إشكالية الكيانات الموازية الإيرانية بالداخل وفي بلدان الأزمات العربية

انتهجت إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 وسيطرة نظام ولاية الفقيه على الحكم، استراتيجية تمكين “الكيانات الموازية” ليس في الداخل الإيراني فحسب، بل بعدد من دول المنطقة العربية، خاصة التي شكلت فيها طهران ميليشيات موالية لها، كما في اليمن، سوريا، لبنان، وأيضًا العراق، من خلال خلق تنظيمات عقائدية أو سياسية أو مسلحة، تحمل راية الفكر الشيعي الإيراني، وتشكل قواعد ارتكاز لنفوذ إيراني مستدام بهذه البلدان لتحقيق أوهام “الإمبراطورية الفارسية”.

وتُعرف الكيانات الموازية، التي يطلق عليها عدد من المسميات كـ “الدولة داخل الدولة “، “مراكز القوي”، و”الدولة الموازية”؛ بأنها تكتيك الهدف منه إنشاء مؤسسة موازية في عملها وتشكيلها للسلطة الحاكمة، وتكن غير منتخبة ولا تخضع لأية مساءلة قانونية أو مدنية، إلا أنها في الواقع تملك السلطة الفعلية ولكن بشكل غير رسمي، يكون الهدف منها، هو الحفاظ على شرعية الدولة ودعم استراتيجياتها في المجالات كافة، ولذلك فهي تكون أقوي من الدولة ذاتها بجميع مؤسساتها، وتنوعت أشكالها، فأحيانًا تكون عبارة عن ميليشيات مسلحة، وأحيانًا أخرى تنبسق من أجهزة الدولة وتشكل كيان موازي مستقل عن الدولة.

تشكيل الكيانات الموازية:

وعليه، يشير التيار الرئيسي في الأدبيات أن الكيانات الموازية تنامي دورها داخل بنية نظام الملالي حتي باتت تسيطر على أجهزة صنع القرار مقابل الكيانات التقليدية المتعارف عليها، بل وتسببت تلك الكيانات في إحداث أزمات جمة ببلدان الأزمات العربية، يمكن توضحيها على النحو التالي:

(*) الكيانات الموازية داخل جمهورية الملالي: بالنظر إلى الهيكل السياسي الحاكم في طهران، نجد كيانات موازية سياسية، عسكرية، وأيضًا اقتصادية، يتمثل أولهما في رأس الجمهورية الإيرانية فالمرشد الأعلى الإيراني “آية الله علي خامنئي” هو المتحكم الفعلي في عملية صنع القرار بالدولة ورغم أنه غير منتخب إلا أنه يتمتع بسلطات مطلقة ولا يخضع للمساءلة القانونية أو المدنية في حين أن الرئيس الإيراني المنتخب “إبراهيم رئيسي” لا يتمتع بالصلاحيات الواسعة – السياسية والعسكرية والتنفيذية – التي يحظي بها المرشد، الذي لديه صلاحية عزل الرئيس أيضًا.

وتأخذ غالبية القرارات المصيرية للبلاد بموافقة المرشد فقط ويحاسب الرئيس على نتائجها خاصة إذ تركت آثارًا سلبية على البلاد، وظهر ذلك بشكل واضح عند توقيع الرئيس الإيراني السابق “حسن روحاني” على الاتفاق النووي مع الدول الغربية عام 2015. فرغم موافقة المرشد الأعلى على توقيع هذا الاتفاق وقتها، إلا أن سهام الانتقاد توجه دومًا إلى “روحاني” خاصة بعد انسحاب الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” من الاتفاق في 2018 وفرض عقوبات أمريكية على إيران، تسببت في انهيار اقتصاد البلاد.

ويعد الحرس الثوري الإيراني، الذي تم تدشينه مطلع الثمانينات بأمر من المرشد السابق “آية الله الخميني”، هو المؤسسة العكسرية الموازية للقوات المسلحة النظامية (الجيش الإيراني)، من أجل حماية الثورة الإيرانية من أية تهديد داخلي أو خارجي، ونظرا لأنه يحظي بدعم الوالي الفقيه، فهو يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير، ويلعب ذراعه المسلح الممثل في “فيلق القدس” دورًا في نشر مخطط “تصدير  الثورة” بدول المنطقة.

وقد تأجج الخلاف بين الحرس الثوري (الكيان الموازي) والجيش الإيراني (الكيان التقليدي) على مدار السنوات الماضية، بعدد من الحوادث، التي كان يتحمل تكلفتها الجيش وحده، حتى وإن كان الحرس المتسبب في اندلاعها، كما أن مسؤولي الحرس لا يحاسبوا على جرائمهم، فعلى سبيل المثال في يناير 2020، أسقطت دفاعات الحرس الثوري”طائرة أوكرانية” بصاروخ عن طريق الخطأ في حادثة نجم عنها مقتل 176 شخصًا من جنسيات مختلفة، دعا عائلات الضحايا وبعض الدول الخارجية، لمحاسبة المتسبب عن هذه الحادثة، إلا أن نظام الملالي حتى الآن لم ولن يحاسب أي مسؤول بالحرس على تلك الواقعة.

وسبق، وأن كشف المساعد المنسق لقائد الجيش الإيراني “حبيب الله سياري” في حوار صحفي له مع وكالة أنباء إيرانية العام قبل الماضي (التي تم حذفها من قبل النظام فيما بعد) عن حالة الاحتقان السائدة بأوساط الجيش جراء تدخل الحرس في السياسة والاقتصاد، وتصاعد نفوذه الإعلامي.

وكشفت عدد من وسائل الإعلام الإيرانية المعارضة في وقت سابق، أن المحكمة العسكرية الإيرانية، تقوم ككيان موازي بدور المحكمة المدنية، وتحظي بجميع صلاحياتها، إذ يعتبرها المرشد الأعلى، أنها التنظيم القضائي الأساسي للدولة، خاصة أنه في مركز كل محافظة يتم إنشاء محكمة عسكرية محلية.

وهناك أيضًا قوات الباسيج (قوات التعبئة الشعبية، أو منظمة تعبئة المستضعفين) التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي تم تدشينها  في ثمانينيات القرن الماضي بهدف التصدي لـ”أعداء الثورة والدفاع عن النظام”، وتشكل جيشاً موازياً إلى جانب القوات النظامية وخاصة (قوات إنقاذ القانون أو قوات الدرك السريع) إلا أنها تتجاوزها، من حيث موارده المالية والنفوذ ومهامها داخل الدولة، فهي تخضع لدعم وإشراف المرشد الأعلى الذي يتولي مسؤولية اختيار وتعيين قائدها، والمسؤولين التنظيميين للميلشيات التابعة لها، وتتكون من متطوعين مدنيين، يشملون الذكور والإناث.

(*) الكيانات الموازية الإيرانية داخل بلدان الأزمات العربية:  سعى نظام الملالي لتطبيق استراتيجية الكيان الموازي في بلدان الأزمات العربية، خاصة بعد ثورات الربيع العربي وتغلغل الميليشات الموالية لطهران بشكل أو بآخر بأجهزة صنع القرار بهذه البلدان في محاولة لتشكيل “سلطة موازية” لسلطة الدولة ونجح بعضهم في فعل ذلك بدعم من النظام الإيراني. ففي اليمن، يقوم الحوثيين بهذا الدور بعد سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء وقيامهم بتشكيل أجهزة موازية للدولة في جميع المناحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتقدم لهم إيران جميع وسائل الدعم من أجل تنفيذ مخطط “تصدير الثورة”.

وفيما يخص لبنان، نجد “حزب الله اللبناني” المدعوم إيرانيًا، يقوم بدور المتحكم الفعلي في تفاصيل الحياة السياسية، في حين تلعب الحكومة اللبنانية دور الحاكم الصوري، وخلال الانتخابات التشريعية الماضية قدمت طهران للحزب جميع وسائل الدعم السياسي والمالي والعسكري، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، وخسر الحزب الغالبية في الانتخابات، وهو ما قد يؤثر على دور الحزب وحليفته إيران خلال الفترة المقبلة.

وهناك قاسم مشترك مع الحالة العراقية، إذ دشنت طهران “ميليشا الحشد الشعبي” (التي تضم أكثر من 100 فصيل مسلح) كي تكون كيان مواز لقوة الدولة العراقية، فهذه الميليشا تحمل مشاريع عقائدية وسياسية وعسكرية تسعى لتنفيذها في بلاد الرافدين وتخدم في الأخير مصلحة نظام ولاية الفقية بغض الطرف عن المصلحة السياسية العراقية، كما أن أغلب قياداتها ممثلة سياسيًا في جميع مؤسسات الدولة.

تأثير متعدد:

في ضوء ما سبق ذكره، فإن بعض وسائل الإعلام الإيرانية نقلت عن مصادر مطلعة قولها بأن “هناك حالة من التضاد والصراع قائمة حاليًا بين الكيانات الموازية داخل إيران، تركت أثرًا سلبيًا على الجمهورية الإيرانية”، وهو ما يطرح هذا التساؤل، كيف أثرت تلك الكيانات على واقع إيران داخليًا وخارجيًا؟، وهذا ما يمكن تفسيره على النحو التالي:

(&) تنامي فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية: لم تشهد إيران كتلة من العقوبات المفروضة عليها سواء أكانت الأمريكية أو الأوروبية إلا بعد تسلم نظام ولاية الفقيه مقاليد الحكم في إيران، واتبعه نهجًا مغايرًا لما كانت عليه البلاد قبل الثورة الإسلامية إبان حكم الشاه رضا بهلوي، والسبب جراء ذلك أن الدولة الإيرانية الموازية تضع مخطط “تصدير الثورة” نصب أعينها بغض الطرف عن أية خسائر من جراء تحقيق ذلك، فكانت نتيجة الاستمرار في تطوير البرنامج النووي الإيراني ودعم الميليشا الخارجية بالمال والسلاح، خضوع أفراد ومؤسسات إيرانية لطائلة هذه العقوبات التي أدخلت البلاد في نفق مظلم، وأثر بشكل سلبي على واقع إيران الدولي، وهو ما قد يمهد لعزلة دولية تشهدها طهران في المدي المنظور.

(&) تدهور الاقتصاد وانتشار التضخم: لم تكن العقوبات على إيران وحدها السبب في تراجع اقتصاد البلاد وانهيار عملتها المحلية، وانتشار التضخم وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والانتحار، إلا أن هيمنة ثلاث مؤسسات مالية اقتصادية عملاقة تخضع بشكل رئيس لإشراف المرشد “خامنئي” على النصيب الأكبر من ثروات البلاد كـ”مؤسسة  المستضعفين” المعروفة اختصارًا باسم “بنياد” والتي تحظي بنسبة إيرادات تقدر  بـ 2.5 مليار دولار، ومؤسساتي “ستاد، آستان”، ورغم أن هذه الكيانات الاقتصادية الموازية لمؤسسات الدولة تم تدشينها بهدف القضاء على الفقر- إلا أنها لم تقم بهذا الدور بل استولت على ثروات البلاد على حساب فقر وبطالة ومجاعة الإيرانيين، نظرًا لكون تلك المؤسسات تعمل خارج نطاق الحكومة، بجانب أنها معفاة من دفع الضرائب  بأمر من خامنئي، ولا تخضع لمساءلة البرلمان الإيراني.

(&) تشديد القبضة الأمنية على الاحتجاجات: يُوكل نظام الملالي الكيانات الموازية التي دشنها عقب الثورة مهمة قمع أي صوت معارض للنظام، وتقوم بتلك المهمة “قوات الباسيج” جنبًا إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني، فعند اندلاع أية احتجاجات بالبلاد تهدد عرش المرشد، تقوم هذه الكيانات على الفور باستخدام أبشع أساليب القمع بحق الإيرانيين، وسبق وأن طالب “خامنئي” إبان احتجاجات 2019، بإعادة هيكلة قوات الباسيج لتكن حاضرة حاضرة في كل مكان وكل وقت، كالدور الذي كانت تقوم به”اللجان الثورية الإسلامية” في ثمانينيات القرن الماضي.

(&) تصاعد وتيرة هجرة النخب الإيرانية: إحكام الكيانات الموازية قبضتها على البلاد وفشلها في إدارة شؤونها، ساهم أيضًا في ارتفاع معدل هجرة النخب التي باتت تبحث عن فرص معيشية واقتصادية أفضل، مما جعل إيران تحتل المرتبة 18 عالمياً في هذا الشأن، كما كشف استطلاع للرأي في يناير الماضي أن 83% من الإيرانيين وخاصة المعلمين، الأطباء، وغالبية النخب العلمية- يفضلون الهجرة للخارج، وكشفت إحصائية لأمانة المجلس الأعلی للإيرانيين مطلع العام الجاري، أن حوالي 4.04 ملايين من المواطنين هاجروا إلی خارج البلاد؛ لعدم وجود برامج حكومية للحد من التضخم والبطالة، هذا بجانب قمع الحرس الثوري وميليشاته للمواطنين، فضلًا عن عمليات التجنيد التي يقوم بها، مما يعني أن إيران تولي الأهمية للجانب العسكري متجاهلة تطوير الكوادر لديها، وبدلًا من أن يضع نظام الملالي الحاكم خطط للحد من تلك الظاهرة التي ستؤثر سلبًا على البلاد في المستقبل القريب، فإن المرشد الأعلى خرج في نوفمبر الماضي ليحذر من تصاعد عمليات الهجرة واصفًا حث النخب العلمية على الهجرة بأنه “خيانة”.

وهذه التداعيات السلبية ذاتها تنطبق على ما تقوم بها الكيانات الموازية الموالية لإيران في دول الأزمات العربية، إذ أن ميليشا الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان، وميليشا الحشد الشعبي في العراق، أدخلوا بلادهم في نفق المشاكل الاقتصادية والسياسية، وصاروا يشكلون دولة داخل الدولة لهم استقلاليتهم وميزانياتهم وإعلامهم الموازي الذي ينشر أفكارهم الشيعية المتطرفة ومؤسسات موازية لأجهزة الدولة، فبالنسبة لليمن ارتفعت معدلات الهجرة جراء القمع الحوثي وسيطرة تلك الميليشا على جميع رواتب المواطنين، بل وإجبارهم على التجنيد في جبهات القتال الحوثية.

أما لبنان، فإن حزب الله يعد من ضمن الأسباب التي جعلت لبنان تعاني من أزمات اقتصادية، حتى أعلنت إفلاسها المالي في أبريل الماضي، أما فيما يخص العراق فإن خسارة الكيانات الموالية لإيران في الانتخابات التشريعية العراقية الماضية، جعل تلك الكيانات تضع العراقيل أمام تشكيل الحكومة العراقية.

دولة ضعيفة:

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول أن الدول التي تشكل كيانات موازية تقوم بالدور الأساسي للدولة، دليل على ضعف تلك الدولة وفشلها في القيام بوظائفها وأداء سياساتها سواء فيما يخص القطاع العام أو الخاص، وعليه فإن تدشين الجمهورية الإيرانية لمثل هذه الكيانات جعلها في نهاية الأمر بمثابة “الدولة المشلولة أو العاجزة” عن إدارة أزماتها الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن سياساتها التصادمية مع المجتمع الدولي نتيجة عدم اتفاق الرؤي الحاكمة داخل البلاد، بجانب أن تدشينها لكيانات موازية بالخارج ليس الهدف منه مساعدة تلك البلدان، بل من ناحية تأسيس قاعدة ارتكاز لنفوذ إيراني مستدام، ومن ناحية أخري القيام بـ”حروب الوكالة” نيابة عن قوات الملالي، وهذا تحسباً لأي طارئ قد يطرأ على علاقات إيران مع هذه البلدان.

 

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى