هل يدفع شيخ محمود بـ “تمتين” العلاقات المصرية-الصومالية؟

منذ أن بدأت الحرب الباردة الجديدة بين معسكري الشرق والغرب، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، اشتد التنافس الدولي والإقليمي على التواجد فى محيط باب المندب، وهو ما أعطى الصومال زخما كبيرا وفرصا نادرة للنهوض من كبوتها إذا ما أحسن قادتها استغلالها، فاستقرار محيط ذلك الممر الاستراتيجي، وفرض النفوذ عليه، أو حجز موطئ قدم فيه، بات مطلبا ومغنما لكل القوى الدولية، بل والإقليمية على حد سواء.

تأسيساً على ما سبق، قد يكون الوقت مناسباً وملحاً لتطبيع وتمتين العلاقات المصرية الصومالية، التي كانت فيما مضى علاقات تعاونية قوية، وعليه يحاول هذا التحليل الإجابة عن التساؤلات الآتية، وهي: هل من إرث يُبنى عليه بين البلدين؟، وهل هناك مصالح مشتركة يحققها التعاون بينهما؟، وهل تسمح أو تساعد البيئة الدولية والإقليمية والوطنية على التقارب بين الدولتين؟.

مصالح مشتركة:

يحقق التعاون المصري- الصومالي العديد من المصالح بين البلدين، لعل أهمها:

(*) أمن خليج عدن: يحقق أمن خليج عدن لمصر مصالح حيوية بل قد ترقى إلى مصالح مصيرية إذا تعلق الأمر بحركة الملاحة عبر قناة السويس، وفى ذات الوقت يحقق للصومال مصالح كبرى ومصالح حيوية إذا ما تعلق الأمر بتحقيق الاستقرار قبالة سواحلها واستغلال ثروات المياه الإقليمية المتاخمة لشواطئها، التي تعد من أغنى وأطول شواطئ دول شرق أفريقيا، ويتحقق أمن خليج عدن بفرض الاستقرار فيه، ومنع السيطرة عليه أو التحكم في حركة الملاحة فيه من جانب أى قوى معادية.

(*) هندسة التوازنات فى شرق أفريقيا وحوض النيل: يحقق ضبط توازنات القوى فى منطقة شرق أفريقيا مصالح مصيرية لمصر إذا ما تعلق الأمر بمنطقة المنابع الشرقية لحوض النيل، كما يحقق مصالح مصيرية أيضا بالنسبة للصومال إذا ما تعلق الأمر باستعادة حلم الصومال الكبير، والتي حالت قوى الشرق والغرب أيضا دون تحقيقه وانتهى بخسارة الصومال لحربها فى السبعينيات من القرن الماضي.

(*) التنمية الاقتصادية: فى هذا العالم الذى تموج أحداثه بما يطيح بتطلعات الدول النامية نحو التنمية، تشتد الحاجة إلى ما يسمى بتعاون “الجنوب-الجنوب”- أى بين الدول النامية وبعضها البعض، وبخاصة وإن كان لدى كل منها ما تعطيه للأخرى، وما أكثره بين مصر والصومال بما يحقق لكليهما مصالح اقتصادية كبرى، بل وترقى لأن تمثل مصالح حيوية بالنسبة للصومال فى ظل ما تتعرض له من انهيار اقتصادي وجفاف.

إرث يُبنَى عليه:

جمع البلدين الشقيقين علاقات تعاونية وثيقة قبل استقلال الصومال وبعده، شملت كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وشأنها شأن كل علاقات الدول، فقد مرت علاقة البلدين ببعض الفتور فى بعض المراحل كان أخرها عهدة الرئيس “فرماجو”، غير أن عودة الرئيس حسن شيخ محمود إلى الحكم، ومبادرة مصر إلى مد جسور التعاون معه، بعثا الأمل فى إحياء ذلك الإرث الثمين ومهدا الطريق للبناء عليه نحو علاقات تعاونية مثمرة.([i])

ومما يساعد على استعادة العلاقات المصرية-الصومالية أمجادها تلك الصورة الذهنية الرائعة الراسخة لدى شعبي البلدين كل تجاه الأخر، وبخاصة وأن البلدين تجمعهما العروبة ويتحدث كثير من الصوماليين العربية، والشعبين مسلمين يجمعهما المذهب الشافعي السائد فى الصومال والغالب فى مصر، فضلا عما للأزهر الشريف من مكانة فى نفوس شعبي بل ونخب وقادة البلدين.

ومن ناحية أخرى، تعد سابقة التعاون بين مصر والصومال فى عهدة الرئيس “شيخ محمود” الماضية نقطة انطلاق إيجابية، حيث التقى آنذاك الرئيس عبد الفتاح السيسي خمس مرات، ونشطت الدبلوماسية بمستوياتها بين البلدين، كما أنه كان ضيفا عدة مرات على منابر القاهرة كمرشح رئاسي معارض قبيل فوزه الأخير، ومما يُبنَى عليه أيضا زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي للصومال، وذلك لحضور حفل تنصيب الرئيس “شيخ محمود” وتباحثهما حول سبل تعزيز التعاون بين البلدين.

بيئة مواتية وفرص سانحة:

(&) على المستوى الدولي: لن يحتاج المدقق إلى كثير عناء للوقوف على مدى اهتمام بريطانيا بما يدور فى المنطقة بعد تعيينها مبعوثتها الخاصة للقرن الإفريقي والبحر الأحمر، وعلى مدى اهتمام إدارة الرئيس “بايدن” بالعودة وبقوة إلى القرن الأفريقي كأحد أهم أدوات الغرب في حربه الباردة الدائرة حاليا مع المعسكر الشرقي، ويعد تحقيق الاستقرار فى الصومال المدخل الوحيد لتحقيق هذا الهدف الأمريكي، ويؤكد هذا النظر أن الرئيس الأميركي “بايدن” وافق مؤخرا على خطة لإعادة نشر مئات من القوات الخاصة الأميركية في الصومال، بالإضافة إلى منح البنتاجون صلاحيات دائمة لاستهداف حوالي عشرة من القادة المشتبه بهم في حركة الشباب، ما ينبئ – على الرغم من الإخفاق الأمريكي السابق – عن أن تغيرا حادا سوف يحدث فى المدى القريب أو المتوسط على توازن القوى فى الصومال لحساب الحكومة على حساب حركة الشباب.

وعلى الجانب الآخر يشهد المحور الصينى-الروسى-الإثيوبى-الإريترى تصعيدا لافتا فى الآونة الأخيرة، لا شك أنه يتعارض مع المصالح المصرية فى منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، ما يوجب على مصر تحقيقا لمصالحها، التماهي مع المصالح الصومالية، ومع كل ما يحقق أمن واستقرار الصومال.([ii])

(&) أما على المستوى الإقليمي: تستقبل منطقة الفرن الأفريقي، وبخاصة الصومال نشاطا مكثفا من القوى الإقليمية وأبرزها تركيا والإمارات، كما تشهد منطقة القرن الأفريقي تراجعا للدور الإثيوبي فى الآونة الأخير انعكاسا للحرب الأهلية الإثيوبية، وفى الوقت نفسه يحتفظ الرئيس “شيخ محمود” بعلاقات جيدة وطيدة مع قادة إقليم “تيجراى” ويرحب هؤلاء برئاسته للصومال، ومن ناحية أخرى تقع مصر على مقربة جغرافيا من الصومال، ويتميز الوصول إليها بالسهولة وقلة التكلفة، يدعو كل ذلك مصر ويهيئ لها فرصا جيدة لاستعادة دورها فى شرق أفريقيا.

(&) على مستوى الداخل الصومالي: يتطلع الرئيس الصومالي شيخ محمود إلى تحقيق إنجازات سياسية وأمنية واقتصادية عاجلة لتثبيت دعائم حكمه وإثبات جدارته بالمنصب وقدرته على قيادة المرحلة، ومما يجعل الفرصة سانحة أمام الحضور المصري، حيث أن غالبية هذه التطلعات تدخل فى حدود الإمكانيات المصرية.

فعلى الجانب الأمني، مثلا تمتلك مصر خبرة واسعة فى مجال مكافحة التطرف والإرهاب فكريا وعسكريا، وكذا مجال تقديم خدمات الحماية والأمن للنظام الحاكم، ويسمح بل ويدعو البعد العروبي لعلاقة البلدين إلى عقد اتفاقيات أمنية كالتعاون العسكري والدفاع مشترك.

وعلى الجانب الاقتصادي يجمع البلدين عضوية منطقة التجارة التفضيلية “السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا” “كوميسا”، وتسمح الخبرات المصرية بتقديم الكثير والكثير مما تحتاجه السوق الصومالي، وبخاصة فى مجال الصناعات الصغيرة والصناعات الغذائية والدوائية وغيرها.

وعلى الجانب الثقافي والمجتمعي تمنح مكانة الأزهر الشريف، وخدمات المؤسسات التعليمية المصرية، وخدمات المجتمع المدني المصري، أفضلية للجهود المصرية فى المجتمع الصومالي.

في النهاية، يمكن القول إن السياق الدولي والإقليمي الحالي يحتم على البلدين الشقيقين التقارب بينهما والتطبيع لعلاقتهما تحقيقا لمصالحهما المشتركة، ويساعد الإرث التعاوني السابق بينهما، فضلا عما تتيحه الأوضاع والإمكانات الوطنية لكليهما، على تحقيق تطلعاتهما المشروعة والممكنة نحو مواجهة التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار والتقدم لشعبيهما، وفي تقديرنا ستبادر القاهرة لأن تكون أولى وجهات “شيخ محمود” الخارجية..

_______________________________________________________

([i])موقع الهيئة المصرية العامة للاستعلامات، “العلاقات المصرية-الصومالية”، تحققت آخر زيارة فى 28 يونيه 2022 الساعة 5:30 م على الرابط:

https://sis.gov.eg/section/125/2479

([ii])د. حمدي عبد الرحمن حسن، “الصومال وإعادة الصياغة الجيوستراتيجية للقرن الأفريقي”على موقع مركز تريندز للبحوث والاستشارات، تحققت آخر زيارة فى 28 يونيه 2022 الساعة 5:35 م على الرابط:

https://trendsresearch.org/ar/insight/somalia-geostrategy/

د. سعيد ندا

د. سعيد ندا- رئيس برنامج الدراسات الأفريقية-، حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة - متخصص فى الشئون الأفريقية - مهتم بقضايا النظم السياسية، والنظم الانتخابية، وتحليل وتسوية الصراعات، وكاتب في العديد من المجلات العلمية ومراكز الفكر والدراسات والبحوث، صدر له عدة كتب وأبحاث ومقالات علمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى