ترتيب الأولويات: قراءة في الجلسة الأولى للحوار الوطني المصري

انطلقت في الخامس من يوليو الجاري أولى جلسات الحوار الوطني، الذي كلف به الرئيس عبد الفتاح السيسى، كل القوى السياسية والنقابية، وغيرهم بترتيب أولويات العمل الوطني للجمهورية الجديدة. وكانت إدارة الحوار، أعلنت في وقت سابق- أي قبلك تلك الجلسة الافتتاحية للحوار، عن تشكيل مجلس أمناءه، الذي تألف من 19 عضوا؛ الذي من مهمته التنسيق والتنظيم واستخلاص المخرجات النهائية للحوار حتى رفعها مكتوبة ومنقحة للرئيس.

ومن أجل الوقوف على السمات الأساسية للجلسة الأولى، تلاحظ عليها الاهتمام بالجانب السياسي، باعتبار السياسة تتخذ القرار فى الأولويات، وإن تطوير القطاع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي سيعود إلى مربع السياسة ليُتخذ القرار بشأنها، وكما تم التأكيد على إنه سيتم العمل على إخراج تشريعات قانونية وإجرائية تلامس الشعب المصري.

رصد ورؤية:

 في ضوء المقترحات المقدمة للحوار الوطني، يلاحظ من الشكل التالي أن الجانب السياسي، قد حظى باهتمام المصريين بنسبة بلغت 37% من إجمالي الاقتراحات المقدمة للأمانة الفنية للحوار، ويليه الجانب الاجتماعي الذي بلغت نسبة 33%، ويأتي فى المرتبة الأخيرة المحور الاقتصادي، الذي تمثل بنسبة 30% من اهتمامات النخبة والعامة الراسلين لإدارة الحوار. وقد تمثلت أبرز القضايا في المحور السياسي، التي شغلت بال المشاركين وفقا لما تم إعلانه خلال الجلسة الأولى للحوار، وهي واقع ومستقبل الأحزاب السياسية، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، والمحليات، والإصلاح التشريعي، والأمن القومى، بينما حُددت القضايا الرئيسية للمحور الاقتصادي، في دعم الصناعة المصرية، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق الأمن الغذائي فى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وتخفيف آثار برنامج الإصلاح الاقتصادي على المواطنين، وخفض الدين العام، وعجز الموازنة، وكانت أبرز القضايا فى المحور الاجتماعي، متمثلة في التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والزيادة السكانية، والمجتمع المدني، والأسرة.

ما يمكن ملاحظته فيما سبق ذكره، هو أن هذا الترتيب الذي قُدم للحوار الوطني- حسب ما ذُكر في الجلسة الافتتاحية، يختلف عن اهتمامات الشارع المصري، الذي يعطى أولوية قصوى حالياً للمحور الاقتصادي، بسبب انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصري، هذا بالإضافة إلى أن المقترحات على المستوى الاقتصادي، جاءت عامة وبدون آليات لتحقيقها، بل أغفلت كثير من القضايا التى تهم الشارع المصري، منها مشكلة التضخم (الارتفاع العام في الأسعار)، ومشكلة تدهور سعر الصرف، وهو ما يمثل عبء كبير على مجلس أمناء الحوار، الذين يتحملون جهد كبير في التقريب بين أولويات الشارع والنخبة.

تأسيساً على ما سبق، يتضح أن الاهتمام بالمحور الاقتصادي لم يكن بالشكل الذي يأمله المواطن المصري، وبالتالي قد يكون ما أعلنه الحوار في جلسته الأولى، فيما يخض نوع القضايا ذات الشأن التي شغلت بال المشاركين بأوراقهم من المصريين (قوى سياسية، نقابات، مثقفين ونخب، المواطنين المهتمين)- يعبر عن فجوة بين ما قُدم لأمانه الحوار من تلك الفئات المذكورة وبين أراء الشارع المصري، وهو ما يتطلب من مجلس أمناء الحوار إعادة النظر فى هذا الترتيب، بما يتوافق مع أولويات الشارع المصري، ويحقق رضا الرأي العام حتى يشتبك المواطن مع مجرياته هذا الحوار إذا وجد مشكلاته ومعاناته اليومية تضافر الجهود من أجل حلها. وبالتالي تُوجب الفجوة بين المقترحات المقدمة للحوار ومطالب الشارع المصري، تقديم بعض المقترحات، التي ربما وضعها في الاهتمام خلال الجلسات الفعلية القادمة فى الحوار الوطني، قد يزيد من مستوى اهتمامات الناس بمجريات الحوار، ويضبط مستوى التوقعات من الحوار التي ربما تكون مرتفعة للغاية عند البعض أو في مستواها الأقل عند آخرين.

مقتراحات جادة:

ثمة مقترحات وضعها في الاعتبار من قبل مجلس أمناء الحوار الوطني، قد يساعد في تخفيف العبء عليهم وفي تشبيك المواطن مع فعاليات الحوار وما تبثه عنه وسائل الإعلام خلال الفترة القادمة، وبالتالي قد يتأثر بالإيجاب مزاج العامة من الشعب تجاه مفهوم الجمهورية الجديدة، وتتمثل أهم هذه المقترحات فيما يلي:

(*) قيام مجلس أمناء الحوار بإعادة ترتيب الأولويات التي كشفتها عملية حصر الأوراق والمقترحات المقدمة عبر الموقع الإلكتروني للأكاديمية الوطنية للتدريب أو التي تم تسليمها مباشرة أثناء المقابلات خلال الفترة السابقة والمنتظرة خلال الفترة المقبلة. فقد يكون من الضروري وضع المحور الاقتصادي فى مرتبة متقدمة بالمحاور التى سيقوم عليها الحوار الوطني، فليس من الفطنة أن يكون المحور الاجتماعي قبل المحور الاقتصادي، حيث أن وضع الحلول للمشاكل الاقتصادية من شأنه أن يفتح الطريق أمام تحسين المحور الاجتماعي للمصريين، فعلى سبيل المثال نرى أن تخفيض معدل البطالة، يعتبر مطلب اجتماعي مهم، ولكن لن يتم تحقيقه بدون الاستثمار فى المزيد من المشروعات، وإنشاء العديد من المصانع، وتوسيع البنية التحتية للاقتصاد. كما أن الحماية الاجتماعية، تأتى نتيجة قرارات اقتصادية تحاول تخفيف العبء على المواطن المصرى، مثل سياسة فاعلة لخفض الأسعار وزيادة لدخل الفرد، وبالتالي فإن حل المشاكل الاقتصادية سيصب فى تحسين الوضع الاجتماعي للمواطن المصرى.

(*) قد يكون من الضروري تنويع الخبرات الاقتصادية التي يتم ضمها للجان النوعية أو المتخصصة بالحوار، فلا يقتصر الأمر على الخبراء الأكاديميين فقط، بل من الأفضل أو الضروري ضم عدد كبير من أصحاب المنشآت الاقتصادية الناجحة والمتعثرة، حتى يتم تخفيف العب على أعضاء مجلس الأمناء، خاصة وأن ضم الممارسين للاقتصاد قد يضبط طريقة تناول الأكاديميين للأوراق المقدمة في هذا الشأن، وبالتالي قد تكون مخرجات الحوار فيما يتعلق بالمشاكل الاقتصادية أكثر واقعية وقابلة للتطبيق.

(*) جدولة المخرجات المتعلقة بالمحور الاقتصادي، وتسهيل آليات تنفيذها، فقراءة عناوين بعض المقترحات المقدمة للأمانة الفنية للحوار الوطني، تشير إلى أن كثير منها واسعة وغير منضبطة وغير محسوبة، فلم يتم تحديد آليات تنفيذها، بل هي مجرد خطوط عريضة تحتاج إلى آليات منضبطة لتحقيقها، أيضاً نلاحظ أن المقترحات المقدمة، فيما يخص المحور الاقتصادي كانت متوسطة وطويلة الأجل، وغاب عنها الأهداف العاجلة، التى يجب تنفيذها على الفور، فلم تتضمن بالتفصيل سبل الحد من أثار التضخم على المواطن المصري، بالرغم من أن هذا ما يشغل الشارع المصرى حالياً، ولم تتطرق إلى مشكلة انخفاض قيمة الجنية أمام العملات الأجنبية، حيث تعتبر هذه مشكلة أساسية تمس الحياة الاقتصادية للجميع مواطنين وصناع.

روشتة عمل:

تأسيساً على ما سبق، وفي ظل اختلاف ترتيب أولويات النخبة والمواطن فيما يخض قضايا الحوار، يمكن وضع روشتة عمل للمشاكل الاقتصادية التى تلامس الشارع المصرى، ملامحها كالتالي:

(1)- طالما أن مشكلة التضخم تأتى فى المرتبة الأولى من حيث اهتمام للمواطن المصرى، فمن الضروري أن يتم وضع سياسات عاجلة لحلها بالتوازي مع جلسات الحوار إلى حين أن تُحول مخرجاته إلى قرارات بعد تدخل رئيس الجمهورية وعرضها على أصحابها من المختصين أو للبرلمان لتشريعها، ويعد من هذه السياسات العاجلة، الرقابة على السواق وضبط الأسعار داخلها، وفرض تحديد الأسعار فى القطاعات التى تشهد تركزا ً للشركات وتقل فيها المنافسة، حيث أن هذه الأجواء تسمح للمنتجين برفع الأسعار، كذلك ضرورة تفعيل دور جهاز حماية المستهلك، فكل هذه الحلول تؤتى ثمارها فى الأجل القصير، مما تجعل المواطن يشعر بتحسن، وبالتالي يحس بنتائج ايجابية عاجلة للحوار الوطني. فقد يكون هناك بعض الأوراق المقدمة للأمانة الفنية للحوار، تعلقت بمشكلات محددة أو بمناطق جغرافية بعينها، وقد تكون خرجت عن المطلوب للحوار الوطني، لكن قد يكون من الضروري جمعها من قبل لجنة مختصة وتوصيلها للوزارات والجهات المعنية للنظر فيها والبت في أمرها.

أما الحلول طويلة الأجل، فهي تعتبر من الحلول الجذرية لمشكلة التضخم، ومن هذه الحلول تنمية قطاع الصناعة، حيث أن زيادة التصنيع يؤدى إلى زيادة المعروض داخل الدولة، وتحقيق الاكتفاء المحلى والفائض يصدر للخارج، وتأتى هذه التنمية عن طريق تقديم الإعانات للمصانع المتضررة من الأزمة الاقتصادية، وتقليل القيود على المستوردين، هذا ولابد من تنمية القطاع الزراعي لأنه السبيل لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد من الخارج، فتنمية هذا القطاع تأتى عن طريق دراسة مشاكل الفلاحين والعمل على حلها وتحسين جودة البذور لتحسين جودة الزراعة ولمنافسة في الأسواق الأوربية.

(2)- ضرورة النظر إلى مشكلة سعر الصرف، فهي تعتبر من المشكلات المهمة التى تؤثر على المواطن المصرى، فحل هذه المشكلة على المدى القصير يتحقق من خلال التحكم فى كمية الدولارات المتداولة خارج البنوك والقضاء على السوق السوداء لبيع العملة، في حين من الضروري أن تهتم السياسات على المدى الطويل والمتوسط، بتطوير القطاعات التى تساعد على زيادة العملة الصعبة داخل الدولة، فتنمية قطاع السياحة والترويج السليم للمناطق السياحية المصرية من شأنه أن يقلل من مشكلة نقص الدولارات، وأيضاً تطوير قطاعات الصناعة والزراعة كما ذكرنا التى تساعد على زيادة الصادرات، التى من شأنها تزيد من العملة الصعبة داخل الدولة .

(3)- مشكلة البطالة تعتبر من المشكلات التى تحتاج إلى وضع آليات عاجلة لحلها لما لها من أثار جيدة وانعكاسات سريعة على الحالة الاقتصادية للمواطن المصرى، فمن السياسات التى تعمل على الحد من البطالة، عملية تأهيل الباحثين عن العمل في مختلف المجالات مثل النجارة والحدادة، وصيد الأسماك، وغيرهم من المشاريع الوطنية الهامة للمجتمع، فهذا يساعد على قبول هؤلاء المتدربين في المؤسسات الخاصة بالنسبة للفتيات فيتم تدريبهن في جمعيات خاصة بالمرأة حتى يتم تكوين الأسرة المنتجة، وعلى الدولة أن تبحث عن سوق محلي وعالمي لدعم وتسويق المشاريع التي ينتجها الشباب والأسر المنتجة. فعلاج البطالة لا يكون بخلق وظائف حكومية غير منتجه يضيف إلى أعداد البطالة المقنعة، وإنما يتطلب زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني مع الزيادة فى معدلات الاستثمار وبالتالي فى معدلات النمو.

فى الختام، قد يكون من الضروري أن تتوافق المخرجات الخاصة بالحوار الوطني مع أراء ومتطلبات الشارع المصرى، وأن تُعكس المشاكل الاقتصادية التى يعانى منها المواطن المصري، ومن هنا يقع على عاتق مجلس أمناء الحوار الوطني، والمنسق العام وأمينه الفني توصيل رسالة الشارع المصرى بما فيها من أمال وطموحات للقوى السياسية والحزبية والشبيابية والنقابية والعمالية والنخب المشاركة، وذلك توفيرا للوقت والجهد، على أن يحاول هذا الحوار الوطنى حل المشكلات التى يعاني منها الناس. في النهاية يجب التأكيد على أن الصورة التي ظهر بها أداء فريق عمل الحوار الوطني، منسقا عاماً، وأميناً تنفيذيا، وأعضاء مجلس الأمناء، في الجلسة الأولى له، تشير إلى أملاً كبير قد يتحقق من خلال هذا الحوار الذي يبدوا على تكوينه التنوع والتناغم والقدرة على الضبط والربط في التعامل مع القضايا وطرح أولوياتها.

رضوى محمد

رئيس برنامج دراسات السياسات العامة، الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى