هل تنجح زيارات “الكاظمي” في حلحلة أزمات الداخل العراقي؟

في وقت تشهد فيه بلاد الرافدين حالة من الجمود السياسي أعاقت تشكيل الحكومة العراقية رغم مرور ما يقرب من ثمانية أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر الماضي، قام رئيس الوزراء العراقي” مصطفي الكاظمي” بزيارة إلى المملكة العربية السعودية أتبعها بزيارة مباشرة إلى الجمهورية الإيرانية خلال يومين (25، 26 يونيو الماضي)  في محاولة لحلحلة الأزمات في الداخل العراقي من جهة، واستمرار  جهود الوساطة التي ترعاها بغداد بين طهران والرياض من جهة أخرى.

وانطلاقًا مما تقدم، فإن هذا التحليل يحاول الإجابة عن بعض التساؤلات حول أهداف زيارة رئيس الوزراء العراقي في هذا التوقيت؟، وهل تسهم تلك الجولة في إنهاء حالة الجمود السياسي ببلاد الرافدين بتشكيل الحكومة المقبلة أم لا؟.

دلالات الزيارة:

بجانب أن الهدف الأساسي من تلك الجولة الخارجية، هو  تعزيز العلاقات الثنائية وفتح آفاق التعاون في مختلف المجالات، والتركيز على توطيد العلاقة بين العراق والبلدين الصديقين (السعودية، إيران)، فإن ثمة دلالات سياسية أخري وراء تلك الزيارة، على النحو التالي:

 (*) إيضاح الموقف العراقي من القمة الخليجية: من ضمن أهداف زيارة “الكاظمي” إلى السعودية، هو توضيح الموقف العراقي من حضور هذه القمة التي ستعقد في النصف الثاني من يوليو الجاري بحضور الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ودول مجلس التعاون الخليجي إضافة لمصر والأردن والعراق،  خاصة أنه قبل يوم واحد من زيارة الكاظمي إلى المملكة، أرسل أكثر من  50 نائبًا بالبرلمان العراقي خطابًا إلى رئيس مجلس النواب يطالبونه بإصدار قرارًا يقضي بمنع رئيس الوزراء من التوقيع على بيان القمة، وعقد أية اتفاقيات أو معاهدات خلال حضوره مؤتمر الرياض المقبل الذي من المفترض أن يناقش مساعي تدشين “تحالف إقليمي” بين إسرائيل والبلدان العربية لمواجهة التهديدات الإيرانية والمخاوف الأمنية الخليجية بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأيضًا الدفع بعملية السلام بين إسرائيل ودول المنطقة خاصة بعد اتفاقيات السلام التي وقعتها تل أبيب العام الماضي مع الإمارات والبحرين.

(*) طمأنة إيران:  وبناءًا على النقطة السابقة، فإن توجه الكاظمي مباشرة إلى إيران قادمًا من جدة، هو إيصال رسالة طمأنة لحلفائه الإيرانيين، مفادها أن بغداد إذ شاركت في قمة جدة فإنها لن تنضم إلى أي معسكر  ضد آخر إقليمي أو دولي، ولن توقع على وثيقة ضد طهران التي تربطها معها علاقات استراتيجية وتعاون واسع النطاق نسبياً ببقية دول الجوار، وهذا قد يكون الهدف من توقيع عدد من النواب العراقيين على وثيقة لمنع الكاظمي من التوقيع على أي معاهدة تهدف لزرع الانقسام بين إيران ودول المنطقة، ولهذا أفادت بعض المصادر أن الكاظمي حمل رسالة تطمين من الجانب السعودي، بأن زيارة بايدن للمنطقة لن تكون ضد طهران.

(*) استكمال مشاورات الوساطة العراقية: لا زالت بغداد تحاول رأب الصدع بين الرياض وطهران القائم منذ عدة سنوات من خلال جهود الوساطة التي تقودها منذ أبريل من العام الماضي، ولهذا فإن  زيارة الكاظمي في هذا التوقيت تأتي من أجل ترتيب الجولة السادسة من المحادثات، وتفنيد الأكاذيب بأن الوساطة العراقية انتهت، وهذا ما أكده أيضًا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “سعيد خطيب زاده” أن محادثات بغداد ستستمر بعد تأكد طهران أن المملكة مستعدة للارتقاء بهذه المفاوضات إلى  المستوى الدبلوماسي، كما تأتي تلك الزيارة بعد الهدنة الأممية التي تم توقيعها بين الحوثي والحكومة اليمنية في أبريل الماضي، والتي تم تمديدها بحيث تنتهي في أغسطس المقبل، والتي اخترقتها الميليشا الانقلابية المدعومة من إيران، وهي محاولة عراقية لإنقاذ وقف إطلاق النار في اليمن، والتأكيد على أن ذلك ضروري لاستمرار المفاوضات السعودية الإيرانية.

(*) التأثير على القوي السياسية العراقية: تشهد بغداد في الفترة الحالية حالة من “الانسداد السياسي” أعاق تشكيل الحكومة المقبلة، خاصة بعد إعلان “مقتدي الصدر” زعيم التيار الصدري في 15 يونيو الماضي الانسحاب من العملية السياسية، وقبول رئيس البرلمان العراقي استقالة نواب هذا التيار الـ73، فضلًا عن عدم توافق القوي السياسية الفائزة في الاتفاق على تشكيل “حكومة أغلبية وطنية”.

ولهذا فإن زيارة الكاظمي قد يكون الهدف منها، هو حشد الدعم السعودي والإيراني للتأثير على القوي السياسة العراقية، خاصة أن نجاح بغداد في تقريب وجهات النظر بين طهران والرياض سينعكس بالتأكيد على الأزمة السياسية التي تشهدها العراق، وهذا بدورها يمكن أن يسهم في حل أزمة تشكيل الحكومة خاصة في حال وجود رغبة من إيران تجاه هذا الأمر، بل قد يؤدي للضغط على تلك القوي لتجديد الثقة للكاظمي، ومنحه فرصة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ودعمه للحصول على الولاية الثانية.

اعتبارات متعددة:

وبناءًا على اشتداد حدة التنافس بين مختلف القوي السياسية العراقية، التي نجم عنها فشل تشكيل الحكومة المقبلة، وإحداث حالة من “التوازن الهش” و”الصراع السياسي” داخل أجهزة صنع القرار بالبلاد، فإن “الكاظمي” يصبح لديه فرصة الحصول على ولاية ثانية تمكنه من حلحلة الأزمات التي تمر بها البلاد، والتصدي لحالة الجمود السياسي على الساحة العراقية، وما يساعده في ذلك، هو دعم كل من طهران والرياض،  ولهذا فإن رئيس الوزراء العراقي يبذل قصارى جهوده في هذه الفترة في محاولة لإنهاء حالة التوتر القائمة بين السعودية وإيران، لأنه يعي تمامًا أن نجاحه في هذا الأمر سيمكنه من تولي رئاسة الحكومة العراقية مجددًا بدعم سعودي إيراني.

بيد أن رئيس الوزراء العراقي يعلم تمامًا بأهمية الدور الإيراني داخل بلاد الرافدين، وتأثيره على بعض القرارات والقوي السياسية بالبلاد، خاصة فيما يتعلق بعملية اختيار رئيس الحكومة ودور إيران في حصول الكاظمي على ولاية ثانية في حال تدخلت للتأثير على الفصائل الشيعية الموالية لها داخل العراق، وأبرزها كتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق ودولة القانون التي تطمح بأن يكون رئيس الوزراء المقبل مرشحاً من قبلها، لتخوفها من أن حصول الكاظمي على ولاية جديدة، قد يؤدي للضغط عليهم ونزع أسلحتهم كما فعل عقب توليه رئاسة الحكومة في مايو 2020.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول أن جميع الظروف تشير  إلى أن الكاظمي، هو الأكثر حظًا لتولي رئاسة الوزراء مجددًا، وذلك لاعتبارات عدة، أولها، أنه يحظي بدعم إقليمي ودولي لن يعارض توليه لرئاسة الوزراء مرة ثانية، ويرجع هذا لنجاحه خلال السنوات الماضية في إدارة الملفات المختلفة بالدولة العراقية، وعلى الصعيدين العربي والغربي وهذا ما يفسر تحركاته الإقليمية الأخيرة. أما الأمر الثاني، أن الكاظمي الذي لا ينتمي إلى حزب سياسي معين يتمتع بعلاقات جيدة مع التحالف الثلاثي المكون من  “مقتدي الصدر” الذي يتمتع بثقل في الشارع العراقي، الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة “مسعود بارزاني”، وتحالف السيادة بقيادة رئيس البرلمان العراقي “محمد الحلبوسي”، وهو يزيد من فرصة التجديد لولاية ثانية له.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى