ماذا بعد زيارة “بايدن” للسعودية؟

رسمياً تأكدت زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية في إطار جولة إلى المنطقة سيبدأها من إسرائيل، وتعد هذه الزيارة مرتقبة بشكل كبير بعد الفتور الذي خيم على العلاقات السعودية الأمريكية منذ وصول إدارة “بايدن” إلى سدة الحكم.

 وفي ظل إرباك الهجوم الروسي على أوكرانيا، الحسابات الأمريكية بشأن التعامل مع المملكة والمنطقة بشكل عام في الفترة المقبلة، بعد أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب الأوكرانية- يحاول هذا التحليل رصد أهم التطورات التي سبقت الزيارة، وتوضيح عنوان المرحلة القادمة في التعامل مع إيران من جانب الولايات المتحدة، وما إذا كانت هذه الزيارة بمثابة لملمة للأوراق الأمريكية المبعثرة مؤخرا في المنطقة، أم ستقتصر الزيارة على معالجة الأزمة الأكثر إلحاحا حاليا (الوقود) التي خلفها الوضع في أوكرانيا، وإرجاء بقية الملفات الأخرى إلى وقت لاحق.

زيارة مرتقبة:

بعد فترة من التكهنات باحتمالية إجراء “بايدن” لزيارة إلى المملكة العربية السعودية، خاصة بعدما فرضته الحرب الأوكرانية من تحديات اقتصادية، وبعدما رفضت السعودية وشركائها في دول الخليج ضخ كميات إضافية من النفط للحفاظ على استقرار الأسعار في الأسواق- أعلن البيت الأبيض منذ أيام عن زيارة سيقوم بها الرئيس الأمريكي إلى المنطقة بين ١٣ و ١٦ يوليو القادم، سيبدأها من إسرائيل والضفة، لينتقل بعدها إلى المملكة العربية السعودية لمناقشة سبل التعاون والملفات العالقة بين البلدين في ١٥ يوليو، ثم حضور اجتماع مجلس التعاون الخليجي، والذي سينضم إليه الرئيس المصري والعاهل الأردني ورئيس الوزراء العراقي، وهذا وفقا لبيان الديوان الملكي الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

تأسيساً على ما سبق، تعتبر الزيارة بمثابة طي لصفحة الخلافات الأمريكية مع قادة الدول العربية، وأبرزهم الحاضرين، ومحاولة الاتفاق على صيغة موحدة لمواجهة إيران في الفترة القادمة، ومن ثم التفرغ لمواجهة الأزمة الأوكرانية وتبعاتها مع روسيا، ومواجهة طموحات الصين أيضا  في القارة الآسيوية. وبذلك تكون الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأمريكي (مواجهة الصين وروسيا، واعتبار منطقة الشرق الأوسط خارج أولويات إدارته) قد تحققت أيضا، ولكن مع الحفاظ على علاقاتها والتنسيق مع دول المنطقة التي قد تساعدها أيضا في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة، وفي الوقت نفسه إغلاق جبهة من الخلافات كانت تؤرق البيت الأبيض طيلة الفترة الماضية، وبالخصوص بعد المصالحة الخليجية، وإصلاح العلاقات التركية مع دول المنطقة، بهدف مواجهة إيران بإشراف أمريكي، وبذلك تكون أيضا واشنطن متفرغة لمواجهة موسكو وبكين.

تطورات ما قبل الزيارة:

في الأيام الأخيرة طرأت مجموعة من التطورات الهامة، التي قد تشير إلى بداية تقارب كبير بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، كما تعتبر مبادرة من قبل واشنطن لحذف الفترة الماضية من سجل علاقاتهما، وأهم تلك التطورات:

(*) فشل الاتفاق النووي: وذلك بعدما رفضت إيران الاكتفاء بالتنازلات التي قدمتها الإدارة الأمريكية وشركائها الأوروبيين، وفشلت في استغلال التهافت الغربي على توقيع الاتفاق النووي قبل الانسحاب من المنطقة، وأصرت على ضرورة إزالة الحرس الثوري من على قوائم الإرهاب، كما أعاقت مؤخرا مفتشي الأمم المتحدة النوويين، ومن بعدها وكالة الطاقة الدولية لإيران بعد اكتشاف ٣ مواقع غير معلنة لتخصيب اليورانيوم، وفشلت في تقديم أي مبررات لذلك، كما أغلقت كاميرات المراقبة التابعة لوكالة الطاقة الدولية في أكثر من موقع نووي، مثل ظنز وفوردو، وهو ما اعتبره مدير الوكالة الدولية للطاقة “ضربة للاتفاق للنووي”، وبهذا ستكون هناك صعوبة بالغة في توقيع الاتفاق النووي في ظل المعطيات الراهنة.

وعليه فرضت واشنطن عقوبات على شركات بتروكيماوية وشركات للشحن ورجال أعمال إيرانيين، بعد انتقاد الكونجرس لتعامل الإدارة الأمريكية مع التصرفات الإيرانية، ومطالبته لإدارة “بايدن” بالاعتراف بفشل الاتفاق النووي، وتوقيع عقوبات أشد صرامة على إيران، وبذلك قد تعتبر العقوبات الأمريكية في هذا التوقيت وبعد ضغط الكونجرس اعترافا ضمنيا بفشل الاتفاق النووي.

كما نقلت إسرائيل منظومة رادارات حربية إلى البحرين والإمارات للإنذار المبكر عن أي هجمات إيرانية ضد هذه الدول، كما كثفت إسرائيل هجماتها ضد مواقع إيرانية في سوريا، وأهمها مطار دمشق بعد معرفة أن إيران ترسل أسلحة حديثة لحزب الله باستخدام طائرات مدنية، وأيضا الاغتيالات التي نفذتها ضد علماء وعسكريين إيرانيين، وبالتأكيد تمت هذه التحركات أو أغلبها بتنسيق مع الولايات المتحدة، وذلك وفقاً لوسائل إعلام أمريكية.

وبالتالي، فإن استراتيجية العداء لإيران، والبعد بعض الشئ عن سياسة التهافت والتفاوض لتوقيع الاتفاق النووي سيكون عنوان المرحلة المقبلة في التعامل مع إيران، وهو في حد ذاته عاملا مطمئنا بالنسبة للدول الخليجية للتقارب مع واشنطن مرة أخرى.

(*) دعم قوات التحالف في اليمن: حيث وجه الرئيس الأمريكي رسالة إلى الكونجرس في وقت سابق من هذا الأسبوع، أكد من خلالها نشر الولايات المتحدة قوات إضافية في اليمن، بهدف محاربة الجماعات المتطرفة، ومواصلة الدعم العسكري لقوات التحالف الذي تقوده السعودية، وعبر عن ذلك بقوله “تم نشر عدد من العسكريين الأمريكيين في اليمن، للقيام بعمليات ضد القاعدة وداعش في شبه الجزيرة العربية، وتقديم المشورة والمعلومات العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية، وسيواصل الجيش الأمريكي العمل عن كثب مع القوات الإقليمية الشريكة في عملياتها ضد أنصار الله”، كما وصف مهمة القوات الأمريكية بأنها “غير قتالية”. وكل ذلك يتنافى تماما مع تعهدات الإدارة الأمريكية في السابق بعزمها إنهاء الحرب الدائرة في اليمن، وأيضا وقف دعمها لقوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات. كما تم تمديد الهدنة في اليمن لمدة شهرين إضافيين.

وكان قد سبق ذلك جملة من التطورات في مسار استعادة العلاقات السعودية الأمريكية، مثل التراجع الواضح في تصريحات المسئولين الأمريكيين بشأن السعودية، وحديث بايدن نفسه صراحة عن إمكانية إجراء زيارة للمملكة بشأن الوقود، والزيارات التي تبادلها المسئولون السعوديون والأمريكان على مستويات عالية، بالإضافة إلى توارد عدة أنباء عن نية واشنطن تسليم سعد الجبري للسعودية.

الدوافع الأهم:

بالإضافة إلى سعي السعودية للتقارب مع روسيا والصين، كبدائل للولايات المتحدة، والاعتماد عليهم كشركاء اقتصاديين وتجاريين وعسكريين، وحتى وقت قريب رفضت السعودية وحلفائها من دول الخليج زيادة إنتاج النفط، كما هددت بفك الارتباط بين البترول والدولار. ولكن ثمة مجموعة من الدوافع التي تحفز الإدارة الأمريكية بشكل أكبر لقطع الشك باليقين وإتمام الزيارة إلى السعودية، ومن ضمنها:

(&) أزمة الطاقة: من المؤكد، وبغض النظر عن جملة المحفزات الأخرى _  لكن دون التقليل من أهميتها _أن أزمة الطاقة الحالية التي تعيشها الولايات المتحدة وأوروبا، من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، خاصة بعد حظر الاتحاد الأوروبي استيراد الغاز الروسي، وقطع روسيا إمدادات الغاز عن بعض الدول الأوروبية، تعتبر الدافع الأكثر إلحاحا كسبب للزيارة، والذي من شأنه دفع الإدارة الأمريكية للتخلي عن أيديولوجية مختزلة بشأن التعامل مع السعودية ودول المنطقة، والرئيس الأمريكي نفسه أكد في تصريح تليفزيوني على أن قراره بزيارة السعودية المحرك الأساسي له هو أزمة الوقود، قائلا “النقطة الأهم في هذا الموضوع هي إنتاج الوقود”. كما أن إصلاح علاقاته بالدول الخليجية ستمثل مزيدا من الضغط على الاقتصاد الروسي، حيث تعتبر صادرات الطاقة المنفذ الأساسي له تقريبا منذ بداية الحرب الأوكرانية، باعتبار أن روسيا هي المستفيد حاليا من ارتفاع أسعار الطاقة.

(&) تطبيع إسرائيل مع السعودية: أكد بايدن أكثر من مرة على أن الهدف الأساسي من زيارته للسعودية، هو أمن ومصالح إسرائيل، وبالتالي قد يتم مناقشة تشكيل تحالف أمني يضم إسرائيل ودول الخليج بقيادة واشنطن، والأمر نفسه طالب به وزير الدفاع الإسرائيلي. كما تطمح إسرائيل للتطبيع مع السعودية من أجل استكمال جهود مواجهة إيران، وهذا التطبيع إن تم بالفعل سيصب في مصلحة بايدن وحزبه في انتخابات التجديد النصفي باعتباره انجاز غير مسبوق، ولم يستطع رؤساء أمريكا السابقين تحقيقه، وأيضا يستفيد منه في الانتخابات الرئاسية المقبلة في ٢٠٢٤ بعدما أعلن بايدن عن نيته الترشح لولاية ثانية.

وبالتالي، قد يحاول بايدن انجاز عملية التطبيع بين السعودية وإسرائيل، وكخطوة أولى السماح للطائرات الإسرائيلية بالمرور عبر الأجواء السعودية، وهو ما سيحدث بالفعل بعد انتقال الرئيس الأمريكي من إسرائيل إلى السعودية، في أول رحلة مباشرة بين إسرائيل والسعودية، واعتبرها البعض بمثابة افتتاحية للتطبيع، بعد استخدام الطيران الإسرائيلي للأجواء السعودية.

وفي النهاية، يمكن القول إنه رغم تأكيد الزيارة وما تحمله من مؤشرات إيجابية عن مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، إلا أنه لا يتوقع أن تعود العلاقات إلى التجانس كما كانت في سابق عهدها، على أقل تقدير في ظل إدارة بايدن، ومع ضغوط الديمقراطيين في الكونجرس، الذين لا يزال أغلبهم معترضين على الزيارة حتى الآن، وفي ظل اتخاذ الرياض قرار بتنويع علاقاتها مع روسيا والصين، وكذلك صادراتها من الطاقة.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى