أي تحديات يواجهها “شيخ محمود” في الصومال؟

شهدت الانتخابات الرئاسية الصومالية، منافسة شرسة بين 36 مرشحًا، انتهت بفوز الرئيس السابق حسن شيخ محمود على حساب الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله الشهير “بفارماجو”، حيث صوت البرلمان لصالح الأول بأغلبية بلغت 214 صوتًا مقابل 110 صوتًا لصالح الأخير، وذلك خلال جولة الإعادة الثالثة التى عقدت داخل أحد هناجر الطائرات داخل مطار مقديشو وسط حراسة مشددة خوفًا من أي هجمات تشنها الجماعات الإرهابية.[1]

 عوامل فشل “فارماجو” وفوز “شيخ محمود”:

يرجع فوز حسن شيخ محمود إلى نجاحاته السابقة فى فرض هدوء نسبى بالصومال خلال فترة رئاسته الأولي، وكذلك تمكنه من إضعاف حركة شباب المجاهدين المسلحة والموالية ذات الولاء القاعدي، حيث تمكن “شيخ محمد” من طردهم في العديد من مناطق نفوذهم. كما يرجع تقدم شيخ محمد على منافسه “فارماجو” إلي ما يحظى من دعم إقليمي ودولي كبير، بالإضافة إلى إدارته الناجحة للمراحل المتعاقبة للانتخابات، قيامه بعقد تحالفات ناجحة مع منافسيه فى الجولات السابقة من أجل الحصول على دعمهم وأصوات مؤيديهم.

ومن ناحية أخرى، كان فشل الرئيس السابق “فارماجو” بسبب حالة الفوضى التي تعم الأراضي الصومالية، بالإضافة إلى تأثيرات تأجيل عملية الانتخابات التى أدى إلى الاقتتال الداخلي، الذي يعتبره البعض بمثابة الإلهاء عن مواجهة حركة شباب المجاهدين، المُتمكنة خلال فترة حكم “فارماجو” من السيطرة على العديد من المناطق داخل الصومال، فوفقا للمراقبين أن أهم ما كان يشغل “فارماجو” هو إطالة أمد بقائه فى السلطة حتى ولو على حساب الصومال ووجودها.[2]

كذلك أدى التقارب الفكرى بين “فارماجو” و”آبى أحمد” رئيس الوزراء الإثيوبي إلى تزايد الغضب الشعبي ضده، حيث سعى كل منهما إلى جعل السلطة التنفيذية مركزية داخل حكومتيهما الفيدرالية، وذلك على الرغم من المعارضة الشديدة، الأمر الذي وضع الصوماليين في مواجهة دائمة مع بعضهم، بل في حالة اقتتال، وهو ما أعاد إلى الأذهان مرحلة صراع الصوماليين مع الحكم المركزي إبان فترة حكم سياد بردى، والتى أدت إلى انهيار الدولة عام 1991، كما أنه قام باستخدام العنف واستبعاده المعارضين المناهضين لسياسته، حيث قام بإبعاد المسئولين غير المواليين لسياسته على مستوى الولايات والمستوى الفيدرالى ونشر أتباعه بدلًا منهم مما أثار ردود فعل قوية ضده.[3]

أما على مستوى الشركاء الدوليين، فقد كانت إدارة “فارمجو” تميل إلى خلق احتكاكات غير ضرورية، حيث تقربت الصومال مع بعض دول الجوار على حساب صداقات قديمة وراسخة، فعلى سبيل المثال دخل “فارماجو” فى تحالف ثلاثي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والرئيس الإريتري أسياس أفورقى، وهو ما أدى وفقاً للمراقبين إلى حدوث خلافات عديدة انتهت بقطع العلاقات مع كل من كينيا وجيبوتى، كذلك سعى “فرماجو” إلى توطيد علاقاته مع قطر وتركيا، وهو ما أدى إلى توتر علاقاته مع باقى شركائه الخليجيين الآخرين مثل السعودية والإمارات، حيث قامت الإمارات العربية المتحدة بإلغاء تدريب الجيش الصومالى، وأغلقت مستشفى تديرة فى مقديشو وأقامت علاقات مع حكومة أرض الصومال، وهو ما يعنى أنه كان يعتمد على سياسية خارجية تقوم على عقلية انتقامية أدت إلى تفاقم التوترات بشكل كبير.[4]

هذا بالإضافة إلى تبني حسن شيخ محمود في لحملة انتخابية متزنة، كانت تقوم على فكرة عدم العداء للداخل أو الخارج، مؤكدا خلال حملته الانتخابية على عدم الانتقام من القادة الذين عارضوا صعوده إلى السلطة. [5]

تحديات “شيخ محمد”:

من ناحية أخرى يواجهه الرئيس المنتخب حسن شيخ محمود، العديد من التحديات التى تتطلب مواجهة سريعة وحاسمة من أجل إعادة الاستقرار للصومال، لعل أهمها:

(*) إعادة الاستقرار والسلام الداخلي فى الصومال: أدى تأجيل الانتخابات لمدة تزيد عن 15 شهرًا منذ انتهاء ولاية الرئيس محمد عبد الله فارماجو فى فبراير 2021 إلى المزيد من الاقتتال الداخلى بين العشائر الصومالية، حيث شهدت تلك الفترة حالة من الاستقطاب، وبالتالي سيتعين علي الرئيس المنتخب خلال الفترة المقبلة الجمع بين النخب السياسية فى الصومال بما فى ذلك الخصوم السابقون، ومحاولة وضع رؤية مشتركة لدفع الصومال إلى الأمام وذلك من خلال ما يلي:

(-) وضع اللمسات الأخيرة على الدستور غير المكتمل، الذى يشكل نقطة محورية فى الصراع على السلطة بين الرؤساء ورؤساء الوزراء طيله العقدين الماضيين.

(-) توفير الدعم لإنشاء محكمة دستورية لتسوية الخلافات حول الدستور وتفسيره لتسوية الخلافات السياسية والانتخابية فى الصومال.

(-) تحقيق أكبر قدر من الوحدة على المستوى الفيدرالي والمجتمعي، وذلك من خلال تحسين العلاقات بين الحكومة الفيدرالية والحكومة المركزية وإعادة الاجتماعات المشتركة التى توقفت تمامًا خلال فترة حكم “فارماجو” ومحاولة تسوية الخلافات بين الفيدراليات الصومالية، التي نمت بسبب التدخلات الفيدرالية في المرحلة السابقة.[6]

(*) تدهور الأوضاع الاقتصادية ومواجهة الجفاف والمجاعة: تعد مشكلة الجفاف التى تضرب الصومال منذ أكثر من 4 مواسم متتالية، والتي تعد أسوأ موجه جفاف تضرب البلاد منذ أكثر من 40 عامًا، بالإضافة إلى جفاف الآبار والآبار الضحلة، ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية يعد الصومال حاليًا واحدًا من أكثر البلدان تضررًا من الجفاف فى القرن الأفريقي، حيث تأثرت حياة أكثر من 4.5 مليون نسمة بشكل مباشر من الجفاف، ونزوح حوالي مليون شخص من ديارهم بحثًا عن الطعام والماء والمأوى.[7]

كذلك تواجه الصومال أزمة إنسانية خطيرة، نتيجة الجفاف، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية مع محدودية الإمدادات وانهيارها نتيجة للحرب الروسية-الأوكرانية، التي أدت إلى تفاقم الوضع الإنساني فى الصومال، وهو ما يعنى تكاتف الجهود بين المانحين الدوليين والحكومة الجديدة من أجل وصول تلك المساعدات إلى السكان سواء فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة الصومالية والمناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب، وهو تحدى جديد يواجه الحكومة الصومالية الجديدة.[8]

(*) مواجهة حركة شباب المجاهدين: يشكل العنف الذي تمارسه حركة شباب المجاهدين الموالية لتنظيم القاعدة فى الصومال، تهديدًا خطيرًا للحكومة الصومالية الجديدة، حيث نجحت الحركة فى استغلال فترة حكم “فارماجو” وبات لها سيطرة واسعة على بعض المناطق، حتى أصبحت تمثل دولة داخل الدولة، تقوم بتحصيل الضرائب من المواطنين في مناطق سيطرتها، وهو ما يعنى إمدادها بمزيد من الموارد التى تدعم وجودها بشكل قوى، كذلك الحكم فى القضايا وإجبار الأطفال والقصر على الانضمام إلى صفوفها، وقيامهم بتنفيذ العمليات الانتحارية، وهو ما يعنى توفير دعم بشرى ومقاتلين جدد باستمرار.[9]

وختامًا، يسعى الرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود إلى تفعيل سياسة تصفير المشكلات سواء داخليًا أو خارجيًا خلال الفترة المقبلة عبر إعادة هيكلة السياسة الخارجية للصومال وتلافى كافة الآثار التي خلفها سلفه “فارماجو” سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي دون إخلال بمبادئ تحقيق المصلحة للصومال.

 ومن المرجح خلال الفترة المقبلة تدهور علاقته بجارته إثيوبيا، والتى مثل لها فوز حسن شيخ محمود صدمة قوية، خاصة وأن هناك العديد من التقارير تشير إلى وجود علاقة قوية بين جبهة تحرير شعب التيجراى، وهو ما سيعيد بلورة العلاقات بين مقديشو وأديس أبابا، مع احتمالات تعزيز العلاقات الصومالية الكينية، التى تراجعت كثيرًا خلال فترة حكم الرئيس السابق.

_____________________________________________________

المراجع:

[1]https://www.france24.com/en/africa/20220516-hassan-sheikh-mohamud-elected-president-of-somali-for-second-time.

 

[2]حسن شيخ محمود رجل المفاجات امام اخبار الفرصة الثانية ، جريد والشرق الأوسط ، 28 مايو 2022 العدد 15887 على الرابط:

https://tinyurl.com/2e46xunh

 

[3]https://www.worldpoliticsreview.com/articles/29356/the-tigray-conflict-s-fallout-for-somalia-ethiopia-relations.

[4]https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13597566.2021.1998005

[5]https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/east-africa/return-of-hassan-mohamud-chance-for-a-somalia-reset-3837932

[6]https://www.keydmedia.net/news/the-big-challenges-facing-new-somali-president

[7]https://news.un.org/ar/story/2022/01/1092542

[8]https://www.usip.org/publications/2022/06/somalias-critical-transition-comes-amid-al-shabab-and-hunger-challenges

[9]https://www.nytimes.com/2022/05/15/world/africa/somalia-election-president.html

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى