لماذا أطاح الحرس الثوري الإيراني بـ ” حسين طائب؟

بعد مرور أكثر  من عقد من الزمان، أصدر  الحرس الثوري الإيراني في بيان له في الـ  23 يونيو الجاري، مرسومًا يقضي بإقالة رئيس استخبارات الحرس رجل الدين “حسين طائب” وتعين العميد “محمد كاظمي” الرئيس السابق لمنظمة  “حماية المخابرات في الحرس الثوري” بدلًا منه، وذلك بعد حصوله على مباركة المرشد الإيراني “علي خامنئي” القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، وهو ما يعبر عن رغبة نظام الملالي في إعادة هيكلة جهاز مخابرات الحرس الذي أثبت فشله خلال الفترة الماضية سواء في حماية علماء إيران النوويين والعسكريين وحتى المنشآت النووية الإيرانية.

وانطلاقًا مما تقدم، فإن هذا التحليل يحاول الإجابة عن السؤال التالي، وهو: لماذا صدر قرار الإطاحة بـ”حسين طائب”  في هذا التوقيت؟.

التوقيت ودلالاته:

ثمة دلالات أمنية وسياسية يطرحها قرار الإطاحة بـ “حسين طائب”، هي على النحو التالي:

(*) الاختراقات الأمنية والاستخباراتية: يمثل التوقيت عاملاً مهمًا في هذا القرار، حيث يأتي بعد تنامي سلسلة من الاختراقات الأمنية والاستخباراتية التي تعرضت لها إيران خلال حكم “طائب” وتزايدت خلال الثلاث سنوات الماضية، بما في ذلك عمليات تخريب المنشآت النووية الإيرانية والاغتيالات التي طالت عسكريين وعلماء نوويين، وجاء من أبرزهم «محسن فخري زاده» العالم النووي في استهداف لسياراته نوفمبر الماضي، و«صياد خدائي» القائد بالحرس الثوري من أمام منزله بالعاصمة طهران في يونيو الجاري وتلاه مباشرة مقتل ضباط يعملون في المجال النووي، إضافة للهجمات الإلكترونية لبعض مؤسسات الملالي، وهو ما أدي لانتقادات عديدة لسوء أداء الحرس الثوري ووزارة المخابرات.

يرجع هذا لفشل منظومة استخبارات الحرس في منع إسرائيل من اختراق شبكة الأمن الإيرانية من جهة، ونجاح التنسيق الإسرائيلي- التركي في إفشال مؤمرات الحرس الهادفة للثأر واغتيال إسرائيليين بأنقرة من جهة أخرى، وهو ما نجم عنه أنباء عن محاولة اغتيال إسرائيل لـ”طائب”، بعدما كشفت جهات أمنية إسرائيلية أن المسؤول الإيراني الذي كلف بتنفيذ عمليات على أراضي تركيا وغيرها لاغتيال إسرائيليين، هو حسين طائب، رئيس جهاز استخبارات الحرس وأنه قيد المتابعة.

(*) تنامي موجة الاحتجاجات: شهدت إيران خلال الفترة الماضية موجة واسعة من الاحتجاجات كان آخرها احتجاجات الغلاء التي اندلعت في مايو الماضي، وفشل الحرس الثوري هذه المرة في اخماد حراك هذه الاحتجاجات الشعبية التي باتت تشكل تهديدًا لعرش النظام المتشدد الذي قال أن أعداء البلاد (في إشارة إلى أمريكا وإسرائيل) وراء تلك الاحتجاجات، ورغم أنه في كل مرة يتمكن الحرس بجميع أجهزته في إيقاف هذه الاحتجاجات بوسائله القمعية كافية، إلا أنه هذه المرة واجه فشل ذريع ويرجع هذا لانشغاله بالانتشار والتمدد في المنطقة فضلًا عن ما يعانيه من نقص شديد في التمويل جراء العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد، وبدلًا من أن تقوم أجهزة المخابرات بدورها، وقعت طهران مطلع يونيو الجاري اتفاقا مع شركات مراقبة صينية متخصصة في مجال التجسس تساعد النظام على قمع المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع خلال الأسابيع الأخيرة الماضية.

(*) فساد جهاز المخابرات: رغم أن “طائب” كان من المقربين بشدة لـ”مجتبي خامنئي” نجل المرشد، إلا أن ذلك لم ينجح في إيقاف اتهامات الفساد التي طاردته خلال العقدين الماضيين والتي لم تنجح حينها في إقالته من منصبه رغم تقارير عدة كشفت عن فساده، ففي أكتوبر 2019، كشف تسجيل صوتي للصحفي الإيراني المعتقل “حمد حسين رستامي” عن أعمال فساد لـ “طائب” من خلال إدارته لشركات غير قانونية وشبكة لتشويه سمعة المعارضين البارزين عبر الزج بأسمائهم في فضائح فساد، وفي 2018، كشف تسجيل صوتي للمساعد الاقتصادي للحرس الثوري “صادق ذو القدر نيا” عن صلة “طائب” بمؤسسة “ياس القابضة” التابعة للحرس واعتقل اثنان من كبار مديريها بتهم فساد.

(*) صراع أجنحة النظام: في عهد “طائب” ارتفعت حدة الصراع سواء بين المؤسسات المختلفة وبعضها أو حتى داخل  القيادات بالمؤسسة الواحدة، إذ كشفت مصادر أمنية أن من ضمن أسباب إقالة رئيس الاستخبارات هو نشوب صراعات نفوذ داخل أروقة الحرس جراء الفشل الاستخباراتي الذي شهدته البلاد خلال الفترة الماضية، وقد سبق أن أكد “محمود أحمدي نجاد”  الرئيس الإيراني الأسبق أن “طائب” يستغل منصبه دومًا من أجل تلفيق التهم ضد خصومه، فضلًا أنه في منتصف يونيو الجاري، ظهرت قضية نشطاء البيئة، وقضية عدد من مديري قنوات موقع التواصل الاجتماعي “التلغرام”، لتكشف عن تصاعد الخلاف بين الرئاسة الإيرانية ومخابرات الحرس التي اعتقلت عدد من النشطاء الإعلاميين المقربين من حكومة الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي”، واصفة إياهم بمديري القنوات الإخبارية “شبه السرية والظل”.

إعادة الهيكلة: 

وتشير الأسباب التي سبق ذكرها مجتمعة أو منفردة أن المرشد الإيراني فضل التضحية بأحد أقوي الشخصيات في البلاد والذي كان من المقربين له ولنجله والمصنف على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي، لجلب شخصية جديدة وظيفتها الأساسية الحفاظ على عرش الملالي من أية تهديدات داخلية كانت أو خارجية، ولهذا وقع الاختيار  على “محمد كاظمي” أحد كبار أعضاء الحرس الثوري والمعروف بـ”صياد الجواسيس” نظرًا لقدرته على ملاحقة عدد كبير من معارضي النظام سواء في الداخل أو الخارج، وفقًا لطبيعة عمله خلال السنوات الماضية كرئيسًا لمنظمة “حماية المخابرات في الحرس الثوري” التي تعمل تحت القيادة المباشرة للمرشد، والمسؤولة عن مكافحة عمليات التجسس داخل أروقة الحرس وهذا بالإشراف الأمني على أداء وسلوك ونشاطات قادة الحرس وقواته، لمنع وقوع أية اختراقات أو تسريب معلومات سرية من داخل الحرس.

بيد أن وقوع الاختيار على “كاظمي” تحديدًا لتولي هذا المنصب الهام يرجع لكونه على علاقة جيدة بـرجل الدين الشيعي “أصغر حجازي” المسؤول الأول عن أمن وسلامة المرشد، ولهذا سيقع على رئيس الاستخبارات الجديدة مسؤولية تحقيق أمرين، أولهما، وقف عمليات التسلل الإسرائيلية بداخل البلاد ومنعها من الوصول لأنظمة الدفاع الإيرانية وبرنامجها النووي وعلماؤها ورجالها العسكريين، أما الأمر الثاني، فمتعلق بعمليات الانتقام خارج حدود البلاد وهو ما فشل رئيس الاستخبارات السابق في تحقيقه، خاصة بعدما نجحت واشنطن في يناير 2020 في استهداف قائد فيلق القدس السابق “قاسم سليماني” في العاصمة العراقية بغداد، وهو ما تسبب في توجيه ضربة لنظام الملالي، إذ كان “سليماني” هو عين النظام وذراعه الأساسي بمنطقة الشرق الأوسط والداعم للجماعات الموالية لطهران بدول المنطقة.

وتأسيسًا على ما سبق، فإنه متوقع أن يفرض قرار الإطاحة بطائب، تداعيات ستنعكس آثارها على الداخل والخارج الإيراني سواء في المدي القريب أو البعيد، وستكون هناك عدة محاولات لإعادة تنظيم وحدة استخبارات الحرس الثوري مع التركيز على تنظيف مخابرات الحرس من أية جواسيس، وبالتالي، من المتصور أن يقوم “كاظمي” بتغيير طريقة إدارة الأمن الاستخباراتي في البلاد، بنهج أساليب جديدة في التعامل مع إسرائيل من جهة والإيرانيين المحتجين من جهة أخرى، وهذا ما سبق وقام به “طائب” حينما تولي رئاسة استخبارات الحرس، إذ قام على الفور بإحداث تغير في هيكل الجهاز ليصبح فيما بعد واحد من الشخصيات الرئيسية في قمع المتظاهرين، كما سيبذل “كاظمي” مساعيها لاحتلال ميادين جديدة لتوسيع نفوذ إيران بالخارج.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى