رسائل إيران على مساعي أمريكا لتشكيل “ناتو شرق أوسطي”

في خضم الأحداث الدائرة على الساحة الدولية والإقليمية سواء المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية، أو التهديدات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران جراء عمليات الاغتيال المتزايدة بحق مسئولين إيرانيين عسكريين ونوويين خلال الفترة الماضية واستهداف المنشآت النووية، وتوجه طهران لضرب أهداف إسرائيلية بالأراضي التركية من جهة، فضلًا عن التوترات بين واشنطن وطهران بعد فشل مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا وفشل الوساطة القطرية في إحراز أي تقدم من جهة أخرى؛ تأتي أول زيارة للرئيس الأمريكي “جو بايدن” إلى منطقة الشرق الأوسط منذ توليه منصبه، آملا في أن تسهم تلك الجولة في تدشين “ناتو شرق أوسطي” على غرار حلف الشمال الأطلسي “الناتو”، وهذا بتشكيل تحالف جوي بين إسرائيل وبعض دول المنطقة لمواجهة التهديدات الإيرانية.

رسائل تحذيرية:

عليه فإن تلك الجولة التي يستهلها “بايدن” بزيارة إسرائيل في 13 يوليو 2022 ثم فلسطين وختامًا بالمملكة العربية السعودية لحضور “قمة دول مجلس التعاون الخليجي” يومي 15، 16 يوليو 2022، تأتي في هذا التوقيت تحديدًا، لإيصال عدد من الرسائل إلى النظام الإيراني، على النحو التالي:

(*) على المستوي الأمريكي: أراد “بايدن” أن يبعث بثلاث رسائل لنظام الوالي الفقيه، أولهما، التأكيد على استمرار تنامي النفوذ الأمريكي بالمنطقة والعمل على إعادة تشكيله بطريقة تخدم مصالح أمريكا وحلفاؤها وهذا لتفنيد المزاعم الإيرانية بأن واشنطن لم تعد تمتلك السلطة السابقة التي كانت تتمتع بها لفرض سلطتها وقراراتها على دول المنطقة، أما الرسالة الثانية، أن صبر الولايات المتحدة على إيران آخذ في النفاد، وأنها لن تسمح باستمرار الأعمال التخريبية لنظام الملالي وستعمل على تقليم أظافره خاصة في ظل استمرار جرائم وكلاءه المنتشرين بدول المنطقة وتحديدًا في (العراق، سوريا، لبنان، واليمن) والمهددين لمصالح كل من أمريكا وإسرائيل بتلك الدول.

أما الرسالة الثالثة، أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي، وهو ما دفعها لتوحيد حلفاءها الذين يواجهون تهديدات أمنية مشتركة، وهذا بالعمل من أجل تدشين تحالف إقليمي هدفه دمج الدفاعات الجوية لكل من إسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج للدفاع ضد تهديد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، إذ تأمل إدارة بايدن أن يكون هذا التحالف بمثابة رادع قوي لنظام الملالي لإجباره على تخفيف موقفه المتشددة إزاء عدد من القضايا وخاصة المتعلقة بالملف النووي، وهذا بالتزامن مع اقتراح الاتحاد الأوروبي بشأن استئناف محادثات فيينا في أعقاب رحلة بايدن إلى الشرق الأوسط.

(*) على المستوي العربي: أكثر ما يشكل تهديدًا لإيران أن غالبية دول المنطقة، تشارك كل من أمريكا وإسرائيل في مخاوفهم بشأن “رعاية إيران للإرهاب” والأهداف التوسعية لنظام الملالي التي تشكل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة، وتجلى ذلك بشكل واضح في فورة النشاط الدبلوماسي التي شهدتها المنطقة قبيل زيارة “بايدن” من أجل تنسيق المواقف وتشكيل قوة موحدة ضد إيران، إذ قام ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” في أواخر يونيو 2022 بجولة إقليمية إلى كل من مصر والأردن وتركيا، وقام الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” بزيارة إلى عمان والبحرين يومي 27 و 30 يونيو2022، وأثناء اجتماع الأخير بولي العهد السعودي خلال زيارته للقاهرة 21 يونيو 2022، أكد على التزام مصر بأمن الخليج ورفضها لأية ممارسات من شأنها زعزعة استقرار منطقة الخليج.

(*) على المستوي الإسرائيلي: أرادت تل أبيب خلال الفترة الماضية التأكيد على رسالة مفادها أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وستتصدي بحزم لتهديدات وكلاء طهران ضد الأهداف الحيوية الإسرائيلية بالمنطقة، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي “يائير لابيد” في كلمة له 8 يوليو 2022 أن بلاده لن تتردد في استخدام القوة للحفاظ على سلامة مواطنيها، وكانت مصادر إسرائيلية مطلعة أول من كشفت في يونيو الماضي، عن مساعى لتشكيل “ناتو شرق أوسطي” برعاية أمريكية لمواجهة التهديدات الإيرانية.

وإبان هذا التوقيت شنت إسرائيل بالتنسيق مع واشنطن غارات جوية ضد القوات المدعومة من إيران في سوريا – بما في ذلك قصف مطار دمشق في أوائل يونيو وإغلاقه لعدة أسابيع – في محاولة لوقف شحنات الأسلحة إلى حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، وعقب ذلك أجرت تل أبيب تدريبات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر، للقول أنها لا تستبعد الخيار العسكري لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية، ومن أجل هذا تعمل على توطيد علاقاتها مع باقي دول المنطقة وتأمل في أن تسهم زيارة “بايدن” للسعودية في توقيع اتفاق سلام مع الأخيرة على غرار “اتفاقية أبراهام” الموقعة مع الإمارات، البحرين.

أدوات الرد الإيراني:

وتجدر الإشارة، أنه بعد إعلان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي “جون كيربي” في 7 يوليو 2022، عن مناقشة بايدن خلال جولته، لمسألة “تعزيز التعاون الإقليمي ولا سيما في مجال الدفاع الجوي” بين حلفاء واشنطن في مواجهة طهران، خرج مسئولي الملالي للتأكيد أن بلادهم سترد بكل قوة على أي محاولة تستهدف أمنها القومي، ودعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “ناصر كنعاني” واشنطن للتوقف عن مساعيها لتشكيل هذا التحالف واحترام سيادة دول المنطقة المستقلة، وقال، “طرح أمريكا تعزيز التعاون بين حلفائها الإقليميين في مجال الدفاع الجوي، خطوة استفزازية قد تهدد الأمن في المنطقة”. ومن جانبه، شدد  “على ولايتي”، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية على رفض بلاده لفكرة تشكيل ناتو شرق أوسطي، مؤكدًا في تصريحات لوكالة “إسنا” الإيرانية 10 يولي الجاري، أن إيران لن تسمح لحلف الناتو بالعمل قرب حدودها، وأنها تعتبره تهديدًا لأمنها القومي.

وما تقدم، يطرح تساؤلًا رئيسيًا حول ماهية الخطوات التي ستتخذها الجمهورية الإيرانية للرد على مساعي الولايات المتحدة لتشكيل “ناتو شرق أوسطي” بين إسرائيل ودول المنطقة؟، وهو ما يمكن الإجابة عليه، وفقا لما يلي:

(*) تحالفات استراتيجية مع روسيا: سترد إيران على ذلك بالاستمرار في توطيد علاقتها الاستراتيجية مع موسكو التي تطورت بشدة خلال السنوات الماضية، من أجل تعزيز دورها وحضورها في بلدان المنطقة من جهة، وللخروج من نفق العقوبات الأمريكية المفروضة عليها والتي أدت إلى تدهور اقتصادها وانهيار عملتها المحلية من جهة أخرى، ولهذا ردت إيران على جولة بايدن بالإعلان عن زيارة للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى العاصمة طهران 19 يوليو 2022 للمشاركة في قمة ثلاثية مع نظيريه الإيراني والتركي، وتعد هذه الزيارة الخارجية الأولي لـ”بوتين” منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، وتحمل رسالتين، الأولى روسية، وهذه للتأكيد على أن دور موسكو  في المنطقة لا يقل أهمية عن دور واشنطن، أما الرسالة الثانية، إيرانية، إذ تريد طهران الإشارة إلى تدشين تحالف ضد الغرب بالتعاون مع موسكو  وعدد من الدول لمواجهة مساعى واشنطن لتدشين تحالف ضد طهران.

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنه قبل أيام قليلة من بدأ جولة بايدن، كشفت مصادر مطلعة إيرانية، بل ومسئولين بالإدارة الأمريكية من بينهم مستشار الأمن القومي الأمريكي عن استعداد نظام الملالي لتزويد حليفه الروسي بعدة مئات من الطائرات المسيرة، منها طائرات ذات قدرة على حمل أسلحة لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا.

(*) توطيد التعاون مع دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية: منذ فرض واشنطن العقوبات على إيران، بدأت الأخيرة في البحث عن بدائل للخروج من مأزق هذه العقوبات، وهو ما دفعها مؤخرًا لتوقيع اتفاقيات استراتيجية طويلة المدي لمدة 20 عاما مع كل من الصين بشرق آسيا، وفنزويلا بأمريكا اللاتينية، خاصة أن تلك الدول هي الأخرى لديها عداء مع الغرب عامة وأمريكا بشكل خاص، إذ أن خضوع فنزويلا لعقوبات أمريكية ساهمت في التقريب بين طهران وكراكاس وتوطيد العلاقات فيما بينهم خاصة في مجال النفط لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، ولهذا فإن استمرار طهران في تطوير علاقاتها مع تلك البلدان للاستقواء بهم تحسبًا لأية عقوبات أمريكية جديدة عليها.

(*) مزيد من الدعم لوكلائها في المنطقة: لطالما اعتمد نظام الملالي على الميليشا الموالية له في عدد من دول المنطقة، للرد على أي تهديد له، ولهذا فإن أي محاولة لتشكيل “ناتو شرق أوسطي” قد يدفع بالوالي الفقيه لاستخدام وكلاءه في لبنان واليمن والعراق وسوريا لتكثيف هجماتهم في حال تم تهديد الأمن القومي الإيراني سواء من قبل أمريكا أو إسرائيل، وهذا ما أكدته جماعة حزب الله اللبناني على لسان نائب الأمين العام للحزب الشيخ “نعيم قاسم”، الذي سخر في 25 يونيو 2022 من مساعى واشنطن لتدشين “ناتو شرق أوسطي” وأعلن عن جهوزية عناصر الحزب للرد على أي تهديد إسرائيلي في المنطقة، قائلًا،  “كل تهديداتكم أيها الصهاينة لن تقدم ولن تؤخر، ومع ذلك نحن دائماً في حال استعداد وجهوزية، ونحن في محور المقاومة في حال أقوى مما مضى ونستطيع مواجهة التحدّيات مهما بلغت”.

(*) تطوير  البرنامج النووي الإيراني: إن أكثر ما يخيف واشنطن وتل أبيب هو استمرار  نظام الوالي الفقيه في تطوير برنامجه النووي، وهذا ما ستعمل عليه طهران في حال تم تشكيل هذا التحالف، وألمح الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي” خلال كلمة له في 8 يوليو 2022، أن بلاده تمكنت من تطوير أسلحتها النووية رغم العقوبات الأمريكية، وأنها رغم عدم استخدامها للسلاح النووي في استراتيجيتها العسكرية، إلا أنها ستظل تحقق تقدمًا في الصناعة النووية، وهذا بدوره سيزيد من عرقلة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا خاصة بعد فشل محاولات قطر الأخيرة لإقناع أطراف الاتفاق بالعودة إلى طاولة المفاوضات.

(*) تنامي عمليات التقارب مع الدول العربية: تعول إيران على عدد من بلدان المنطقة لمواجهة أية مساعى أمريكية لتشكيل تحالف شرق أوسطي جديد، وفي هذا الإطار فإن الوساطة التي تقودها العراق لتقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، إذ قام رئيس الوزراء العراقي “مصطفي الكاظمي” أواخر يونيو 2022، بجولة بدأها بإيران ثم السعودية، آملا في إعادة العلاقات بين السعودية وإيران.

وعشية زيارة بايدن للمنطقة، بدأ مسئولي الملالي يكشفون عن عمليات التقارب بين مصر وإيران بعد فتور خيم على العلاقات الثنائية بين البلدين على مدى 4 عقود، إذ كشفت العراق عن وساطة أخرى تقودها لتحسين العلاقات بين طهران والقاهرة، وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الإيراني “حسين أمير عبد اللهيان” أثناء زياراته الماضية لسوريا مطلع يوليو الجاري، أن “تعزيز العلاقات مع مصر يصب في صالح المنطقة والعالم الإسلامي”، هذا في حين أن “كنعاني” زعم في مؤتمر له 13 يوليو الجاري أن بلاده تحولت إلى العاصمة الدبلوماسية لدول المنطقة، كاشفًا عن زيارات مرتقبة  لعدد من رؤساء دول الجوار والمنطقة إلى البلاد قريبا، ومؤكدًا أن بلاده تقوم بتواصل بمحادثات دبلوماسية مباشرة مع مصر جعلتهما بغنى عن الوسيط، وأيضًا تأتي الدول المدعوة للمشاركة في قمة الخليج المقبلة، مثل سلطنة عمان وقطر والعراق، على رأس أولويات طهران، أملًا في أن تقنع تلك الدول بعدم التدخل في أي تحالف ضدها.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول أن تدشين “ناتو شرق أوسطي” سيؤدي إلى توسع الصدع بين إيران وخصومها في المنطقة من ناحية، واستمرار عرقلة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي والمضي قدمًا في تطوير البرنامج النووي الإيراني من ناحية أخرى، وهذا بدوره قد يهدد أمن واستقرار المنطقة ويخلق تحالف مناهض للغرب يجمع طهران وحلفاؤها بقيادة روسية، ورغم ذلك فإن رد الفعل الإيراني حول تشكيل التحالف الإقليمي يؤكد قلق نظام الملالي إزاء المساعي الأمريكية في المنطقة، وهو ما سيدفع طهران لحلحلة الأزمات بينها وبين بعض الدول العربية خاصة السعودية، مصر، لمنع أي خطوة يمكن من شأنها تدشين تحالف في المنطقة ضد إيران.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى