أولويات “النخبة” و”المواطن” في قضايا الحوار الوطني

في العاشر من يونيو الجاري عرض برنامج “مصر جديدة” الذي يقدمه المفكر المصري ضياء رشوان على قناة etc المصرية- ترتيب أولويات النخبة المصرية (الأحزاب، النقابات، الكتل السياسية، المجتمع المدني، النقابات، والاتحادات العمالية، شخصيات عامة ومواطنين مثقفين،..) لمحاور الحوار الوطني أو نوعية القضايا المقترح مناقشتها، حيث قال “رشوان” إن الأمانة الفنية للحوار الوطني بالتنسيق مع الجهة المشرفة عليه، تلقت 386 مقترحاً للقضايا التي يناقشها الحوار.

وبحسب ما أعلنه “مصر جديدة”، فإنه يجب التأكيد على أن المحور السياسي احتل المرتبة الأولى في القضايا المقدمة للأمانة الفنية للحوار الوطني، بعدد بلغ 70 اقتراحاً من إجمالي 386 مقترحاً، قدمتهم النخبة المصرية المُستجيبة للدعوة، ثم جاء في الترتيب الثاني المحور الاقتصادي بعدد 57 اقتراحاً، يليه المحور الاجتماعي بعدد 56، ثم التعليم بعدد 33 اقتراحاً، وجاء المحور الصناعي في الترتيب التاسع بعدد 13 اقتراحاً، كما جاء المحور الزراعي في الترتيب الحادي عشر، وفي الأخير جاء المحور السياحي بعدد ثماني اقتراحات، تجدر الإشارة إلى أن عدد المحاور التي شملتها الاقتراحات الـ 386 المقدمة للأمانة بلع 16 محوراً.

فوفقاً للاقتراحات التي عرضها “رشوان”، والتي يوضحها الرسم البياني التالي، يتضح أن النخب والمثقفين وتلك القوى والكتل السياسية والمهنية، التي استجابات للدعوة- تُولى أهمية كبيرة للقطاع الصناعي، ويليه القطاع الزراعي ضمن مناقشة المحور الاقتصادي، حيث أن تطوير القطاع الصناعي له انعكاساته الايجابية ونتائجه المباشرة على الناتج الوطنى وزيادة التصدير، الذي يعتبر المصدر المهم للعملة الأجنبية، مما يقلل الضغط على العملات الأجنبية، ويحقق استقرار أسعار الصرف وتحقيق إنتاج محلى ووطني يكفى احتياجات السوق المحلية. ومن ناحية أخرى فإن اهتمام النخبة بالمحور الزراعي، يأتى من دافع تحقيق الأمن الغذائي المصري بعد ارتفاع أسعار الاستيراد بشكل كبير فى الوقت الراهن نتيجة لتدهور سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار.

بعيداً عن أولويات النخب والمثقفين أو الكتل السياسية والحزبية والتجمعات المهنية والنقابية إذا التزمنا الدقة في التوصيف، فإنه يجب التأكيد على أن القضايا السياسية تصدرت الاهتمامات، وإن كان المحور الاقتصادي احتل مرتبة متقدمة، إلا أن محدداته الرئيسية المتمثلة، في الصناعة والزراعة والسياحة، جاءت في ترتيبات ربما متأخرة، وهو ما قد يختلف مع أولويات المواطنين في الشارع. وبالتالي، يكون السؤال هنا.. هل يمكن أن تتفق أولويات النخب والمثقفين مع أولويات المواطن فيما يخص القضايا التي يناقشها الحوار؟.

أولويات الشارع مقارنة بالنخب والمثقفين:

وفقا لسؤال (مباشر-غير مكتوب) طرحه الباحث على ما يزيد عن 30 شخصاً من الجيران والأقارب، وهو: ما هي الأولويات التي يجب أن يتضمنها الحوار الوطني؟، تلاحظ حدوث اختلاف في ترتيب الأولويات بين الـ 28 شخصاً الذين وافقوا وأجابوا عن السؤال، بين الحماية الاجتماعية، التي يجب أن تحققها الدولة للمواطنين ضد الأزمة الاقتصادية وشكل هذ الرأى نسبة 50% من أراء الذين طرح عليهم السؤال، بينما أكد الآخرون على أولوية تطبيق سياسة رقابة فعالة على الأسواق لكبح زيادات الأسعار فى السوق المصري، ومنع الممارسات الاحتكارية، حيث يعتبر إتباع سياسة فعالة للرقابة على الأسواق من السياسات التى يتم اتباعها فى أوقات الموجات التضخمية، باعتبارها تساعد فى تخفيف حدتها على المواطن، وهنا نشير إلى أنه بلعت نسبة أصحاب هذا الرأي 40% من إجمالي  وشكل هذا الرأي نسبة 40% من آراء الـ 30 شخصا الذين أجابوا عن السؤال المذكور سابقاً، وجاءت النسبة الباقية (10%) تطالب بضرورة توفير فرص عمل، والحد من مشكلة البطالة.

تحليل ما سبق، يشير إلى حدوث فجوة بين آراء النخب وآراء الشارع فى ترتيب الأولويات، التي يجب أن يتضمنها الحوار الوطني، أسبابها- أي الفجوة-، هي أن آراء النخب فى المحور الاقتصادى لم تكن محددة وتلامس تأثيرات الحرب الروسية وأزمة كورونا، كما أن شمولية المحور الاقتصادي، كما رتبته النخبة يعتبر مسار طويل الأجل، بينما الشارع، وفقاً للإجابات المذكورة، يحتاج إلى سياسات عاجلة للحد من الأزمة الاقتصادية، وليس ذلك بحسب، ولكن يحتاج إلى آليات لتحقيق الأولويات، وتحديد مدى زمني، وليس فقط تقديم اقتراحات بالمعنى الواسع.

فالنخب، حددت أولوية للمحورين الصناعي والزراعي، وتعتبر هذين المحورين بمثابة ركائز تقدم أي اقتصاد، ومن الطبيعي لأي اقتصاد أن يتبع خطة تطوير للقطاعين المذكورين، تكون محدد المدة لتحقيق المرونة العالية فى امتصاص الأزمات، في حين أن الشارع  يحتاج إلى حلول تجنى ثمارها على الأجل القصير لامتصاص الأزمة الاقتصادية، وتقليل عبئها على محدودي الدخل.

الأولويات الضرورية:

قراءة وتحليل إجابات السؤال المذكور سابقاً (ما هي الأولويات التي يجب أن يتضمنها الحوار الوطني؟) من قبل المواطين، يشير إلى احتمال كبير في تغيير ترتيبات أولويات النخب على مائدة الحوار الوطني، وإن كان المحور السياسي سيحتل مساحة واسعة، خاصة وأن التوافق بين أولويات النخب والمواطنين سيكون المحرك الرئيسي لتأمين وحماية نتائج الحوار، وبالتالي يمكن ترتيب الأولويات على النحو التالي:

(*) أولويات على المدى القصير: (1)- أولوية الاستثمار في الفترة المقبلة، وتقديم المزيد من التسهيلات والإعفاءات الضريبية للاستثمار الصناعي كثيف العمالة، وهو قد يسهل فى محاربة البطالة ورفع مستوى المعيشة،مع ضرورة التعامل مع الغموض المتعلق بالإجراءات الخاصة بمشكلة سعر الصرف، الذي يؤثر على حركة الاستثمار.

(2)- التفكير الجاد في وضع حل لمشكلة التضخم، التي تسببت في ارتفاع بأسعار السلع الأساسية، فوفقا للشكل التالي يلاحظ ارتفاع مستواه إلى 13.529% في مايو 2022 بالمقارنة ب 4.829% فى مايو 2021.

وهنا يمكن القول، إنه يمكن علاج التضخم الحادث من خلال السياسات التي تؤثر على جانب الطلب الكلى، ومن أهمها السياستان النقدية والمالية، فكلما زاد عرض النقد أكثر من المعروض من السلع والخدمات كلما ارتفعت معدلات التضخم، فرفع سعر الفائدة يقلل الائتمان الممنوح، وبالتالى تنخفض مستويات الطلب الكلى. وعليه، يمكن أن يعمل البنك المركزى كذلك على خفض معدل التضخم باستخدام نسبة الاحتياطي الإلزامي، التي تعنى كمية الأموال التى يجب على البنوك الإحتفاظ بها لدى البنك المركزي، فرفع هذه النسبة قد يقلل من الائتمان الممنوح، ومن ثم انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي تراجع مستوى الأسعار، هذا بالإضافة إلى تطبيق سياسة فعالة للرقابة على الأسواق من شأنه أن يحجم من إرتفاع الاسعار.

(3)- مشكلة النقد الأجنبي التي نتجت عن الاستيراد بلا ضوابط أو مراعاة المتاح من النقد الأجنبي. وفى مواجهة الأزمة الراهنة المتمثلة فى تدهور الاحتياطي النقدي الأجنبي، نقترح أن تقوم الدولة بالاستفادة من تدهور العلاقات الروسية التركية وما ترترب على ذلك من ايقاف روسيا لإستيراد قائمة طويلة من السلع التركية، وبالأخص السلع الزراعية كالخضر والفاكهة. فهذا الإيقاف، يقدم فرصة للصادرات المصرية المناظرة من الخضر والفاكهة لدخول السوق الروسية وتحسين الميزان التجاري مع روسيا.

(4)- مشكلة عجز الموازنة العامة، حيث سجل العجز الكلي للموازنة 368.1 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو إلى فبراير من عام 2021-2022 مقابل 320.1 مليار جنيه خلال نفس الفترة من عام 2020-2021.

(الجدول- يوضح نسبة عجز الموازنة العامة من الناتج المحلى الاجمالى)

المصدر: وزارة المالية المصرية

ويوضح الجدول السابق، ارتفاع عجز الموازنة العامة للدولة خلال أول 8 أشهر من العام المالي الجاري إلى 5.15% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 5% خلال نفس الفترة من العام الماضي، نتيجة زيادة المصروفات العامة بنسبة 11.9% بينما زادات الإيرادات بنسبة 9.3%، ولذلك قد يكون من الضروري أنه من أجل تخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة، القيام بالتأني فى تنفيذ المشروعات التي تعتمد على مستلزمات مستورة (مواد خام-مستلزمات توريد)، خاصة وأن تنفيذها في ظل الارتفاع العالمي للأسعار يشكل ضغط على الموازنة العامة للدولة. فهناك طاقة حمل لأي اقتصاد- أي لابد من وضع جدول أولويات للمشاريع الأقل تكلفة في هذا التوقيت.

(*) سياسات المدى الطويل: من الضروري أن يناقش الحوار الوطني ويدعم سياسات تعمل على تقوية الاقتصاد المصري، وتجعله أكثر صلابة فى مواجهه الأزمات، فكما اقترحت النخبة وأعطت الأولوية للمحور الصناعي والزراعي، فلابد أن تضع الدولة مزيد من السياسات التنموية العاجلة لهذين للقطاعين اللذان يساهمان فى زيادة الصادرات وتقليل الواردات مما يحسن الميزان التجارى ويعمل على زيادة النقد الأجنبي.

وتتمثل آليات تطوير القطاع الصناعي، في تيسير عمليات توفير المواد الخام اللازمة على الصناعة، وتفعيل الرقابة على الواردات وتيسير عمليات النقل والشحن لمنتجات الأنشطة الصناعية، وتفعيل منح الحوافز والإعفاءات المقررة للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، كذلك وضع حلول لمشاكل المصانع وتحفيزها على الإستمرار فى الإنتاج لتوسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، هذا بالإضافة إلى إدخال التطور التكنولوجى فى الصناعة، حيث أن التكنولوجيا تتضاعف دالة الانتاج بشكل كبير، فقد نمت صناعة اليابان بشكل كبير نتيجة إدخال التكنولوجيا فى التصنيع .

أما آليات تطوير القطاع الزراعي، تتمثل في ضرورة تعميم تطبيق الميكنة والتكنولوجيا والتقدم العلمي فى الأساليب الزراعية، مع زيادة التمويل الإنفاق الحكومي والإدارة اللامركزية للقطاع الزراعي والريفي، بالإضافة إلى ضرورة تمويل القضايا ذات الأولوية فيما يخص المشروعات البحثية كتحسين أنواع المحاصيل التى تنتج غلات أكثر وتتحمل الظروف القاسية، مع توفير المدخلات الضرورية للقطاع الزراعى بأسعار ملائمة وجودة عالية.

في النهاية، يمكن القول إن أولويات حل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، تقتضي على الأمانة الفنية للحوار الوطني وكل الأطراف المشاركة ضرورة ترتيب الأولويات- أي النظر في أولويات يتم تحقيقها على المدى القصير، بهدف امتصاص أثر الأزمة الاقتصادية العالمية على المواطن المصرى، مع أولويات تهدف لتقدم الاقتصاد، وتؤتى ثمارها على المدى الطويل. بالتالي، من الضروري أن يتم ترتيب الأولويات على أساس درجة الأهمية، ودرجة الخطورة، ودرجة الاستعجال، كل ما سبق مع ضرورة التقريب بين أولويات النخب وأولويات الشارع حتى يدرك المواطن أهمية الحوار ونتائجه في المستقبل.

رضوى محمد

رئيس برنامج دراسات السياسات العامة، الباحثة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد، كلية اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة القاهرة، الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى