من هو الرئيس القادم لـ “كينيا”؟

في التاسع من أغسطس المقبل تجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية في دولة كينيا بعد انتهاء الولاية الثانية والأخيرة للرئيس الرابع “كنياتا” الابن، ونظراً لأهمية عامل التحالفات في حسم النتائج الانتخابية، يبقي السؤال، وهو: من هو رئيس كينيا الجديد، ومن هو الائتلاف المحتمل سيطرته على البرلمان؟.

يعد العامل الإثنى من أهم محددات نتائج الانتخابات الرئاسية فى كينيا، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، حيث ينقسم المجتمع الكينى إلى ما يزيد عن 40 مجموعة إثنية رئيسية، ومما يزيد قضايا التصويت تعقيدا فى تلك الدولة، هو أن هيكل التوزيع السكانى الإثنى من الهياكل “المعتدلة”- أى تلك التى يتقارب فيها الوزن النسبى للمجموعات الإثنية، بحيث لا يمكن لأي منها منفردا حسم التصويت لصالحه، فأكبر المجموعات الإثنية عددا هى”الكيكويو” (18%) Kikuyu، يليها”لوهيا” (15%) Luhya، يليها”كالنجين”(13%) Kalenjin، يليها”لو” (11%) Luo، يليها “كامبا”(9%) Kamba، وهكذا.

وقد جعل هذا الوضع المعقد صناعة الائتلافات الانتخابية، أحد أهم أصول الممارسة السياسية الكينية، لكنها ائتلافات متغيرة تتغير قبل كل عملية انتخابية، وعلى الرغم من احتدام المنافسة السياسية فى كينيا بصفة غالبة، إلا أن الرئاسة الكينية لم تخرج عن (عرقيتين) اثنتين هما: (عرقية) “كيكويو” ومنها جاء الرئيس الأول الأب المؤسس “جوموكينياتا”، والرئيس الثالث “موايكيباكي”، والرئيس الرابع “أوهوروكينياتا”، و(عرقية) “كالنجين” ومنها جاء الرئيس الثانى “دانيال آراب موي”.

خريطة المنافسة:

تنتهى الولاية الثانية والأخيرة للرئيس الرابع “كنياتا” الابن، وهو من الـ “كيكويو” فى أغسطس 2022 حيث تنعقد الانتخابات العامة الكينية فى التاسع منه، ولم تقدم مجموعة الـ (كيكويو) مرشحا رئاسيا، فيم تقدم للرئاسة كثيرون أبرزهم:

(*) دكتور”ويليام روتو”: (55 عاما) ينتمي إلى الـ “كالنجين”وتدرج سياسيا فى حزب “كانو” وشغل مقعدا برلمانيا عن دائرة شمال “إلدوريت”، وشغل منصب وزير الزراعة ثم وزير التعليم العالي فى حكومة رئيس الوزراء “رايلاأودينجا” فى عهد الرئيس “مواىكيباكى”، ثم انضم إلى تحالف (ثم حزب)”اليوبيل” الذى قادة الرئيس الحالي”أوهوروكنياتا” وشغل معه منصب نائب رئيس الدولة لدورتين رئاسيتين منذ أبريل 2013، لكنه ترك حزب “اليوبيل” وانضم لحزب “التحالف الديمقراطي المتحد” وأصبح مرشحه الرئاسي لانتخابات الرئاسة لعام 2022 مدعوما من تحالف موسع يضم حاليا حوالي12 حزبا سياسيا قابلة للزيادة، أهمها الحزب الذى يقوده “روتو” “التحالف الديمقراطي المتحد”، وحزب “مؤتمر أماني الوطني” وحزب “منتدى استعادة الديمقراطية”، ويقضى اتفاق التحالف أنه حال الفوز يشكل حزب “روتو” 70% من الحكومة، بينما تكون الـ 30% الباقية من نصيب باقي أعضاء التحالف كل بحسب وزنه البرلماني.

(*) “رايلا أودينجا”: (77 عاما) ينتمى إلى الـ “لو” وشغل أبوه “جاراموجي أودينجا” منصب النائب الأول للرئيس المؤسس “جوموكينياتا”، وتدرج فى المعارضة السياسية واعتقل عام 1982 فى محاولة انقلاب على الرئيس “دانييل أراب موي” ثم أفرج عنه عام 1988 ثم أعيد اعتقاله عدة مرات حتى 1991، وكان ينادى بالتعددية الحزبية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم انضم إلى حزب ” منتدى استعادة الديمقراطية” الذى كان يقوده والده، ثم أصبح عضوا بالبرلمان عن الحزب، ثم انشق عن الحزب بعد وفاة والده فى عام 1994 وشكل حزب “منتدى استعادة الديمقراطية(كينيا)”، ثم تركه وانضم إلى “حزب التنمية الوطنية”.

ترشح “أودينجا” من قبل للانتخابات الرئاسية 4 مرات خسرها جميعا، كان أولها عام 1997التى فاز فيها خصمه اللدود “دانيال آراب موي”، لكنه وفى خطوة مفاجئة تصالح مع “موى” وشغل معه منصب وزير الطاقة، ودمج حزبه “حزب التنمية الوطنية” مع حزب “موى” “كانو” ليتشكل حزب “نيو كانو” وأصبح “أودينجا” أمينا عاما له، لكن “موى” دفع فى انتخابات عام 2002 بـ “أوهوروكينياتا” كمرشح جديد للحزب ما أثار استياء أودينجا” وآخرين، فغادروا الحزب ليشكلوا ائتلاف “قوس قزح” الذى وقف بما في ذلك أودينجا خلف “مواىكيباكى” الذى فاز بالفعل، لكنه لم يوف بتعهداته مع “أودينجا” ولم يشاركه فى السلطة فبدأ “أودينجا” بتشكيل حركة معارضة جديدة، هى”الحركة الديمقراطية البرتقالية” وانضم إليها حزب “كانو” فى البداية، وعبرها نافس “أودينجا” “كيباكى” فى انتخابات 2007 لكن جزب “كانو” انسحب بقيادة “أوهوروكينياتا” ليؤيد “كيباكى” الذى فاز بالفعل، وشهدت كينيا أعمال عنف انتخابي واسعة النطاق، على إثرها تقاسم “كيباكي” و”أودينجا” السلطة فتولى “أودينجا” رئاسة الوزراء، ثم خاض “أودينجا” الانتخابات التالية لعام 2013 وخسرها لصالح “أهوروكينياتا”، ثم أعاد الكرة فى انتخابات عام 2017 فخسرها أيضا، لكن المحكمة الكينية ألغت نتائجها وأعيدت الانتخابات فانسحب منها “أودينجا” ليفوز “أوهورو” بولايته الثانية، وفى تحول مفاجئ عام 2018 تصالح الخصمان “أودينجا-أهورو” فيما اشتهر بـ “المصافحة” فى محاولة لتمرير صفقة سياسية لم يتمكنا من تمريرها قضائيا، لكن ائتلافهما لايزال قائما  حتى الآن.

عوامل الحسم:

على الرغم من تعاظم دور العوامل الاقتصادية فى الآونة الأخيرة، كان ولا يزال التصويت الإثني (العرقي) حاسما فى البيئة السياسية الكينية، ومن هنا لجأ المرشحان الرئيسيان فى الانتخابات القادمة إلى مخاطبة الكتلة التصويتية الأكبر، والتى يمكن لها أن تغير النتيجة، وهى إثنية “الكيكويو”، فعمد كل منهما إلى اختيار نائبا له من “الكيكويو” ليكون نائب رئيس الدولة حال فوزه، حيث اختار “روتو”عضو البرلمان الشاب “ريجاثيجاشاجوا” وهو رجل أعمال شهير يدعم البرنامج الاقتصادي لـ “روتو” ويلقى رواجا فى أوساط الشباب والبسطاء، بينما اختار “أودينجا” وزيرة العدل السابقة السياسية المخضرمة “مارثا كاروا”، وهى معروفة بقوة شخصيتها وبشغفها الشديد بتبني قضايا مكافحة الفساد وتحقيق العدالة والمساواة وقضاة المرأة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وتجد رواجا لدى النخب والمرأة والطبقة المتوسطة.([i])

وتأتى صناعة الائتلافات السياسية فى المرتبة الثانية بين أكثر عوامل الحسم تأثيرا – بعد الإثنية – على نتائج الانتخابات الكينية، وهى صناعة يجيدها كل الأطراف وبخاصة “أودينجا” الذى شكل ائتلافا قويا، هو ائتلاف “أزيميو لا أوموجا”، الذى وصل إلى 20 حزبا فى مقدمتهم حزب “أودينجا” “الحركة الديمقراطية البرتقالية”، و”حزب اليوبيل” الحاكم حاليا بقيادة الرئيس “أوهوروكينياتا”، وتحالف قوس قزح الوطني – كينيا، وحركة الممسحة الديمقراطية – كينيا، وتحالف كينيا الواحد، وغيرها، ولا يقلل ذلك من قوة ائتلاف “كينيا كوانزا” الذى شكله فى المقابل دكتور “وليام روتو” وأنصاره. ([ii])

النخبوية فى مقابل الشعبوية:

من خلال التحليل السابق، يمكن القول إن المواجهة تجرى حاليا بين تيارين: أولهما تيار نخبوى، يمثله المرشح الرئاسى المخضرم “رايلاأودينجا” مع نائبته “مارثا كاروا” وأنصارهما من النخب الكينية التقليدية ويمثلها “أوهوروكينياتا”، و”جدعون أراب موى” و”كالونزوموسيوكا” و”نديريتوموريثي”، و”ويكليف أوبارانيا”، و”حسن جوهو”، وغيرهم من الشخصيات المؤثرة فى السياسة الكينية، وثانيهما تيار شعبوى يقوده دكتور “ويليام روتو” ونائبه الشاب النائب البرلمانى ورجل الأعمال “ريجاثيجاشاجوا” وأنصارهما من المنادين بفكرة تمكين “المهمشين” فى مواجهة “السلالة” من مراكز القوى والنخب التقليدية، اعتمادا على وضع خطط لمواجهة تفشى البطالة واستشراء الفساد، ويحشد “روتو” البسطاء متفاخرا دائما بأنه عمل كبائع دجاج في صغره حتى أصبح من كبار رجال المال والأعمال.([iii])

في النهاية، يمكن القول إن المشهد الانتخابى الكينى، يزداد تعقيدا يوما بعد يوم لدرجة أن استطلاعات الرأي التي أجريت حتى تاريخه تغيرت نتائجها صعودا وهبوطا بين المرشحين الأوفر حظا: “روتو” و”أودينجا”، وتبقى كلمة السر، هي عرقية الـ “”كيكويو” التي ستحدد من هو رئيس كينيا للسنوات الخمس القادمة، حيث تنبئ المؤشرات الأولية أنها أكثر استجابة للخطاب النخبوي، الذي يمثله رايلاأودينجا” عن الخطاب الشعبوى الذي يمثله “ويليام روتو”.

([i]) EvelyneMusambi, “Kenya’s election 2022: RigathiGachagua and Martha Karua chosen as running mates”, on BBC Website, Last Visit at 14July2022, at 11:05 am, at link:

https://www.bbc.com/news/world-africa-61464243

([ii]) Jeff Otieno, “Kenya 2022: Who’s who in William Ruto’s Kenya Kwanza Alliance?”, on The Africa Report Website,Last Visit at 14 July2022, at 11:10 am, at link:

https://www.theafricareport.com/201968/kenya-2022-whos-who-in-william-rutos-kenya-kwanza-alliance/

– Jeff Otieno, “Kenya 2022: Who’s who in William Ruto’s Kenya Kwanza Alliance?”, on The Africa Report Website, Last Visit at 14 July2022, at 11:15 am, at link:

https://www.theafricareport.com/186452/kenya-whos-who-in-raila-odingas-azimio-la-umoja-alliance/

([iii]) د. حمدى عبد الرحمن حسن، “الانتخابات الكينية والشعبوية الجديدة” على موقع قراءات أفريقية، تحققت آخر زيارة فى14 يوليو 2022 الساعة 5:45 م على الرابط:

https://qiraatafrican.com/home/new/الانتخابات-الكينية-والشعبوية-الجديدة

د. سعيد ندا

د. سعيد ندا- رئيس وحدة الدراسات الدولية-، حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة - متخصص فى الشئون الأفريقية - مهتم بقضايا النظم السياسية، والنظم الانتخابية، وتحليل وتسوية الصراعات، وكاتب في العديد من المجلات العلمية ومراكز الفكر والدراسات والبحوث، صدر له عدة كتب وأبحاث ومقالات علمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى