعديلات على اتفاق 2015 كما ترغب في ذلك إسرائيل، بالإضافة إلى منح إيران الولايات المتحدة تعهدات فيما يتعلق بسلوكها الإقليمي ودور الحرس الثوري بجانب طمأنة حلفاء الولايات المتحدة، وترجمة ذلك على الأرض بالإسهام في دفع مسار التسوية في اليمن وتهدئة التوترات في العراق وسوريا ولبنان والخليج العرب، وكذلك تبديد المخاوف بشأن برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف التهديدات المستمرة لإسرائيل.

لكن تم استبعاد هذا السيناريو لأنه الأكثر تعقيدا، على الأقل خلال هذه المرحلة التي تبدو فيها الخيارات حدية، إمام اتفاق أو لا اتفاق، مرد ذلك إلى أن هذا السيناريو يعد بمثابة هزيمة كاملة لإيران، وقد رفضت إيران منذ البداية إقحام أي قضايا جانبية في المفاوضات، وأكدت على ذلك من منطلق أيديولوجي، ويتبني هذا التوجه المرشد والحرس الثوري وهما العنصرين الأكثر تأثيرا على عملية صنع القرار الخاص بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، وقد أخفقت الولايات المتحدة في فرض مفاوضات متابعة مع إيران بشأن برنامج الصواريخ الباليستية أو السلوك الإقليمي الخاص بإيران، وانحصرت المفاوضات في خيارين لا بديل عنهما إحياء الاتفاق القديم أو انهياره، إضافة إلى ذلك فإن النظام الإيراني يعتبر أن أي تعديل على الاتفاق أو رهن التوصل لاتفاق بوجود تفهمات في قضايا أخرى خط أحمر لا يمكن أن يتجاوزه النظام، لأنه بمثابة تهديد لثوابته وبقائه، وتفريط في مكتسبات يعتبرها النظام حقا أصيلا لإيران، وتعبيرا عن استقلالها وكرامتها الوطنية.

مع استبعاد سيناريو التسوية الشاملة للخلافات فإن المتوقع أن تستمر الأطراف في سياسة عض الأنامل لحين بلورة تفاهمات تفضي إلى إحياء الاتفاق النووي بصورة أو أخرى بوصفه صفقة لا بديل عنها للجانبين،ويعد العامل الأساسي للوصول لمثل هذه الصفقة هو اتفاق الجانبين على الحد المعقول من المصالح الحيوية المتبادلة، ما يعني احتمال العودة لإحياء اتفاق 2015،من خلال تقديم تنازلات لا تمس خطوطهما الحمراء الحقيقية، وليست الشروط المطروحة لتعظيم المكاسب، فإيران تريد الاتفاق لتوفير الدعم اللازم لبقاء النظام في مرحلة حرجة تمر بها الجمهورية “الإسلامية”، لكنها تريد اتفاق يحقق مصالحها وليس اتفاق خالي المضمون، وأهم هذه المصالح هو ضمان المكتسبات الاقتصادية المرتبطة به، مع عدم التخلي عن مبادئ سياساتها الخارجية وضمنها عم تغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تريد السيطرة على برنامج إيران النووي، لأن امتلاك إيران لقدرات نووية ذات طابع عسكري يخرجها عن دائرة السيطرة، في حين أن القضايا الخلافية الأخرى يمكن إدارتها بصورة أو أخرى، ولا شك أن تاريخ ممتد من العلاقات يوضح كيف أن إيران والولايات المتحدة كانتا قادرتين على إدارة خلافاتهما بصورة ما، حتى في ظل العداء التاريخي، والتصورات السلبية المتبادلة ومن دون الدخول في مواجهة شاملة،لكن إذا فشل الجانبين في بلورة مثل هذه التفاهمات، فإن العودة للمواجهة والضغوط المتبادلة ستكون حتمية وربما تقود إلى تدمير ما تبقى من الصفقة النووية.

__________________________________________________________________________

[i]وكالة تسنيم، برای خروج از NPT در مجلس بحثی نشده است/ زیر بار توافق یک‌طرفهنمی‌رویم، (۲۸خرداد۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022، https://bit.ly/3OmTtMl

[ii] وكالة تسنيم، رشد ۴۳درصدی صادرات گازایران در سه ماههامسال/ بدهیگازی۱.۶میلیارددلاری عراق پرداخت شد، (۲۷خرداد۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022، https://bit.ly/3zEvAff

([iii]) موقع راديو فردا،رشد چشمگیر تجارت ایرانو اتحادیهاروپا در سه ماهه اول ۲۰۲۲، (اردیبهشت ۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022م،https://bit.ly/3NvFfrZ

([iv])مونت كارلو الدولية، إيران : ارتفاع إيرادات تصدير الطاقة 60% من مارس لمايو، (29 مايو 2022م)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022م،https://bit.ly/3N78T7i

[v] وكالة إيسنا، علم‌الهدی: حل مشکلات به وسیله برجام از اول تفکرغلطی بود، (۲۷خرداد۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3bbEoiA

[vi]Ali Hashem, Elizabeth Hagedorn, US, Iran still trying to close gap on nuclear deal,  (June 20, 2022), accessed On: 27 June 2022, https://bit.ly/3OFvBUv

([vii])الجزيرة نت،  الوكالة الذرية تتهم إيران بعدم الشفافية وإخفاء معلومات حول برنامجها النووي،(10 مايو ,2022)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022م، https://bit.ly/3POUXk1

[viii] عبد القادر فايز، إيران وأميركا.. من ورقة التخصيب في عُمان إلى مكتسب الضمان الذاتي في فيينا، (28 مارس 2022)، تاريخ الاطلاع: 30 أبريل 2022، https://bit.ly/3vAMUxY

[ix] موقع نامة نيوز، نگاهتحلیلگر/ گفت‌وگوی «نامه نیوز» بافریدونمجلسی: موانع احیای برجام، (۲۶/۰۳/۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/39wHTQ4

[x] Al monitor, Don’t write off the Iran nuclear deal just yet, (June 24, 2022),  accessed on: 26 Jul 20022, https://bit.ly/3u2aDqS

[xi] العربية نت،  إيران: قدمنا للولايات المتحدة مقترحاً جديداً لإحياء الاتفاق النووي، (08 يونيو ,2022م)، تاريخ الاطلاع: 26 يونيو 2022م، https://bit.ly/3yff0QX

[xii] موقع عصر إيران، در گفت‌وگوبا عصر ایران؛ سردار کوثرینماینده تهران: خروج از ان پیتی در مجلس مطرح نیست/تا وقتی طرف مقابل به تعهداتش عمل نکند به غنیسازی ادامه می‌دهیم، ( ۱تیر۱۴۰۱ ه ش)، )، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3bdNNWV

[xiii] وكالة برنا، صدور قطعنامهعلیهایران در شورای‌حکام؛ حکمتیرخلاص بر پیکرنیمه‌جان برجام است، (۱۳/ ۰۳/۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3NmlOlT

[xiv] وكالة إرنا، مذاکرهبا مقامات روسیه؛ از تولیدمشترکخودروو ایجادمرکزبازرگانی تا عضویتایران در بریکس، (۲۸خرداد۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3n1Tzh0

[xv] وكالة إيسنا، امیرعبداللهیان در گفت‌وگوباوزیر خارجه عمان: مقامات منطقه نباید اجازه دهندبیگانگان ثبات منطقه‌ای را تحت تاثیر قرار دهند، (۲۷خرداد۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3b2rKlP

[xvi] موقع بازار،ایران در حال از دست دادنبازارهایخارجی؛ مزیتصادراتیکشور، یک دهم شده است، (۲۷خرداد۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م،https://bit.ly/3Hv3pRI

[xvii] وكالة نادي المراسلين الشباب، رئیس‌جمهور: آمریکاپیغام توافق میفرستد اما بازهم ما را تحریممی‌کند/ به آمریکا اعتماد نداریم، (۲۷خرداد۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3y1vbSP

[xviii] راديو فردا، اطلاعاتسپاهپاسدارانچند فعال رسانه‌اینزدیک به حکومت را بازداشتکرد، (۲۶ خرداد۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3Qsw5Pp

[xix] صحيفة كيهان، درصورت صدور قطعنامه: توقف همکاریباآژانسپاسخایران به قطعنامهآمریکایی- اسرائیلیشورایحکام، (۱۵خرداد۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع: تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3au6KnV

([xx]) وكالة إيلنا،انتصار در گفت‌وگوباایلنا:بایدن در موقعیت امضاء توافق باایراننیست/ تاثیرمنفیشکستمذاکراتوین بر گفت‌و‌گوهایایران و عربستان، (۳۰/۰۲/۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022م، https://bit.ly/3G0UIxQ

([xxi])الجزيرة نت، الملف النووي.. مجلس الشيوخ الأميركي يقر مشروعا غير ملزم لمعالجة أي اتفاق مع إيران، (5 مايو 2022م)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022م،https://bit.ly/3z7QeE8

([xxii]) وكالة صدا وسيما، سرلشکرسلامی: کینه و بغض آمریکایی ها نسبت به سپاهمسئلهای تمام نشدنی، (۱۵ارديبهشت ۱۴۰۱)، تاريخ الاطلاع: 31 مايو 2022،  https://bit.ly/3w8RbsL

[xxiii]ديده بان إيران، در گفتوگوبادیده‌بانایرانتشریح شد: جعفرزاده: «سعیدجلیلی» فقط در پیجنگآفرینی است/ آقایوحیدییکبار هم به آشپزخانهخانه‌اشنرفته بعد می‌گوید فقط ۴ قلم کالاگران شده/ عبدالملکیبایددادگاهی شود/ همه فحش و بدوبیراهیکه به نظام می‌دهندمقصرشرئیسی است/ صفرتا صد زندگیقالیبافپراز ابهام است، (۲۵ / ۰۳/۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3O6zSR4

[xxiv] صحيفة آرمان ملي، ضرورتافزایشسرمایهاجتماعی، (۱ تير ۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م،  https://bit.ly/3y5lfYI

([xxv]) وكالة إيلنا، معاون نخست وزیرفدراسیونروسیه؛روس‌هاعلاقمند به تعمیق روابط باایرانهستند/ اهمیتدسترسی به خلیج فارس از طریقکریدور شمال-جنوب/ محدودیت‌های واردات را کاهشمی‌دهیم، (۰۴/۰۳/۱۴۰۱ه ش)، تاريخ الاطلاع 31 مايو 2022م، https://bit.ly/3wMShea

[xxvi] وكالة تسنيم، رئیسی: دنیا حق دهدکه به آمریکابی‌اعتمادباشیم/ ساخت هواپیمایبا۷۲سرنشینتحقق‌پذیر است، (۲۷خرداد۱۴۰۱ ه ش)، تاريخ الاطلاع: 22 يونيو 2022م، https://bit.ly/3NZECrq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى