أي دور للمتطرفين في اخفاء رسوم “الحج” من جدران بيوت الريف المصري؟

رصد العديد من الباحثين، خاصة مواليد الريف وقرى محافظات الصعيد- أن مظاهر الاحتفالات الشعبية (الرسوم على الجدران- الشعارات التي كان يرددها أهل الحاج) في قراهم بأداء مناسك الحج، بدأت تشهد تراجعاً كبيراً لدرجة اختفاءها من على منازل الحجاج الذين أدوا تلك الفريضة خلال العشرين عاماً الأخيرة، حيث اختفت الرسوم التعبيرية، التي كانت تُرسم بانتظام على جدران البيوت والمنازل، فقد كان من أهم تلك الرسوم والشعارات، رسوم الكعبة والجمال، التي كانت وسيلة لنقل الحجيج لمكة قديماً والسفن، وصولاً للطائرة، بالإضافة إلى كتابة اسم صاحب البيت على الجدران مصحوباً بكلمة “الحاج”، وعبارة مشهورة تكتب، منها ” حج مبرور وذنب مغفور”، و” لبيك اللهم لبيك”.

وإذا كان بعض المتابعين يفسرون تراجع أو اختفاء تلك المظاهر الاحتفالية، المتمثلة في الرسوم على جدران البيوت، التي تفرد بها سكان الريف، إلى تغيير ثقافة المعمار في ريف مصر، التي حلت فيه البيوت الأسمنتية بدلاً من البيوت الطينية- فإن هذا التحليل يحاول أن يربط بين اختفاء رسوم الحج من على جدران البيوت وبين التغير في التركيبة الاجتماعية والثقافية للمصريين، وكذلك ظاهرة انتشار المد الوهابي خلال الـ 30 عاماً الأخيرة في مناطق جديدة لم تفتح له أبوابها قبل تلك الفترة، وكذلك تغلغل وتموضع بعض التيارات الدينية منذ عام 2011 في عائلاته صعيدية، ظلت لفترة طويلة تصد تلك الموجات الدينية، وذلك لظروف ووجاهة اجتماعية، بالإضافة إلى حرصها على تواجد أبناءها في مختلف الوظائف المهمة التي تتأثر بمستوى التحريات الأمنية. وعلي ما سبق، يبقى السؤال، وهو: ما العوامل التي أدت إلي اندثار رسومات الحج في الريف؟، وما المدخلات الثقافية والاجتماعية التي حولت الشخصية المصرية التي كانت الفنون العمرانية علامة مميزة لما؟، وما التأسيس الفقهي لتحريم هذا النوع من الفن لدي الوهابيين؟.

تحول ثقافي:

ارتبط اندثار الطقوس المرتبطة بالحج، التي يحتفل بها الريفيون منذ فترة عمل كسوة الكعبة في مصر، والتي تعد امتداداً للحضارة المصرية القديمة، بل تعكس الطبيعة الحضارية والراقية للشخصية المصرية- بسيطرة النموذج الوهابي للدين على الشخصية المصرية، فالفكر الوهابي يحرم الرسم، خاصة رسم ما له روح، حيث مرت محاولات اختراق المجتمع المصري من قبل الفكر الوهابي بأربعة مراحل، هي:

(*) الأولى،- بتأسيس جمعية أنصار السنة المحمدية عام ١٩٢٨، وكانت بداية الاعتراف بالذهب الحنبلي، الذي كان مستبعدا من التدريس في مناهج الأزهر قبل هذا التاريخ، وكانت بداية محاولات غزو الفكر الوهابي التي تعثرت بفعل ثبات طبيعة الشخصية المصرية وقلة وسائل انتشار الفكر حينها.

(*) الثانية،- فترة التوغل والزحف الوهابي في السبعينات، حيث سيطر الفكر الوهابي وغزا المجتمع من خلال المساجد ودور تحفيظ القران والمدارس التابعة للجمعية الشرعية ومعاهد إعداد الدعاة. فكانت هذه الفترة بداية نقطة التحول في الطبيعة النفسية والاجتماعية للشخصية المصرية، حيث بدأ التحول إلي الاهتمام بالمظهر الديني، وتحريم كل شيء بداية من كل أنواع الفنون ومباريات الكرة نهاية إلي تحريم الكرتون.

(*) ثالثا،- تمكن الفكر الوهابي من الشخصية المصرية مع بداية الألفية الثانية، ومن العوامل المؤثرة في هذه الفترة لسيطرة الفكر الوهابي علي أغلب المجتمع، هو سيطرة الوهابيين على الحج فأصبح أغلب الراغبين في أداء فريضة الحج، يقدمون عليه من خلال المساجد التابعة للجمعية الشرعية، مما مكنهم من نشر أفكاره في المجتمع، كما سيطر الوهابيين والإخوان علي الأزهر في هذه الفترة التي بدأ الإعداد لها قبل هذا التاريخ، علي الرغم من العداء التاريخي للوهابيين لعقيدة الأزهر باعتباره صوفي أشعري العقيدة، مما انعكس علي البنية الفكرية داخل المؤسسة الدينية التي تحظي بقبول عام لدي المصريين، فأصبحت الأفكار والفتاوى الصادرة عن الأزهر وهابية بامتياز.

(*) رابعا،- بعد سيطرة الإخوان على الحكم داخل مصر عام ٢٠١٢ وتحالف جميع التيارات الإسلامية معه، ظن البعض ممن يسعون إلي السلطة في كل العصور باستمرار الجماعة لزمن طويل قادم، بناء عليه اتسع توغل الفكر الوهابي وأصبح إرضاء هذا الفصيل غاية يسعي إليها البعض، وبعد سقوط الإخوان عام ٢٠١٣ واستمرار حزب النور الذراع السياسي للدعوة السلفية في المشهد السياسي والاجتماعي، استمر الفكر الوهابي- الذي تعد الدعوي السلفية، أكبر ممثل له- حاضر في واقع المجتمع المصري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التي يسيطر عليها أعداد كبيرة من الدعاة السلفيين الجدد الذين ينشرون الفكر الوهابي ليل نهار.

تأسيسا علي ما تقدم؛ ما سبق، يفسر تغير طبيعة الشخصية المصرية التي كانت تعتز بتفردها الحضاري، حيث كانت تعبر عن المناسبات المختلفة بأجواء احتفالية مثل فن الجرافيت، الذي كان حاضرا وبقوة في مظاهر احتفال المصريين بالعائدين من الحج، فاندثر هذا الفن بفعل العوامل السابق ذكرها، نتيجة لانتشار الفكر الوهابي في العائلات الريفية خاصة صعيد مصر بشكل رأسي، وبشكل أفقي أيضا، حيث كانت تمتاز طبيعة العائلة الكبيرة في الصعيد علي الحرص علي انتماء أفرادها إلي المناصب والوظائف القريبة من السلطة كالقضاء والشرطة وعضوية المجالس النيابية، لذا كانت العائلات في الصعيد تحرص علي البعد عن الانتماء لأى جماعة متطرفة.

هذا بالإضافة، إلى أنه أثناء وجود الإخوان في السلطة تقرب بعض أفراد هذه العائلات إليهم اعتقادا منهم باستمرارهم في السلطة، وبعد سقوط الإخوان ظل بعض أفراد هذه العائلات متشبع بالفكر الوهابي، عليه فقد أصبح في كل عائلة في صعيد مصر فرد أو أكثر منتمي نفسيا وعقائديا للفكر الوهابي، وإن لم يكن منتمي تنظيميا لجماعة معينة، وهو ما يمثله الانتشار الرأسي للفكر الوهابي في الريف، الذي انعكس في اختفاء أي معالم لفن الجرافيت علي البيوت وتراجع الفلكلور الشعبي الصعيدي وظهر المظهر الوهابي في اللبس.

 أما عن الانتشار الأفقي يعبر عنه انتشار الفكر الوهابي بنسب متفاوتة داخل أغلب أفراد المجتمع، ومنهم عائلات الوجه القبلي التي كانت بعيده عن أي مظهر للتشدد الديني، حيث كان التدين الصوفي أهم خصائصها، فحدث تغير في وجدان الأفراد بفعل تقديم نموذج التدين الوهابي علي أنه النموذج الأوحد للإسلام علي مدار عقود، ترتب علي ذلك سيطرته علي أغلب المؤسسات داخل الدولة علي رأسهم المؤسسة الدينية، لذا الدولة تحارب الإرهاب من جهة، من جانب أخر المجتمع في أغلبه يهاجم المثقفين والمفكرين، وينبذ الفن ويمجد في المظهر الديني في نفس الوقت ينتشر التطرف وتزداد معدل الجرائم والفساد الذي يعكس خواء ديني حقيقي.

تأسيس فقهي:

إفرازات الفكر الوهابي وصلت إلي هدم بيت النبي، وبيت أبي بكر، وطمس معالم مقابر البقيع في السعودية، وفي مصر وصل الأمر وقت حكم الإخوان لهدم بعض الأضرحة، ومحاولة هدم تمثال طه حسين، وتغطية تمثال أم كلثوم والدعوة إلي إلغاء سياحة الآثار باعتبارها أصنام، وأن الحضارة المصرية القديمة نجس، فكان التطور الطبيعي تحريم فن الرسم واندثار جرافيت الحج من علي جدران البيوت في الريف، ربما لإرضاء الثقافة الوهابية المنتشرة أو ربما لاقتناعه بهذا الفكر من الأساس، لذا وجب توضيح الأساس الفقهي الذي أصلت به الجماعات السلفية لحرمة الرسم علي المنازل.

فقد نقل النووي في شرح مسلم، إن ” الرسم لذوات الأرواح إذا كان مجسماً حرم بالإجماع”، حيث قال: الإجماع على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، وإذا كان الرسم باليد على اللوحات والجدران والثياب وغيرها، فهو محرم أيضا عند جماهير العلماء، والحكمة من التحريم عندهم التصوير فيه مضاهاة وتشبيه بخلق الله تعالي، واتخاذ صور ذوات الأرواح وسيله إلي الشرك، مستشهدين بحديث قال (ص): ” الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم” رواه مسلم.

بناء على ما سبق؛ حرم الوهابيين الرسم والتصوير تأسيساً على الإجماع الفقهي السابق، متجاهلين الحكمة من الحرمة التي يستحيل تحققها في الوقت الحاضر، فالرسم على جدران البيوت عرفه المصري علي مدي العصور، ولم يحدث أن عبده المصريين أو أشركوا بسببه، لذا تنتفي الحرمة بناء على القاعدة الفقهية، وهي “الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما”، عليه مع انتفاء احتمالية السبب من الحكم ينتفي الحكم، لكن الوهابيين يقفون عن ظاهر النص والحكم ويرفضون إعمال العقل، بناءاً عليه يمجدون كل الأحكام التي تحيي المظاهر البدوية، وأحكام القبيلة، وهذا يفسر الأفعال الشاذة التي يقوم بها الأصوليين عندما يمكنون في أي دولة من هدم أضرحة وقبور وتماثيل، وتشويه وحرق أعمال فنيه، وطمس لكل مظاهر الحضارة والفنون.

أخيرا؛ رغم انتشار الفكر الوهابي في المجتمع المصري كما سبق التوضيح، إلا أنه بدأت ظهور بوادر تغير محتمل في المزاج والفكر المصري، حيث نجح بعد شيوخ تابعين للفكر الصوفي في استقطاب قطاع من الشعب أمثال الشيخ الصوفي جابر البغدادي، ويسري جبر وغيرهم، مؤثرين في أبناء العائلات، ونجحوا في مخاطبة جماهير متنوعة من العوام والمثقفين، حيث تميزا باتباع المدرسة الصوفية الشرعية الحديثة، بعيدا عن الخرافات والدجل والدروشة التي يتخذها الوهابيين تكئة الطعن لهدم التصوف، مما أسهم في التفاف قطاع عريض حولهم، لذا فتح باب واسع من الأمل لنشر فكر التسامح وإعلاء المبادئ الإنسانية والروحية، ونقض الفكر الوهابي، الذي أصل للتطرف ونشر الكراهية وأنتج الدواعش وأخواتهم علي مدار عقود.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى